التجارة الرابحة.. تجلياتُ البيانِ النبوي في فضلِ عبادةِ الخفاءِ

تُمثل "عبادةُ الخفاء" ذروة السنام في فقه القلوب، وهي تلك العبادة التي تخرج من مشكاة الإخلاص الصرف، حيث لا يطّلع عليها إلا الله، ولا يُبتغى بها إلا وجهه الكريم.. إنها عبادةٌ تترفّع عن ضجيج الاستعراض، وتأبى قُيود التباهي، لترتقي بالعبد إلى مقام "الإحسان" (أن تعبد الله كأنك تراه)؛ لذا وُصفت بأنها "التجارة الرابحة"، والدرع الواقي من فتن الدنيا؛ لأنها تحرر النفس من الارتهان لثناء البشر، وتجعل العبد غنياً بربه عن مدح المادحين.

لم يغفل القرآن الكريم عن طبيعة النفس البشرية وحاجتها أحياناً للظهور كمثالٍ يُحتذى، فوازن بين العمل الظاهر والخفي بأسلوبٍ بليغ، يقول تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271].

إن التأمل في قوله تعالى (فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) يكشف لنا أن "الخيرية" هنا ليست مجرد فضلٍ عابر، بل هي وقاية للقلب؛ فالإخفاء يمنع النفس من التعلّق بالجاه، ويقطع طمعها في رتب الدنيا، ويذكّرها دائماً أن الميزان الحقيقي هو "ميزان السماء"، حيث لا عبرة إلا بما استقر في القلوب وصَدّقه العمل.

إشراقات لغوية ودلالية في الهدي النبوي

لقد رسم لنا المصطفى ﷺ معالم هذه العبادة في حديثٍ جامعٍ رواه الزبير بن العوام رضي الله عنه: "مَنِ ‌اسْتَطَاعَ ‌مِنْكُمْ ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌لَهُ ‌خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ".

وإذا غصنا في بحر كلمات هذا الحديث، لاستخرجنا من جواهره ما يلي:

فلسفة "الاستطاعة": تعبير النبي ﷺ بكلمة (اسْتَطَاعَ) يشير إلى أن "الخفاء" ليس بالأمر الهين؛ فالميل للظهور وحب الثناء غريزة إنسانية، ومجاهدتها تحتاج إلى قوةٍ روحيةٍ كبرى. فكأنه يقول: "من قدَرَ على قهر شهوة الظهور لديه، فليفعل".

بلاغة لفظ "الخَبْء": "الخَبْءُ" في اللغة هو المستور الذي لا يراه أحد. واستخدامه هنا "استعارة مكنية" بديعة؛ حيث شبه العمل الصالح بالكنز النفيس أو المتاع الثمين الذي يُخبأ في وعاءٍ مكين. هذا التصوير ينقل العمل من كونه "فكرة معنوية" إلى "كيان مادي" ملموس، مما يحفز المؤمن على كنز هذه الخبايا وتوفيرها ليوم الفاقة.

سر التنكير الشامل: جاءت كلمتا (خَبء) و(عمل) نكرتين لفتح آفاق المعنى من خلال:

التعظيم: أي خَبءٌ عظيم الجدوى والقدر عند الله وإن صغر في أعين الناس.

التعميم: أيّ نوع من أنواع العمل، سواء كان ركعة، أو دمعة، أو كلمة، أو صدقة يسيراً.

إحكام البناء الشرطي: اقتران الفاء بجواب الشرط (فليفعل) يعطي النص تدفقاً وحسماً، ولام الأمر هنا للتأكيد والترغيب الشديد، واستعمال الفعل المضارع (يفعل) يوحي بأن الخبيئة ليست حدثاً لمرة واحدة، بل هي نمط حياة متجدد ومستمر.

وتتجسد قمة البلاغة النبوية في وصف حالة التخفي بحديث السبعة الذين يظلهم الله، حيث ذكر: «رجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينُه». هذا الأسلوب يسمى "المبالغة المقبولة"، حيث صوّر لنا الخفاء لدرجة أن أقرب الأعضاء للمرء لا يدرك فعل العضو الآخر. فإذا كانت اليد الشمال -وهي ملاصقة لليمين- لا تعلم، فكيف بالبعيد؟ وكيف بالغريب؟ إنها دعوة لأن يكون الإخلاص سراً مطوياً حتى عن نفس الإنسان لولا ضرورة العلم بالعمل.

الخبيئة في مدرسة السلف.. أفعالٌ نطق بها الصمت

تحولت هذه الكلمات النبوية في حياة الصدر الأول إلى منهج حياة؛ فلم تكن مواعظ تُسمع، بل سلوكاً يُعاش.

يُروى عن زين العابدين، علي بن الحسين، أنه كان يُعيل مئة بيت من أهل المدينة ولا يدرون من يعيلهم، وكان يحمل جراب الدقيق على ظهره بالليل، حتى إذا مات وجدوا في ظهره آثاراً سوداء من حمل تلك الأكياس، فقالوا: "هذا أثر كيس الدقيق الذي كان يحمله بالليل إلى منازل الأرامل والفقراء".

 وهذا أيوب السختياني كان يقوم الليل كله، فإذا طلع الفجر تمطّى ورفع صوته كأنه استيقظ تلك الساعة، ليوهم الناس أنه كان نائماً! إنها عبقرية الإخلاص التي تخشى على العمل من "نظرة الخلق" أكثر مما تخشى عليه من العدم.

تحدي الخبيئة في عصر "المنصات" و"التريند"

نحن نعيش اليوم في "عصر المنصات المفتوحة"، حيث تُقاس القيمة الاجتماعية بعدد "الإعجابات" و"المشاركات"، وحيث أصبح "البث المباشر" يلاحق الإنسان حتى في أدق تفاصيل عباداته عند الكعبة أو في جوف الليل.

في هذا الضجيج، يبرز الحديث النبوي "من استطاع منكم أن يكون له خبء" كطوق نجاة:

- الاستثمار في صمت: تدريب النفس على القيام بأعمال إيجابية دون تصويرها أو نشرها (جبر خاطر، سداد دَين، مساعدة زميل).

- خلوة الروح: جعل وقت محدد يومياً لا يشاركك فيه إلا الله، بعيداً عن صخب الهواتف (ركعتان، أو استغفار طويل).

- العطاء الرقمي المستتر: استغلال تطبيقات التبرع للإنفاق دون ترك أثرٍ يدل على شخصيتك، ودون إرسال "لقطة شاشة" (Screenshot) للتباهي.

إن المجتمع الذي يكثر فيه أصحاب "الخبايا الصالحة" هو مجتمع صلب البنيان، عزيز الأخلاق؛ لأن أفراده يتنافسون في "الحقائق" لا في "المظاهر".

ليس المطلوب اعتزال الناس أو ترك العمل العلني -فالدعوة والقدوة مصلحة شرعية- ولكن المطلوب أن يكون لكل مؤمن "محرابٌ سري" لا تدخله عدسات الكاميرات ولا منشورات التواصل.. سرٌّ مقدس بين العبد وربه، فذلكم هو جوهر العبودية وصدق المحبة.

 

اقرأ أيضا:

- بين التفقه في الدين واعتياد الخير.. وقفات بلاغية
- سر الإيجاز النبوي.. 3 جمل تختصر منهج بناء الشخصية المسلمة المتوازنة
- بين ظلال الطير وسكون اليقين.. قراءة أسلوبية في بلاغة التوكل بين الوحيين


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة