أحوال الناس عند الطلب والقضاء

القول الثمين في نصح الدائن والمدين (1)

القول الثمين في نصح الدائن والمدين (1)

في عالمٍ تتزاحم فيه الرغبات، وتتسع فيه المطالب والحاجات، يبقى الدَّيْن امتحانًا للأمانات، وكيرًا يفتن معادن الناس في الأموال والمعاملات، فيفصح لنا عن أناس سرائرهم أطهر من ماء السماء، وأناس شحنت قلوبهم بالشح والطمع والبغضاء.

أحوال الناس عند طلب الدين

والناس في طلبهم للدين أحوال وأصناف؛ فمنهم من يعرف خطر الدَّيْن، وتسبُبَه في إفساد ذات البَيْن، فلا يستدين إلا لحاجة ماسة وضرورة ملحة، فيأتي إليك وقد كُسِيَ وجهُه بحمرة الخجل ودماءِ الحياء، فمثل هذا لا يرد، وعن سبيل العون لا يُصد، بل يحسن بالقادر مساعدته وتنفيس كربته، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

ومنهم من يستهين بخطورة الدَّيْن، فيستدين لأجل الكماليات والرفاهيات، وينفق أموال الناس فيما لا ضرورة فيه، كمن يقترض ليسافر للسياحة والمتعة مثلًا أو ليشتري أحدث سيارة أو يقترض طمعاً في مال غيره، فهذا على خطر عظيم.

أحوال الناس عند قضاء الدَّيْن

وللناس عند قضاء الدَّيْن أحوال عجيبة؛ فمنهم من يحمل هَم الدَّيْن كأنما يحمل على عاتقه ثقلاً ثقيلاً، فإذا ما يسر الله له الوفاء، بادر بوجهٍ طَلِقٍ وبسمة غامرة إلى القضاء، لا يتعلل ولا يتأفف، لأنه بالسداد وعد، وجعل الوعد عهدًا، كسيف صارم على رقبته، فتراه يسعد بقضاء دَيْنه أكثر من فرح صاحب المال بعودة ماله، وإذا به يتنفس الصعداء كأنما حط عن صدره صخرة صماء كانت تخنق أنفاسه قبل القضاء، فهذا من خيار الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «خيارُكم أحسنُكم قضاءً للدَّيْن» (صحيح الجامع).

ومنهم من غلبه الحزن والحياء، فجاء على وجل يطلب الإنظار والإرجاء، ما ترك سبيلاً إلا سلكه للقضاء، يغني صدق حاله عن وصفه ومقاله، ضاقت عليه السُّبل، فغلبته ضائقته، فإذا جاء إليك مستمهلاً، رأيت في صوته انكسارًا وفي نظراته اعتذاراً، وفي كلامه حياءً واختصاراً، يبيت على همٍّ لا يُعرَف، ويصحو على رجاء مرهف ألا يكون من أهل المطل، فحري بالقادرين أن يطيلوا مهلته، وبأهل الفضل أن يقيلوه عثرته، فمن أنظر معسرًا كان كمن تصدق بمثل دَيْنه.

فعن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر معسرًا فله كل يوم مثله صدقة»، ثم سمعته يقول: «من أنظر معسرًا فله كل يوم مثليه صدقة»، فقلت: يا رسول الله، سمعتك تقول: «من أنظر معسرًا فله كل يوم مثله صدقة»، ثم سمعتك تقول: «من أنظر معسرًا فله كل يوم مثليه صدقة»، قال: «له كل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدَّيْن، فإذا حل فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة» (صحيح الجامع)

وثالث يُؤدي دينه مُكرهًا يجرُّ خطواته إلى مقرضه جَرًّا، لا يسارع بالوفاء، ولا ينهض للقضاء، يدفع إليك المال وفي عينيه لومٌ لك وخبث فعال، وكأنك أنت الذي قصَّرت، وبمالك قد بخلت، لا هو من توانى وقصر وبرد الدَّيْن قد تأخّر، فإذا دفع ما عليه كان كأنما تُنتزع روحه من جسده انتزاعًا، فلا ترى منه خيراً، ولا تسمع منه شكراً، فهذا مخالف لهدي النبي الوفيّ صلى الله عليه وسلم الذي بهديه علمنا أن نحمد ونشكر من أقرضنا.

فعن عبدالله بن ربيعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف منه حين غزا حنينًا ثلاثين أو أربعين ألفًا قضاها إياه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك في أهلك ومالك؛ إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» (سنن ابن ماجة).

ومنهم مُماطِلٌ شحيحٌ مخَادع، يعرف أن للناس عنده حقوقاً، ويذيقهم في السداد منه عقوقاً، يَعِد ولا يوفي، يؤجِّل ولا يقضي، يلبس لهم في كل مرة ثوبَ الأعذار، ويطوي في صدره مطلًا لا يمحوه الاعتذار، فمثل هذا المماطل قد أساء الصنيع، وأصاب الظلم الشنيع، ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: «مَطلُ الغني ظلمٌ». 

وأما أخبث القوم حالًا؛ فهو من يأخذ أموال الناس ولا ينوي أداءها، يمدّ يديه إليك بالطلب باسمة، وقد بيّت لك في قلبه نية مُسمّمة، يأكل لا من عرقه، وينفق ما ليس من حقه، عزم على عدم السداد، ولو أصلح نيته لوفقه الله لما أراد، يربّي في صدره جحودًا يتلف البركة والتيسير، ويجلب المشقة والتعسير، يمشي في الأرض منبوذ الحال، وهو مُثقَل عند الله بحقوق كأمثال الجبال، ففي صحيح البخاري، قال الصادق الوفي: «مَن أخَذَ أمْوالَ النَّاسِ يُرِيدُ أداءَها أدَّى اللَّهُ عنْه، ومَن أخَذَ يُرِيدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ اللَّهُ».

خطورة التهاون في أمر الدَّيْن

والحق أن أمر الدَّين خطير، وشأنه عظيم، لأن أموال الناس ولو كانت قليلة فهي محرمة، حرمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم حرم الدم والعرض، فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (متفق عليه).

فلا ينبغي لعبد طوق الدَّيْن عنقه وأثقل كاهله أن يستخف بهذه الحرمة، لأن الشرع شدد في أمر الدَّيْن ما لا يشدد في غيره، فعن محمد بن عبدالله بن جحش قال: كنَّا جلوسًا عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فرَفَعَ رأسَه إلى السماءِ، ثم وضَعَ راحتَه على جبهتِه، ثم قال: «سبحان اللهِ! ماذا نزَلَ مِن التَشْدِيدِ؟»، فسَكَتْنَا، وفَزِعْنَا، فلما كان مِن الغدِ سأَلْتُه: يا رسولَ اللهِ، ما هذا التشديدُ الذي نزَلَ؟ فقال: «والذي نفسي بيدِه، لو أن رجلًا قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، ثم أُحْيِىَ، ثم قُتِلَ، ثم أُحْيِىَ، ثم قُتِلَ، وعليه دَيْنٌ، ما دخَلَ الجنةَ حتى يُقْضَى عنه دَيْنُه» (حسنه الألباني، صحيح النسائي).

ولشدة خطر الدَّيْن والتكاسل عن سداده، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات أحد وأتي للصلاة عليه سأل أهله: هل عليه من دَيْن؟

فعن قتادة ابن ربعي قال: تُوُفِّيَ رَجُلٌ منَّا، فأتَيْنا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليُصلِّيَ عليه، قال: «هل تَرَكَ مِن شيءٍ؟»، قالوا: لا، واللهِ ما تَرَكَ مِن شيءٍ، قال: «فهل تَرَكَ عليه مِن دَينٍ؟»، قالوا: نعمْ، ثَمانيةَ عَشَرَ دِرهمًا، قال: «فهل تَرَكَ لها قَضاءً؟»، قالوا: لا، واللهِ ما تَرَكَ لها مِن شيءٍ، قال: «فصَلُّوا أنتم عليه»، قال أبو قَتادةَ: يا رسولَ اللهِ، أرَأَيتَ إنْ قَضَيتُ عنه، أتُصلِّي عليه؟ قال: «إنْ قَضَيتَ عنه بالوَفاءِ صَلَّيتُ عليه»، قال: فذَهَبَ أبو قَتادةَ فقَضى عنه، فقال: «أوَفَّيتَ ما عليه؟»، قال: نعمْ، فدَعا به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فصَلَّى عليه. (حسنه الأرناؤوط في المسند).

فليبادر كل مدين إلى سداد ما عليه من أموال الناس، وليقضه الآن في حياته قبل ألا يكون دينار ولا درهم، وإنما الحسنات والسيئات، فقد روى الحاكم في «المستدرك»، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه دَيْن فليس ثَمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات».


اقرأ أيضا:

آداب وعبر من قضاء دين الزبير

أدعية قضاء الدين

القروض بين السداد والإسقاط 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة