قراءة في الشعر الإيماني
شاعـر وديوان.. «مع الله» لعمر بهاء الدين الأميري
بِـأَيِّ دِيـوَانٍ نَـبْدَأُ؟
تَناوَلْنَا -بِفَضْلِ
اللهِ وَتَوفِيقِهِ – أَثَـرَ الرؤْيَـةِ الاسْتِشْرَاقِيّةِ وَسَطْوَتَهَا عَلَى
النُّقَادِ العَربِ فِي سِتَّةَ عَشَرَ مَقَالًا، وَنَـرْجُو أَنْ تَكُونَ هَذِهِ
المَقَالَاتُ قَد وَقَعَتْ مَنْ قُـرَّاءِ هَذِهِ المَجلَّـةِ الغَرَّاءِ
مَوْقِعًا حَسَنًا.
وَقَدْ عَـنَّ
لَنَا أَنْ نَبدَأَ سِلْسِلَـةً أُخْرَى نَتناوَلُ فِيهَا بَعْضَ الشُّعرَاءِ
المُعاصِرِينَ، وَنَلْفِتُ القُرّاءَ إِلَى دَوَاوِينِهِمْ أَوْ بَعْضِهَا،
مُجْمِلِينَ غَيْـرَ مُفَصِّلِينَ.. لَكِنَّ حَيْرَةً سَاوَرَتْنَا؛ فَبِمَنْ
نَـبْدَأَ مِنَ الشُّعرَاءِ المُعَاصِرِينَ وَهُمْ كُثْـرُ، وَفِيهِمْ
المُتَقَدِّمُ وَالمُتأَخِّرُ، وَالمُكْثِـرُ وَالمُقِلُّ، وَالمِعْطَـاءُ
وَالشَّحِيحُ، وَالمُنْتَمِي لِقِيَمِ أُمَّتِهِ وَالمُعَادِي لَهَا. وَالحَقُّ
أَنَّني لَمْ أَجِدْ عَنَـتًا كَبِيرًا فِي التَّهَدِّي إِلَى مَخْرَجٍ مِنْ
تِلْكَ الحَيْرَةِ؛ إِذْ آثَـرْتُ تَقْدِيمَ الإبْـدَاعِ عَلَى المُبْدِعِ؛
بِمَعْنَى أَنْ يُقدَّمَ الدِّيوَانُ الشِّعرِيُّ لِذَاتِـهِ، وَلَيْسَ لأَنَّ
مُبْدِعَهُ فُلانٌ أَوْ عِلَّانٌ، وَلِهَذَا كَانَ السُّؤَالُ: بِـأَيِّ دِيـوَانٍ
نَـبْدَأُ؟ وَلَمْ يَكُنْ: بِـأَيِّ شَاعِرٍ نَـبْدَأُ؟
وَلَمْ تَلْبَثِ
الحَيرَةُ أَنْ تَجدَّدَتْ؛ لأَنَّ دَواوِينَ الشِّعْرِ المُعَاصِرِ كَثِيرَةٌ
جِدًّا، بَـل تَندُّ عَنِ الحَصْرِ، وَبَينَا أُفكِّـرُ فِي دِيوَانٍ أَبدَأُ
بِـهِ؛ طَافَ بِبَالِي خَاطِـرٌ يَهْمِسُ فِي أُذُنِي بِمَا رَواهُ أَبُو هُريرَةَ
عَنْ رَسُولِنَا الكَرِيمِ ﷺ، أَنّه قَالَ: «كُلُّ كَلامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ
لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ، فَهُوَ أَبْتَـرُ (أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ)» (مسند
أحمد: 14/ 329، ط الرسالة)؛ وَلِئِنْ كَانَتْ بَعضُ رِوايَاتِ هَذَا الحَديثِ
ضَعِيفَةً، لَقَد صَحَّ مَا رَوَتْـهُ أُمُّنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا
قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُـرُ اللَّهَ
فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ» (أخرجه مسلم (١ / ٢٨٢)).
دِيـوَانُ الأَمْيرِيِّ يَفرِضُ نَـفْسَهُ
نَعَمْ.. فَـرضَ
دِيوَانُ «مَعَ اللهِ» لِلشَّاعِرِ السُّورِيِّ عُمَرَ بَهَاءِ الدِّينِ
الأَمِيرِيِّ نَـفْسَهُ، وَحَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَبْـدَأَ بِـهِ، وَنَهَانِي أَنْ
أُوثِـرَ عَليهِ دِيوَانًا آخَرَ، وَلَسْتُ أَقُولُ ذَلِكَ دَرْوَشَةً، أَوْ
سَذَاجَةً، بِقَدْرِ مَا أَقُولُـهُ جَازِمًا بِأَنَّ هَذَا الدِّيوَانَ أَقْـرَبُ
الدَّوَاوِينِ الشِّعْرِيَّـةِ المُعاصِرَةِ – وَهَذَا مَبْلَغُ عِلْمِي – إِلَى
حَدِيثِ أُمِّنَا عَائِشَةَ السَّالِفِ؛ ذَلِكَ أَنْ شَاعِرَهُ يَهْتَدِي بِهَدْيِ
رَسُولِنَا الكَرِيمِ فيَذْكُـرُ اللَّهَ فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَيَشْعُـرُ
بِمَعِيّتِهِ فِي حَركَاتِهِ وَسَكَنَاتِـهِ وَأَقْوَالِـهِ وَأَفْعَالِـهِ، كُلّ
ذَلِكَ فِي شَاعِرِيّةٍ خِصْبَةٍ وَلُغَةٍ وَاضِحَةٍ سَهْلَةٍ، وَصُوَرٍ
شِعْرِيَّـةٍ مُعْجِبَةٍ، تَجْعَلُنا نُعِيدُ النَّظَـرَ فِي قَوْلَـةِ
الأَصْمَعِيِّ: «الشِّعْرُ نَكَدٌ بَابُهُ الشَّرُّ، فَإِذَا دَخَلَ فِي الخَيْـرِ
ضَعُفَ»؛ لأَنَّ العِبْـرَةَ بِالشَّاعِرِ، فَثمَّةَ شَاعِرٌ يَـقُولُ فِي
الخَيْرِ فَيُحْسِنُ، وَثَمَّةَ شَاعِرٌ لَا يُحْسِنُ يَقُولُ إِلَّا شَرًّا،
وَإِنَّما الشِّعْـرُ كَـلَامٌ؛ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ.
وَمَا أَظُنَّ
الشَّاعِرَ عُمَرَ الأَمِيرِيّ يَحْتَاجُ إِلَى شَهَادَتِي، فَلقَدْ لَفَتَتْ
شَاعِرِيَّـتُهُ النُّـقَّادَ وَالمُفَكِّرينَ، فَهَذَا أَبُو الحَسَنِ
النَّدْوِيُّ يَقُولُ عَنْهُ: «أَخِي أَبَـا بَـرَاءٍ: إِنَّ تَارِيخَ الأَدَبِ
العَربِيِّ الإِسْلَامِيِّ سَيَحْفَظُ لَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ -وَهُوَ أَمِينٌ- مَا
أَسْدَيْتَ إِلَيْهِ مِنْ يَـدٍ بِدِيوَانِ شِعْرِكَ الأَوَّلِ (مَعَ اللهِ)،
وَمَا أَتْبَعْتَهُ بِدِيوَانِ شِعْرِ (أَلْـوَان طَيفٍ)، وَقَدْ وَجَدْتُ فِي
شِعْرِكَ دَائِمًا لَـذَّةً وَمُتْعَةً وَسَعادَةً، مَا لَا أَجِدُهُ فِي غَيْرِهِ
مِنَ الشِّعْرِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ - وَالحَقُّ يُـقَالُ - نَفحَاتٌ مِنَ
الإِيمَانِ وَقَبسَاتٌ مِنْ نُورِ القُرآنِ، صِدْقُ العَاطِفَةِ، وَرِقّةُ
الشُّعُورِ، وَتَصَوُّرٌ دَقِيقٌ لِهَواجِسِ النّفْسِ، وَخَلجَاتِ الفِكْرِ» (مقدمة
ديوان رياحين الجنة، دار البشير: 7).
وَإِذَا كَانَتْ
هَذِهِ الكَلِمَاتُ شَهادَةَ مُفكِّرٍ إِسْلَامِيٍّ غَيْرِ مُتخَصِّصٍ لِلنَّقْدِ
الأَدَبِيِّ، فَفِي شَهَادَةِ الشَّاعِرِ وَالنَّاقِدِ الكَبِيرِ عَبَّاسِ
مَحْمُودِ العَقَّاد مَا يُؤَكِّدُ شَاعِريّةَ الأَميِرِيّ وَتَـفَرُّدَهَا؛
يَقُولُ الأُسْتَاذُ العَقَّادُ مُخَاطِبًا الشَّاعِرَ: «دِيوَانُكُمْ (مَعَ
اللهِ) آيَاتٌ مِنَ التَّرتِيلِ وَالصَّلَاةِ، يُطالِعُهَا القَارِئُ فَيَسْعَدُ
بِسِحْرِ البَيانِ كَمَا يَسْعَدُ بِصدْقِ الإِيمَانِ.. وَقَـدْ قَـرَأْتُ
طَائِفَـةً صَالِحَةً مِنْ قَصائِدِهِ، وَسَأَقْـرَأُ بَـقِيَّتَهَا، وَأُعِيدُ
قِـرَاءَةَ مَا قَـرَأْتُـهُ؛ لأنّهُ دُعَاءٌ يَتكرَّرُ وَيَتجَدَّدُ وَلَا
يَتغَيَّـرُ، وَثَوابُكُمْ مِنَ اللهِ عَلَيهِ يُغنِيكُمْ عَنْ ثَناءِ النَّاسِ،
وَإِنّـهُ -عَلَى هَذَا- لَثَنَاءٌ مَوْفُورٌ وَعَمَلٌ مَشْكُورٌ، فَـتَقبَّلُوا
مِنِّي شُكْرَهُ وَاغْتَنِمُوا مِنَ اللهِ أَجْرَهُ، وَعَلَيْكُمْ سَلامُ اللهِ
وَرِضْوَانُ اللهِ» (الموقف الأَدَبيِّ، العددان 431-432، 2007، ص 246).
سحر البيان وصدق الإيمان
أَمَّا دِيوَانُ «مَعَ اللهِ»، فَإِنَّ قَارِئَـهُ وَاجِدٌ فِيهِ حَقًّا مِصْدَاقَ قَوْلِ الأُسْتَاذِ العَقَّادِ: «سِحْرُ البَيانِ وَصِدْقُ الإِيمَانِ»، وَحَسْبُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَصِيدَةَ (مَعَ اللهِ) التِي سُمِّيَ الدِّيوَانُ بِهَا تَسْتَحْضِرُ مَعيَّةَ اللهِ فِي كُلِّ خَلْوَةٍ وَجَلْوَةٍ، وَصَمْتٍ وَنَـأْمَةٍ، وَنُعْمَى وَبُـؤْسَى، كَأَنَّمَا أَبْـدَعَ الشَّاعِرُ هَذِهِ القَصِيدَةَ، وَاضِعًا نُصْبَ عَيْنَيهِ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْـرَهُ كُلَّـهُ خَيْـرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْـرًا لَـهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَـرَ فَكَانَ خَيْـرًا لَـهُ» (صحيح مسلم: 2999) .
وَالشَّطْـرُ
الأَوَّلُ مِنَ القَصِيدَةِ تَرجَمَةٌ أَمِينَةٌ لِهَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ؛
لأَنَّ الشَّاعِرَ صَوَّرَ فِيهِ صُرُوفَ الحَيَاةِ وَتَـقَلُّبَاتِهَا مَا بَينَ
خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَعِيمٍ وَشَقَاءٍ، وهَمٍّ وَفَـرَحٍ، وَهِيَ تَـقَلُّبَاتٌ
تَعْتَوِرُ أَيَّ إِنْسَانٍ، وَعَـزَّ مِنَ الشُّعرَاءِ مَنْ يَجِدُ فِيهَا
مَعِيّةَ اللهِ فَلَا يَضِيقُ بِسُوءٍ أَصَابَـهُ، وَلَا يَتبَطَّـرُ لِخَيْرٍ
رُزِقَـهُ، وَقَدْ صَوَّرَتِ الأَبيَاتُ الأُولَى مِنَ القَصِيدَةِ تَصَارِيفَ
القَدَرِ وَتَـقَلُّبَاتِ الْحَيَاةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَتْ أَشْطَارُهَا
مُتقَابِلَةً إِلَّا قَلِيلًا؛ يَبْدَأُ كُلُّ شَطْـرٍ مِنْهَا بِعُنْوَانِ
القَصِيدَةِ (مَعَ اللهِ)، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ مَعِيّةُ اللهِ الخَيْطَ
النَّاظِمَ لِتِلْكَ المُتبَاينَاتِ تَأتَلِفُ بِـهِ مَا دَامَ كُلُّ أَمْرٍ
مَرْدُودًا إِلَى قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، يَقولُ الشَّاعِرُ عُمَرُ
الأَمِيرِيُّ:
مَعَ اللهِ فِي
سَبَحَاتِ الفِكَـرْ مَعَ
اللهِ فِي لَمَحَاتِ البَصَرْ
مَعَ اللهِ فِي
حَمْلِ عِبْءِ الضَّنَى مَعَ اللهِ بِالصَّبْـرِ فِيمَنْ صَبَـرْ
مَعَ اللهِ
وَالقَلْبُ فِي نَشْوَةٍ مَعَ اللهِ وَالنَّـفْسُ تَشْكُو الضَّجَـرْ
مَعَ اللهِ فِي
كُلِّ بُـؤْسَى وَنُـعْمَى مَعَ
اللهِ فِي كُلِّ خَيْـرِ وَشَـرّ
مَعَ اللهِ فِي
عُنْفُوانِ الصِّبَا مَعَ اللهِ فِي الضَّعْفِ عِنْدَ الكِبَـرْ
مَعَ اللهِ
قَبْـلَ حَـيَاتِي وَفِـيهَا وَمَا
بَعْـدَهَا.. عِنْـدَ سُكْنَى الحُفَـرْ
ديوان «مع الله»
وَنَحْنُ –
وَإِنْ لَمْ نُسْتَغْرِقِ الأَبيَاتَ – التِي صَوَّرَ الشَّاعِرُ فِيهَا
تَـقَلُّبَاتِ حَيَاتِـهِ وَتَناقُضَاتِهَا؛ نُـؤَكِّدُ أَنّه يَرى يَـدَ اللهِ
تَعَالَى فِي كُلِّ مَا يُلِمُّ بِهِ، وَالبَيتُ الأَخِيرُ مِنَ الأَبَياتِ
السَّالِفَاتِ جَمَعَ فَأَوْعَى، وَلَا يَقُولُـهُ إِلَّا شَاعِرُّ صَادِقِ
الإِيمَانِ، يَسْتَشْعِـرُ مَعِيّةَ اللهِ وَهُوَ فِي عَالَمِ الغَيْبِ قَبْلَ
أَنْ يُخْلَقَ، وَيَستَشْعِرُهَا خِلَالَ حَيَاتِـهِ، ثُمَّ يَسْتَشْعِرُهَا
بَعْدَ مَوْتِـهِ، وَهُوَ رَاقِدٌ فِي قَبْـرِهِ يَنتَظِـرُ نَفْخَةَ الصُّورِ،
يَوْمَ يَـقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ، وَلَا يَيْأَسُ مِنْ مَعِيّةِ
اللهِ فِي الآخِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي البَيْتِ التَّالِي:
مَعَ اللهِ فِي
النَّشْرِ، وَالْحَشْرِ، وَالْحِسَابِ ... عَــلَى الْعَمَـلِ المُـدَّخَــرْ
عَلَى أَنَّ
بَعْضَ الأَبْـيَاتِ خَلَتْ مِنْ هَذِهِ المُقَابلَةِ، وَامْتَدَّ المَعْنَى
فِيهَا مُسْتَغْرِقًا البَيْتَ كُلَّـهُ، وَلِهَذَا خَلا شَطْـرُهَا الثَّانِي
مِنْ هَذَا التَّركِيبِ المِحْوَرِيِّ فِي القَصِيدَةِ وَالدِّيوَانِ: «مَعَ
اللهِ»؛ لأَنَّ مَعِيّةَ اللهِ حَاضِرَةٌ بِذِكْرِهَا فِي مَطْلَعِ البَيْتِ،
وَلَا حَاجَةَ لِتَكْرَارِهَا، لانْتِفَاءِ المُقابلَةِ وَامْتِدَادِ المَعْنَى
وَاسْتِقَامَتِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الأبيَاتِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
مَـعَ اللهِ آنَ
اجْـتَلاءِ السَّنَا وَنَـيْـلِ
الْمُنَى وَالْهَنَاءِ الأَغَـرّ
مَعَ اللهِ
حَالَ اتِّـقَادِ الأَسَى وَوَقْعِ
الأَذَى وَاحْتِدَامِ الخَطَـرِ
مَعَ اللهِ فِي تَـدَبُّـرِ آيَاتِـهِ
ثُمَّ تَوقَّفَ
الشَّاعِرُ فِي أَبيَاتٍ تَالِيَةٍ مِنَ القَصِيدَةِ أَمَامَ مَظَاهِرِ
الطَّبِيعَةِ، يَتدَبَّـرُهَا وَلَا يَصِفُهَا، وَلِهَذَا لَا يَعْنِيهِ
جَمَالُهَا الخَالِبُ الذِي يُغْرِي سِوَاهُ مِنَ الشُّعرَاءِ، بِقَدْرِ مَا
يَعْنِيهِ إِبْـدَاعُ اللهِ سُبْحَانَـهُ وَقُـدْرَتُـهُ فِي كُلِّ مَا خَلَقَ
وَبَـرَأَ، وَفِي هَذِهِ الأبيَاتِ تَتقابَلُ المَعَانِي حِينًا وَتَطَّرِدُ
حِينًا آخَرَ، وَمِنْ ثَمَّ اكْتَفَى الشَّاعِرُ بِذِكْرِ التَّركِيبِ
المِحْوَرِيِّ «مَعَ اللهِ» فِي مَطْلَعِ الأبيَاتِ المُطّرِدَةِ المَعْنَى، وَلَمْ
يُكرِّرْهُ فِي أَشْطَارِهَا الثَّوانِي إِلَّا حِينَ تَتقابَلُ مَظَاهِرُ
الطَّبِيعَةِ وَتَتنَاقُضُ، فَيرَى الشَّاعِرُ يَـدَ اللهِ سُبحَانَه وَرَاءَ
ذَلِكَ التَّقابِـلِ، حَيْثُ يَقُولُ:
مَعَ اللهِ فِي
مُدْلَهِمِّ الدُّجَى مَعَ
اللهِ عِنْدَ انْـبِلَاجِ السَّحَـرْ
مَعَ اللهِ فِي
لَأْلَآتِ النُّجُومِ وَحَبْكِ الغُيُومِ وَضَوْءِ القَمَـرْ
مَعَ اللهِ
وَالشَّمْسُ تَـكْسُو الـدُّنَـى مَعَ
اللهِ وَالشُّهْـبُ كَـرٌّ وَفَـرّ
مَعَ اللهِ
عِنْدَ هَزِيمِ الـرُّعُودِ وَلَمْعِ الْبُـرُوقِ وَدَفْـقِ المَطَـرْ
مَعَ اللهِ فِي
الفَلَكِ المُسْتَطِيرِ وَفِي
الشَّمْسِ تَجْرِي إِلَى مُسْتَـقَـرّ
مَعَ اللهِ فِي
الأَرْضِ فِي سَهْلِهَا وَأَوْدَائِـهَا
وَالـرَّوَاسِـي الكُبَـرْ
مَعَ اللهِ فِي
البَحْرِ مِلْحٍ أُجَاجٍ مَعَ اللهِ
فِي سَلْسَبِيلِ النَّـهَـرْ
بَـقِيَ مَعْنًى
رَئِيسٌ فِي تِلْكَ القَصِيدَةِ الأُمِّ «مَعَ اللهِ» التِي افْتَتَح بِهَا
الشَّاعِرُ دِيوَانَـهُ، وَاحتَقَبَ فِيهَا مَعَانِيَ الدِّيوَانِ وَأَفْكَارَهُ،
عَنَيْتُ مَعْنَى «الخَلْقِ»: خَلْقِ الإِنْسَانِ وَغَيرِهِ، وَقَدْ لَحِظَ
الشَّاعِرُ سِمَةَ التَّنوُّعِ فِي مَخْلوقَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا سِيَّمَا
خَلْقُ الإِنْسَانِ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ تَأمُّلِ الذَّاتِ رُبَّما شَارَكَهُ
فِيهِ بَعْضُ الشُّعرَاءِ، وَلَكِنْ يَنفَرِدُ شَاعِرُنَا، بِرَجْعِ هَذَا
التَّنوُّعِ إِلَى عَظَمَةِ اللهِ وَقُدرَتِهِ وَتَدبيرِهِ وَإبْدَاعِهِ، يَقُولُ
عُمرُ الأَمِيرِيّ:
مَعَ اللهِ فِي
نَسَمَاتِ الوُجُودِ مَعَ اللهِ فِي كُلِّ مَا قَـدْ فَـطَـرْ
مَعَ اللهِ
يـنْـفُخُ مِنْ رُوحِـهِ عَلَى
حَـمَأٍ فَيكُونُ البَشَـرْ
مَعَ اللهِ مَا
اخْتَلَجَتْ نُـطْـفَـةٌ بِـرُوحٍ
خَفِيٍّ وَمَا دَرَّ دَرّ
مَعَ اللهِ
فيِمَا سَيَذْرَأُ مِنْ نُـفُوسٍ
وَفِيمَا مَضَى وَانْـدَثَـرْ
مَعَ اللهِ مَا
اخْتَلَفَتْ فِي الأَنَـامِ طَبَائِعُ
أُنْـثَاهُمْ وَالـذَّكَـرْ
مَعَ اللهِ مَا
افْتَرقَتْ فِي الوَرَى لُـغَاهُـمْ
وَأَلْـوَانُـهُمْ وَالصُّوَرْ
مَـعَ اللهِ
نَـوَّعَ أَشْكَالَـهُمْ وَخَـصَّ أَنَـامِلَـهُمْ بِالأَثَـرْ
مَعَ اللهِ
مَـيَّـزَ أَذْوَاقَـهُمْ فَكُلٌّ
لَـهُ فِي هَوَاهُ نَظَـرْ
وَلَا رَيْبَ
أَنَّ هَذِهِ المَعَانِي فَرِيدَةٌ، قَلَّمَا تَجِدُهَا فِي دِيوَانِ الشِّعْرِ
المُعَاصِرِ، وَإِنْ وَجَدتَهَا فَقَلَّمَا تَجِدُ هَذَا التَّـتَبُّعَ السَّلِسَ
الآسِرَ؛ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الشُّعَـرَاءِ المُعاصِرِينَ تَغربَتْ
مَعَانِيهِمْ وَأَفْكَارُهُمْ، وَشَغَلَتْهُمْ هُمُوهُمُ الذَّاتيَّةُ، عَنْ
تَـدَبُّـرِ آيَـاتِ اللهِ فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْـفُسِهِمْ، بِمِثْلِ هَذَا
الإِيمَانَ الصَّادِقَ، وَلَا أُحَدِّثُـكَ عَمَّنْ تَجَرَّأَ مِنْهُمْ عَلَى
اللهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَرْقُبْ فِي دِينِـهِ أَوْ نَـبِيّهِ إِلًّا وَلَا
ذِمَّـةً؛ كَأَنْ يَقُولَ أَدُونِيسُ:
أَعْبُـرُ
فَوْقَ اللهِ وَالشَّيْطَان
لَا اللهَ
أَخْتَارُ وَلَا الشَّيْطَـان
كِلَاهُمَا
جِـدَار
كِـلَاهُمَا
يُغْلِـقُ عَـيْـنِي
هَلْ أُبْـدِلُ
الْجِدَارَ بِالْجِدَارْ؟
(أدونيس:
الأعمال الشعرية الكاملة: 1/ 367).
أَوْ يَقُولَ
بَـدْرُ شَاكِرِ السَّيّابُ:
فَـنَحْنُ
جَمِيعًا أَمْـوَات
أَنَـا
وَمُحمَّـدُ وَالله
وَهَـذَا
قَبْـرُنَا أَنْـقَاضُ مِئْذَنَـةٍ مُعَفّـرَة
عَلَيْهَا
يُكْتَبُ اسْمُ مُحمَّدٍ وَالله
(السياب: أنشودة
المطر، مؤسسة هنداوي: 62).
وَالأَمْثِلَةُ عَلَى جُرأَةِ الشُّعرَاءِ المُعَاصِرِينَ عَلَى مُقدَّسَاتِ ثَـقَافَتِنَا وَقِيَمِنَا أَكْثَـرُ مِنْ أَنْ تُحْصِى، وَالْحَقُّ أَنَّـكَ تَـقْـرَأُ كَلامَ أُولِئَكَ الشُّعرَاءِ وَتُـقَارِنُـهُ بِشِعْرِ عُمَرَ بَهَاءِ الدِّينِ الأَمِيرِيِّ، فَتُدْرِكُ الفَرْقَ بَينَ شِعْرٍ يُعبَدُ اللهُ بِـقِراءَتِـهِ، وَكَلامٍ يَتحرَّجُ المُسْلِمُ مِنْ قِرَاءَتِـهِ وَيَتأَثَّمُ، وَتَعرُوهُ مِنْهُ نَـفْـرَةٌ وَامتِعَاضَةٌ، نَاهِيكَ بِأَنّـهُ يَـفْتَقِدُ فِيهِ فَـرَاهَةَ الإِبْـدَاعِ الشِّعْرِيِّ.. ولِلحَدِيثِ بَقيّةٌ.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً