معبد الإلحاد يهتز (29)
ما حقيقة دعوى وجود أربع أخطاء في آيتين من القرآن؟
يتعامل الملحدون مع القرآن الكريم بمنهج غريب ومتناقض.. يقرؤونه قراءة حرفية ضيقة، ثم يحاكمونه كأنه تقرير علمي في الفلك الحديث أو كتاب فيزياء كونية، فإذا لم يجدوا فيه مصطلحات النسبية العامة أو معادلات ميكانيكا الكم، أعلنوا فورًا اكتشاف «أخطاء علمية»، وتسابقوا إلى نشرها كأنهم اكتشفوا ما خفي على الأولين.
وهذه الطريقة تكشف مشكلة منهجية
عميقة.. وهي الخلط المتعمد بين اللغة الكونية الإدراكية للبشر وبين لغة المعادلات
المختبرية.. القرآن الكريم، يخاطب الإنسان بلغته الطبيعية وقدرته الإدراكية، وليس
بلغة الرياضيات المجردة التي لم تنضج إلا في القرون الأخيرة.
والشبهة التي بين أيدينا اليوم
تُقدَّم بثقة استثنائية: «أربع أخطاء جوهرية في آيتين فقط»، وهي ثقة تستحق وقفة،
لأن الثقة في الخطأ ليست فضيلة.. بل هي الخطأ نفسه مُضاعَفًا. وسنُبيِّن أن ما
سُمِّيَ أخطاء ليست إلا مغالطات منهجية متراكمة، بعضها يُفنِّد بعضًا، وكلها تكشف
أن المشكلة ليست في النص، بل في العدسة المعوجّة التي يُقرأ بها.
نص
الشبهة:
«حين نقرأ القرآن بوصفه نصًا كُتب في
عصرٍ كان الإنسان فيه يفسّر الكون بما تراه عينه المجرّدة وبما يسمح به خياله،
سنفهم لماذا يحتوي على تصوّرات بدائية عن الطبيعة والسماء والأرض. المشكلة ليست في
أن أناس ذلك الزمن صدّقوا هذه التصوّرات، فهذا طبيعي تاريخيًا، بل المشكلة
الحقيقية أن أناس هذا العصر، بعد كل ما وصل إليه العلم، ما زالوا يعتبرون هذه
التصوّرات كلام الله ومعجزة خالدة.
لنأخذ مثالًا واحدًا فقط، لا من
عشرات الآيات، بل من آيتين متتاليتين في سورة نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ
اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. بالتدقيق في هاتين الآيتين، نجد أربع أخطاء واضحة،
لا تحتاج إلى فلسفة ولا إلى تأويل معقّد.
أولاً: مشكلة «ألم تروا». الآية تبدأ
بسؤال ظاهره الاستفهام: «ألم تروا». السؤال البسيط هنا: من الذي رأى؟ وماذا رأى؟
لا أحد رأى خلق السماوات، لا العرب ولا غيرهم. لذلك يحاول المفسرون الهروب بالقول
إن العبارة ليست سؤالًا حقيقيًا، بل أسلوب بلاغي للتذكير أو التقرير. لكن هذا لا
يحل المشكلة، بل يكشفها. التذكير لا يكون إلا بشيء شاهده المخاطَب أو يعرفه معرفة
مباشرة. لا معنى لأن تقول لشخص: ألم ترَ كيف حدث كذا؟ وهو لم يرَ شيئًا أصلًا ولا
يمكنه التحقق منه. هذا الأسلوب ليس دليلًا ولا برهانًا، بل خطاب إنشائي فارغ يعتمد
على التسليم لا على العقل.
ثانيًا: ما هي «السبع سماوات»؟ الآية
تتحدث عن سبع سماوات. لكن لنسأل سؤالًا بسيطًا: ما هي السماء أصلًا؟ في الاستعمال
القديم، السماء هي كل ما نراه فوق رؤوسنا: النجوم، الكواكب، القمر… لكن علميًا،
هذا كله جزء ضئيل جدًا من الكون، وليس كيانًا مستقلًا اسمه سماء. لا يوجد في العلم
شيء اسمه «سماء»، بل يوجد كون واحد شاسع، وما نراه من الأرض مجرد جزء محدود منه.
فما معنى سبع سماوات؟ لا يوجد أي تعريف علمي، ولا أي توصيف قابل للفحص أو
الاختبار. مجرد رقم ورمز نابع من الخيال والأسطورة. وقد يحاول البعض إنقاذ النص
بالقول إن المقصود «سبعة أكوان». حسنًا، أين الدليل؟ هل قدّم القرآن نموذجًا
علميًا؟ هل استُخرجت منه نظرية فيزيائية؟ الجواب واضح: لا.
ثالثًا: مأزق «طباقًا» (فوق وتحت).
تضيف الآية وصفًا آخر: «طباقًا»، أي سماوات فوق بعضها. وهنا يقع النص في مأزق
قاتل. الفوق والتحت مفهومان نسبيان، لا وجود لهما في الكون بمعناه العلمي: ما هو
فوقك هو تحت شخص آخر في الجهة المقابلة من الأرض. نحن نرى القمر فوقنا، لكن من يقف
على سطح القمر سيرى الأرض فوقه. في الفضاء لا يوجد «فوق» و«تحت»، بل اتجاهات نسبية
فقط. لهذا لا يتحدث أي عالم فلك عن مجرات «فوق» أو «تحت» مجرات أخرى. تصوّر
السماوات كطبقات فوق بعضها لا يصدر إلا عن عقل يتخيّل: أرضًا ثابتة، وسماءً كسقف،
وعالمًا مقسومًا عموديًا. وهو تصوّر بدائي سابق للعلم، لا علاقة له بواقع الكون.
رابعًا: القمر «نورًا في السماوات».
تقول الآية: «وجعل القمر فيهن نورًا» أي أن القمر نور في السماوات السبع كلها.
وهذا خطأ واضح من ناحيتين: القمر ليس مصدر نور أصلًا، بل يعكس ضوء الشمس. حتى هذا
الضوء الضعيف لا يملأ السماء، ولا يصل إلا لمسافة محدودة جدًا. فإذا كان المقصود
بالسماء هو الكون، فكيف يصل نور القمر إلى مجرات تبعد ملايين السنين الضوئية؟ وإذا
كان المقصود هو الفضاء القريب من الأرض، فحتى هنا الوصف غير صحيح علميًا. هذا
الكلام لا يصدر إلا عن شخص كان يتخيّل الكون صغيرًا ومحدودًا، يمكن لجِرم بحجم
القمر أن يضيئه.
في آيتين فقط من سورة نوح نجد:
خطابًا يقوم على رؤية لم تحدث، ومفهومًا أسطوريًا للسماء، وتصورًا طبقيًا يناقض
بنية الكون، وفهمًا خاطئًا لطبيعة القمر والضوء. هذه ليست «تفاصيل لغوية»، ولا
«أسرار بلاغية»، بل أخطاء تصوّرية جوهرية. فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نؤوّل النص
ليتماشى مع العلم؟ بل: لماذا نصرّ على اعتباره كلام إله عليم أصلًا؟ ﴿أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ التدبّر الحقيقي لا يحمي النص من النقد… بل يكشفه»
ا.هـ
الآيتان موضع الشبهة هما:
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا
كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ
نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (نوح: 15-16).
الرد على
الشبهة:
أولًا: «ألم
تروا»!
يبدأ الملحد بما يظنه أذكى سخافاته،
فيقول: إن التذكير لا يكون إلا بشيء شاهده المخاطَب مباشرة، وما دام أحد لم يرَ
خلق السماوات، فالخطاب فارغ لا معنى له.
الملحد اخترع قاعدة لغوية لا وجود
لها. عبارة «ألم تروا» أو «ألم تر» أسلوب عربي بلاغي راسخ يعني ألم تعلم؟ ألم
تتأمل؟ ألم تستدل؟ وليست محصورة في الرؤية البصرية الحرفية بأي حال.. ودليل ذلك
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، مع أن
سيدنا ﷺ وكثيرًا من العرب لم يشهدوا الحدث بأعينهم.. بل نقول نحن اليوم بلغة علماء
أوروبا والغرب عموما: «انظر إلى الانفجار العظيم»، «انظر كيف تشكلت النجوم الأولى»
مع أن أحدًا لم يرَ شيئًا من ذلك رؤية مباشرة.
إذا قبلنا قاعدة الملحد أن الاستدلال
لا يصح إلا بما شاهده المخاطَب مباشرة فإننا لا نطعن في القرآن الكريم وحده، بل
نهدم كل العلم الحديث من أساسه.. فلم يرَ أحد الانفجار العظيم، ومع ذلك يتم
الاستدلال عليه من توسع الكون وإشعاع الخلفية الكونية.. ولم يرَ أحد تكوّن الأرض
قبل 4.5 مليار سنة، ويتم الاستدلال عليه من الصخور والنظائر المشعة..
فهل يجرؤ الملحد أن يقول لعلماء
الكونيات: «لا معنى لأن تقول لشخص ألم ترَ الانفجار العظيم وهو لم يرَ شيئًا»؟
بالطبع لن يجرؤ، فهو يطبّق المعيار على القرآن الكريم ويعفي منه العلم، وهذا
بالضبط هو ازدواج المعيار الذي يُبطل الشبهة من جذورها.
الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز
بيرس سمّى الاستدلال من الأثر على العلة «الأبداكشن» (Abduction)، وهو يُعدّ من أرقى أشكال التفكير العلمي. والفيلسوف ريتشارد
سويبورن بيّن أن الاستدلال من النظام الكوني المرئي على مُنظِّمه لا يختلف في
بنيته المنطقية عن استدلال الفيزيائي على الثقب الأسود من سلوك الأجرام المحيطة به
- وكلاهما رؤية بالأثر وليست بالعين.. والقرآن الكريم حين يقول ﴿أَلَمْ تَرَوْا
كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ﴾ يُشير إلى النظام الكوني المنظّم الذي يراه المخاطَب كل
يوم في السماء والأرض والقمر والشمس، مستدلًا بالأثر على المؤثر.. وهذه البنية
الاستدلالية بالذات هي التي يقوم عليها العلم نفسه. فما سمّاه الملحد «خطابًا
إنشائيًا فارغًا» هو في الحقيقة أرقى أشكال الاستدلال العقلي.
بل يزيد الأمر دقةً: ميكانيكا الكم
تُثبت أن الرؤية المباشرة ذاتها قد تُغيّر المُشاهَد وفق مبدأ عدم اليقين
لهايزنبرغ، فأيّ «رؤية حرفية» يطالب بها الملحد في كون تفرّ منه الرؤية المباشرة
هربًا؟
ثانيًا:
«السماء» ومحاكمة اللغةُ بمعيار لم تدّعِه
ينتقل الملحد إلى اعتراضه الثاني: لا
يوجد في العلم شيء اسمه «سماء»، فهي مفهوم أسطوري لا قيمة له.
وهذا الاعتراض يكشف عن خلط فادح بين
جنسين من الكلام لا يصح تحكيم أحدهما على الآخر.
«السماء» في العربية تعني كل ما علا
وأظل: السحاب، والمطر، والغلاف الجوي، والفضاء، وعالم النجوم. يقول اللغويون: «كل
ما علاك فأظلك فهو سماء». وهذا المعنى الواسع المرن لم يدّعِ يومًا أنه مصطلح
فيزيائي محدد، ومطالبة نص هداية أخلاقي بأن يستبدل كلماته بمعادلات الفيزياء
النظرية مغالطة معروفة سمّاها الفيلسوف جيلبرت رايل «خطأ الفئة» (Category
Mistake): تحكيم معايير جنس على نص من جنس مختلف
كليًا.
ويزيد الأمر وضوحًا.. أن العلوم
نفسها لا تتخلى عن اللغة الإدراكية حين تتواصل مع البشر. «شروق الشمس وغروبها»
مصطلحان رسميان في علم الأرصاد الجوية، مع العلم القاطع بأن الشمس لا تشرق ولا
تغرب. «الثقب الأسود يبتلع»، «الجسيمات تولد وتموت»، «الكون يتمدد».. كل هذه
تعابير إدراكية يستخدمها العلماء يوميًا ولا يعتبرها أحد أساطير.. فمن يعترض على
القرآن الكريم في هذا الباب عليه أن يعترض أولًا على كل علماء الأرصاد والكونيات
في العالم.
وأما قوله إن «سبع سماوات» مجرد رقم
أسطوري، فسيأتي جوابه في المقطع التالي بما يكفي ويشفي.
ثالثًا: «سبع
سماوات طباقًا».. العلم لم يستكشف 95% من الكون بعد
يصف الملحد «سبع سماوات» بأنها مفهوم
لا تعريف علمي له ولا توصيف قابل للفحص.. وهذا الاعتراض يقع في مغالطة منطقية
فادحة اسمها الاحتجاج بالجهل (Argument from Ignorance): عدم اكتشافنا لشيء لا يعني عدم وجوده.
نحن اليوم نجهل نحو 95% من محتوى
الكون.. المادة المظلمة وحدها تشكّل ~27% منه، والطاقة المظلمة ~68%، وكلاهما غير
مرئي ولا يُكتشف إلا من آثاره.. بل إن الفيزياء الحديثة نفسها تتحدث عن أبعاد
إضافية (نظرية الأوتار تفترض 10 أو 11 بعدًا)، وعن أغشية كونية (Branes)، وعن أكوان متعددة (Multiverse). والفيزيائي ماكس تيجمارك صنّف الأكوان المتعددة في أربعة
مستويات وجودية متراكبة، والفيزيائي ليونارد سوسكيند طوّر مفهوم "المشهد
الكوني" (Cosmic Landscape)
الذي يصف مستويات مختلفة من الوجود الفيزيائي.. فمفهوم «السماوات الطباق» أي
المستويات المتراكبة لا يتعارض مع الفيزياء.. بل يتقاطع معها في روحه العامة وإن
اختلفت التسميات.
وأما «السبع» فهي في اللغة العربية
والقرآن الكريم غالبًا للكمال والتعدد لا للحصر العددي الدقيق، وهو أسلوب معهود في
كلام العرب. والأهم من ذلك.. القرآن الكريم لم يصف السماوات بقباب معدنية محددة أو
كواكب عدّها بالأصابع، بل ترك الوصف عامًا مرنًا لا يصطدم بأي اكتشاف. وهذا عكس
الأساطير القديمة التي كانت محددة ومتصادمة مع الواقع، فنجد إينوما إيليش البابلية
تصف السماء على أنها جسد الإلهة تيامات المقسوم نصفين، والأساطير الإغريقية تصف
السماء على أنها «الإله أورانوس».. كل هذه النماذج تحطمت أمام الفيزياء الحديثة،
بينما لا يحمل القرآن الكريم نموذجًا مغلقًا يمكن دحضه.
الادعاء بعدم وجود «سبع سماوات» في
العلم الحديث هو مثل قول إنسان ما قبل الميكروسكوب: «الجراثيم لا وجود لها لأنني
لم أرها»!
رابعًا:
«طباقًا»
يزعم الملحد أن تصوّر السماوات طبقات
فوق بعضها تصوّر بدائي لا علاقة له بالكون الحقيقي، لأن الفوق والتحت مفهومان
نسبيان لا وجود لهما في الفضاء.
وهذا الاعتراض يخلط بين مستويين لا
يجوز خلطهما.. اللغة الإدراكية من موقع الإنسان على الأرض، والمصطلح الفيزيائي
المجرد..
القرآن الكريم يخاطب الإنسان من موقعه الطبيعي،
ومن هذا الموقع تمامًا نقول نحن اليوم: «الطائرة فوق المدينة»، «القمر فوقنا»،
«الغلاف الجوي يعلو الأرض» ولا أحد يعتبر هذه أخطاء.
بل الأهم من ذلك.. الطبقية والتراكب
ليسا وهمًا إدراكيًا بل هما مبدأ كوني عميق. فطبقات الأرض تنقسم إلى قشرة ووشاح
ولب خارجي ولب داخلي. وطبقات الغلاف الجوي متراكبة بدقة.. تروبوسفير وستراتوسفير
وميزوسفير وثيرموسفير وإكسوسفير. وطبقات النجم الداخلية تنقسم إلى منطقة إشعاعية
ومنطقة حمل حراري. ومستويات الطاقة في الذرة مُكمَّمة ومتراكبة وفق ميكانيكا الكم.
والشبكة الكونية الكبرى (Cosmic Web) تظهر في المسوحات الكونية تراكبًا من الخيوط والجدران والفراغات
يشبه في هيئته العامة بنية طبقية. فـ«طباقًا» وصف يتوافق مع كون مليء بالطبقية على
كل مستوياته، من الذرة إلى المجرة.
خامسًا:
التمييز بين «نور» و«سراج»
الاعتراض في ختام الشبهة، وهو في رأي
الملحد نقطة خطيرة: القمر ليس مصدر نور، وضوؤه لا يملأ السماوات السبع!
وهنا على غير توقّعه يقع الملحد في
أحرج مواقفه.
فالقرآن الكريم لم يصف القمر
بـ«سراج» كما وصف الشمس، بل اختار له كلمة مختلفة تمامًا: «نور». والفرق بين
الكلمتين في العربية فرق جوهري.. السراج هو الجسم الوهاج الذي يُصدر الضوء من ذاته
كالمصباح والشعلة، أما النور فهو الضوء الظاهر سواء أكان ذاتيًا أم منعكسًا، نور
المرآة نور، ونور وجه الإنسان في الظلام نور، وكلاهما انعكاس وليس مصدر.
هذا التمييز يتوافق تمامًا مع
الفيزياء.. الشمس تُنتج الضوء بالاندماج النووي في قلبها، فهي سراج بكل دقة.
والقمر يعكس نحو 12% من ضوء الشمس الساقط عليه (معامل الألبيدو)، فهو نور وليس
سراج.
والأهم في هذا الباب أن هذا التمييز جاء
مخالفًا للمحيط الحضاري كله. فالحضارة السومرية كانت تعبد إله القمر «سِن»
باعتباره مصدرًا نورانيًا ذاتيًا.. والحضارة المصرية القديمة كانت تعدّ القمر في
صورة «إياح» و«خونسو» إلهًا مستقلًا بضوئه. وأرسطو نفسه، الذي ترجم العرب فلسفته
وعلومه، لم يُميّز تمييزًا صريحًا بين الضوء الذاتي والمنعكس للأجرام السماوية..
فلو كان القرآن الكريم يعبّر عن ثقافة عصره، لقال عن القمر ما قاله الجميع من
حوله. لكنه خالف الجميع، واختار اللفظ الذي تُثبته الفيزياء بعد أربعة عشر قرنًا.
وأما قول الملحد إن «نور القمر لا
يصل إلى السماوات السبع كلها» الآية الكريمة لم تقل إن القمر يُضيء الكون بأسره،
بل جعله نورًا فيهن أي منتسبًا إلى هذا النظام السماوي بوصفه جزءًا منه.. وفي
النحو العربي، «فيهن» تعني الانتماء والاندراج في المنظومة، كما تقول «يعيش الطير
في الغابات» ولا يعني ذلك أنه يملأ كل شجرة في كل غابة.
سادسًا:
المغالطات المنهجية الجامعة
عندما نستعرض الشبهة كاملة، نجد أنها
تقوم على أربع مغالطات لا على أربعة أخطاء:
مغالطة خطأ الفئة: محاكمة نص هداية
للبشر بمعايير الكتاب المدرسي في الفيزياء.. فلو كان القرآن الكريم قد استخدم لغة
المعادلات الرياضية لما فهمه العرب في القرن السابع، ولا يفهمه اليوم إلا نفر قليل
من المتخصصين.
مغالطة الاحتجاج بالجهل: عدم اكتشاف
العلم الحديث لبنية تُسمى «سبع سماوات» لا يعني عدم وجودها، لا سيما أن العلم يجهل
95% من الكون.
مغالطة الجدل العشوائي: تحميل النص
معانيَ لم يقلها، ثم الرد على تلك المعاني المختلقة.
مغالطة ازدواج المعايير: قبول المجاز
العلمي ورفضه في القرآن الكريم، وقبول الاستدلال في العلم ورفضه في النص القرآني.
ويُضاف إليها مغالطة خامسة ظهرت في
تتبع الشبهة.. مغالطة المعيار المتحرك (Moving Goalposts)، إذ حين يُجاب على اعتراض انتقل الملحد إلى آخر دون قبول
الإجابة، مما يكشف أن الغرض ليس البحث عن الحقيقة بل التشكيك بأي ثمن.
سابعًا:
الاختبار التاريخي الفاصل
ثمة معيار موضوعي نهائي لا مفر من
تطبيقه: قارن القرآن الكريم بنصوص عصره، لا بكتب الفيزياء الحديثة.
ماذا كانت تقول نصوص القرن السابع
الميلادي عن الكون؟ كانت أسطورة إينوما إيليش البابلية تصف الكون بأنه ساحة صراع
بين آلهة، والسماء نصف جسد الإلهة المقتولة. وكانت الأسطورة الإغريقية تصف السماء
بأنها إله اسمه أورانوس. وكان أرسطو يبني كونًا من أفلاك بلورية متحدة المركز حول
الأرض الثابتة. وكان بطليموس يرسم نماذجه الفلكية المعقدة بدوائر وتدويرات لا حصر
لها لتفسير حركة الأجرام. كل هذه النماذج تحطمت تحطمًا كاملًا أمام الفيزياء
الحديثة.
أما القرآن الكريم فلم يُقدّم
نموذجًا مغلقًا يمكن دحضه: لم يقل إن السماء قبة صلبة، ولم يُحدد مسارات الأجرام
بمعادلات جامدة، ولم يصف القمر بأنه يُضيء ذاتيًا. بل فعل شيئًا لافتًا: ميّز بين
«نور» و«سراج» في وقت كان كل من حوله يرى القمر مصدرًا نورانيًا مستقلًا. هذا
التمييز وحده يستحق توقفًا طويلًا من كل منصف.
ثامنًا:
الاتساق الداخلي عبر ثلاثة وعشرين عامًا من الوحي
نزل القرآن الكريم مفرّقًا على مدى
ثلاثة وعشرين عامًا، في مكة والمدينة، في السلم والحرب، في ظروف متباينة كل
التباين، ومع ذلك، فإن وصف الشمس بـ«السراج» و«الوهاج» والقمر بـ«النور» جاء
مطّردًا في كل موضع، لم يختلط مرة واحدة، ولم يصف القمر يومًا بأنه سراج أو وهاج،
ولا الشمس بأنها نور منعكس.. هذا الاطراد عبر عشرات السور المتفرقة زمانًا ومكانًا
لا يمكن تفسيره بالصدفة الشعرية أو التلقائية الثقافية، إذ يصعب على متكلم بشري أن
يحافظ على دقة مصطلحية بهذا الثبات عبر عقدين من الزمن دون أن يكون مستندًا إلى معرفة
لا تتغير.. التناقض المتوقَّع من نص بشري متراكم عبر الزمن غائب هنا تمامًا، وهذا
في ذاته شاهد على صدق رسول الله ﷺ
تاسعًا:
«السبع».. نمط بنيوي
يحاول الملحد تصوير رقم «سبع» على
أنه استعارة عشوائية من أساطير الجوار.. لكن المتتبع لبنية القرآن الكريم يجد أن
السبع ليس رقمًا معزولًا وُظِّف مرة واحدة، بل نمط متكرر بانتظام لافت.. سبع
سماوات، وسبع أرضين وسبعة أبواب لجهنم والسبع المثاني وصفًا لسورة الفاتحة
1- قوله تعالى في شأن السماوات
السبع:
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ۖ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
لِتَعْلَمُوا أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
(سورة الطلاق: الآية 12).
2- قوله تعالى في شأن أبواب جهنم
السبعة: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾
(سورة الحجر: الآية 44).
3- قوله تعالى في شأن السبع المثاني:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ﴾ (سورة
الحجر: الآية 87).
هذا التكرار البنيوي المنضبط يصعب تفسيره بوصفه
استعارة أسطورية مستعارة من بيئة بابلية أو يهودية، إذ الاستعارة العشوائية لا
تنتج نمطًا رياضيًا متماسكًا بهذا الاطراد عبر نص واحد. النمط المنضبط أقرب إلى
دلالة على تصميم إلهي منه إلى أثر أسطوري متناثر.
عاشرًا:
اختبار بوبر معكوسًا
أحد أهم معايير الفلسفة العلمية
الحديثة، الذي صاغه الفيلسوف كارل بوبر، هو أن النظرية العلمية يجب أن تكون قابلة
للتفنيد بدليل تجريبي محدد، وحين نطبّق هذا المعيار بإنصاف، نجد أن النماذج
الكونية القديمة الأفلاك البلورية الأرسطية، ودوائر بطليموس، والسماء كجسد إلهي في
الأساطير كانت جميعها نماذج قابلة للتفنيد بدقة، ولذلك فُنِّدت فعلًا حين تقدّم
العلم.
أما القرآن الكريم فلم يقدّم وصفًا
آليًا محددًا قابلًا لهذا النوع من التفنيد: لم يحدد سمك السماء، ولا المسافة بين
طبقاتها، ولا آلية دوران الأجرام بمعادلة معينة، وهذا ليس هروبًا من الاختبار كما
قد يُتصوَّر، بل لأن طبيعة الخطاب أصلًا خطاب هداية وليس خطاب نموذج فيزيائي، وهو
ما يفسر بقاءه بلا تصادم مع أي اكتشاف لاحق، خلافًا لكل النماذج البشرية التي
حاولت وصف الكون وصفًا آليًا فتهاوت واحدة تلو الأخرى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً