العنوان قضايا دولية: 1578
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003
مشاهدات 71
نشر في العدد 1578
نشر في الصفحة 26
السبت 22-نوفمبر-2003
قلق غربي من التطورات المنتظرة
نبيل شبيب
هل تواجه القوات الأمريكية في العراق هزيمة مؤكدة؟
الحديث عن انسحاب عسكري بدأ يطرح نفسه داخل الولايات بصورة مبكرة بالمقارنة مع ما جرى في حرب فيتنام.
رغم التمرد الروسي الأوروبي على الهيمنة الأمريكية إلا أن موسكو وأوروبا لا تريان أي مصلحة في نكسة أمريكية على أرض العراق.
بعد ارتفاع عدد القتلى من الجنود الأمريكيين مع تصعيد عمليات المقاومة العراقية من العوامل المؤثرة في اتجاه هزيمة مشروع احتلال العراق، لكنه لم يعد العامل الحاسم من بين عوامل أخرى باتت تدفع في الأوساط الغربية خاصة إلى السؤال عن كيفية الإخراج الأقل ضررًا للهزيمة المؤكدة، وليس ما إذا كانت الهزيمة ستقع أم لا!...
ورغم توقع الهزيمة يبقى السؤال عن التطورات المنتظرة غامضًا، لا سيما أن كلمة «الهزيمة» في حاجة إلى تحديد مضمون يلتقي عليه من يطرح السؤال ومن يقدم الجواب، والثابت على أي حال أنه عندما تصيب هزيمة عسكرية دولة صغيرة نسبيًّا، مثل العراق أو أفغانستان تظهر النتائج المباشرة واضحة للعيان من خلال القضاء على القدرة العسكرية، والهيمنة على السيادة السياسية، وقد يقترن ذلك بتدمير الطاقات الاقتصادية، بل ويصل إلى الاحتلال الأجنبي، فلا تخفى معالم الهزيمة على أحد، ولا نحتمل الجدال حول حقيقة وقوعها، أما عندما تصيب الهزيمة العسكرية دولة كبرى عسكريًّا، كالولايات المتحدة، فلا أحد ينتظر أن تتحطم قدرتها العسكرية أو طاقاتها الاقتصادية ولا أن تهيمن قوة أجنبية على سيادتها السياسية، ناهيك عن الاحتلال المباشر، ورغم ذلك يمكن الحديث عن وقوع الهزيمة وبين أيدينا مثال فيتنام الأوضح تاريخيًّا من سواه.
لم يقع شيء من المعالم المذكورة كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لحرب فيتنام، ومع ذلك لا يختلف المؤرخون بصدد وقوع هزيمة عسكرية شديدة الوطأة.
فيما يرتبط بتقويم وضع الاحتلال الأمريكي للعراق الآن لا يختلف المؤرخون أيضًا على أن «الهزيمة» وقعت بالفعل قبل أن يتم الانسحاب العسكري، أي أن القوات الأمريكية التي لا تزال موجودة في بلد أجنبي تحتله وتقاتل فيه، وتسيطر على مساحات واسعة من أراضيه وعلى صناعة القرار فيه هي في حكم المهزومة عسكريًّا، فإذا سألنا عن أهم عناصر هذه الهزيمة، وجدناها فيما يلي:
١- ارتفاع حجم الخسائر البشرية والمادية إلى أضعاف ما كان يتوقعه العسكريون والسياسيون الأمريكيون.
٢- انقلاب الرأي العام الأمريكي والغربي على السياسة الأمريكية إلى مستوى التأثير على نتائج الانتخابات، وبالتالي على صناعة القرار السياسي داخل الولايات المتحدة.
٣- ارتفاع حجم التكاليف المالية للحرب إلى درجة جعلت منها عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد الأمريكي.
٤- الاضطرار إلى الانسحاب العسكري في نهاية المطاف مع الاضطرار إلى التراجع عن جملة أهداف سياسية ارتبطت بالحرب من قبل.
من فيتنام إلى العراق
في ضوء هذه العناصر يمكن النظر في السؤال ما إذا كانت الهزيمة الأمريكية في العراق محتمة فعلًا، ومتى تكتمل فصولها بحيث يصبح الحكم عليها واضحًا للعيان دون اختلاف يستحق الذكر؟
لا شك في أن حجم الخسائر البشرية والمادية، الأمريكية في العراق أقل بما لا يقارن مع ما كان عليه الوضع في فيتنام، ولكن يبقى الفارق الموضوعي كامنًا ما بين ظروف السبعينيات من القرن العشرين والظروف الحالية فبعد تطور وسائل الإعلام، والاتصال وتأثيرها على المواطن من جهة وتطور وسائل القتال الأمريكية وما يرتبط بذلك من توقع خسائر محدودة من جهة أخرى، لا يختلف تأثير مقتل الألوف ثم عشرات الألوف من الجنود الأمريكيين في فيتنام آنذاك، عن تأثير مقتل العشرات في العراق حاليًّا، وربما المئات في مرحلة مقبلة، إن بقي تطور الأوضاع على اتجاهه الراهن وهو ما يشير إليه تصعيد حجم المقاومة وتركيز أهدافها كمًا ونوعًا،
بغض النظر عن حقيقة الجهات التي تقف وراها.
ومن الملاحظ أيضًا أن الرأي العام الأمريكي بدأ خلال شهور معدودة فقط في التحول باتجاه معارضة الحرب في العراق وهذا ما حصل أثناء حرب فيتنام، ولكن استغرق التحول آنذاك سنوات، هذا علاوة على أن الرأي العام الغربي، وهو ما يهم الغربيين أكثر من الرأي العام العالمي كان منذ البداية ضد حرب العراق، بينما لم تظهر معارضته لحرب فيتنام إلا بعد فترة طويلة من الزمن، وليس أمرًا بسيطًا أن يسفر استطلاع رسمي من جانب الاتحاد الأوروبي عن وضع الولايات المتحدة في مرتبة تالية بعد الكيان الصهيوني الذي احتل المرتبة الأولى من حيث الخطورة على السلام والأمن الدوليين.
أما الأعباء المالية فقد انكشف أمرها، ويضاعف مفعولها أنها تتزامن مع أشد رکود اقتصادي عرفته الولايات المتحدة منذ زمن طويل، كذلك ليس مجهولًا ما أصاب النقد الأمريكي من تدهور تجاه العملات الدولية الرئيسة الأخرى، ولعل التصريحات الرسمية الأمريكية القائلة بنجاح ما سمي مؤتمر الدول المانحة لإعادة إعمار العراق، لا تمثل أكثر من محاولة لتغطية عجز واشنطن عن محاولة توزيع الأعباء الكبيرة المترتبة على الحرب، فعلاوة على أن عشرات المليارات الإضافية من الدولارات قد اعتمدت مجددًا واشنطن لتغطية النفقات العسكرية المباشرة، كان المطلوب تحت عنوان إعادة الإعمار مبلغ ٥٥ مليار دولار، وأسفر المؤتمر عن وعود بتأمين ٣٣ مليارًا في السنوات المقبلة، ولكن ٢٦ مليارًا منها تتحملها الدول المشاركة مباشرة في الحرب، ومن ذلك ٢٠ مليارًا نصيب الأمريكيين ٥ ومليارات البريطانيين، مما يعني أن المساهمات الأخرى لم تتجاوز حدود ٧ مليارات دولار.
وحتى الحديث عن انسحاب عسكري بدأ يطرح داخل الولايات المتحدة بصورة مبكرة للغاية بالمقارنة مع ما كان في حرب فيتنام، وإن كان لا يتوقع أن يبلغ مداه ويوضع موضع التنفيذ خلال شهور معدودة، لأسباب سياسية في مقدمتها المخاوف الشديدة من العواقب المترتبة بالمنظور الأمريكي والغربي عمومًا، على أن يظهر الانسحاب في مظهر وقوع الهزيمة العسكرية.
على وجه الإجمال يمكن القول: إن سائر الأحداث والتطورات في مطلع القرن الحادي والعشرين تتخذ سرعة تبلغ أضعاف سرعتها في السبعينيات من القرن السابق، وهذا ما يسري أيضًا على الهزيمة المتوقعة في العراق، وقد اجتمعت عناصرها جميعًا، وستتخذ مجراها المحتم، دون أن يستغرق ذلك عدة سنوات.
الأرضية الدولية
مع ذلك يبقى السؤال مطروحًا، ولكن عن كيفية وقوع الهزيمة المتوقعة، والتعاطي معها أمريكيًّا وغربيًّا، وتتطلب الإجابة عن هذا السؤال النظر أولًا في عدد من العوامل «المضادة»، لاتخاذ حرب العراق مجری يشابه حرب فيتنام، ومنها:
١- لا تواجه الآلة العسكرية الأمريكية في العراق مقاومة محلية واسعة النطاق شعبيًّا، ومدعومة خارجيًّا، بما في ذلك الدعم من جانب قوى دولية
كبرى مضادة، كما كان عليه الحال مع الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية في حينه.
٢- المنطقة الإقليمية المستهدفة من حرب فيتنام كانت جزءً من «حلقة حصار» غربية حول العدو السوفييتي آنذاك، أما المنطقة الإقليمية المستهدفة من خلال حرب العراق وسواها ، فهي المنطقة العربية والإسلامية المنهارة داخليًّا، والتي تحتل الأولوية لدى صانعي القرار الأمريكي الصهيوني، بغض النظر عمن يحكم رسميًّا في واشنطن.
٣- النتائج التي ترتبت في حينه على الهزيمة العسكرية في فيتنام كانت جزءً من مسيرة تكوين «الإمبراطورية الأمريكية» عاليًّا، في مرحلة تسمح بتلقي النكسات وتحملها ومتابعة الطريق، وإن كانت النكسات ضخمة شديدة الوطأة، أما المرحلة الراهنة فتشهد مفصلًا تاريخيًّا حاسمًا في المسيرة الإمبراطورية الأمريكية عالميًّا، ويمكن أن تشكل هزيمة واضحة المعالم في العراق، ضربة قاصمة لا مجرد نكسة على طريق طويل.
٤- المشروع الصهيوني الإقليمي معرض في حال وقوع الهزيمة في العراق، إلى أن تتسارع خطوات سقوطه، صحيح أن معالم هذا السقوط بدأت بالظهور من قبل في جنوب لبنان وفي الأرض الفلسطينية، ولم يعد قادرًا على تسجيل المزيد من «المكاسب» على غرار ما كان في طريق كامب ديفيد مدريد أوسلو، ولكن حرب العراق بالذات اتخذت موقع المحاولة الكبرى والمباشرة أمريكيًّا لإنقاذه، وعند إخفاقها بهزيمة واضحة فلن يوجد بديل لوقف انحداره نحو السقوط.
ومن وراء هذه العوامل ذات العلاقة المباشرة بالطرف الأمريكي وأهدافه في الحرب تبرز عوامل أخرى للعيان بأبعاد استراتيجية غربية فرغم سائر مظاهر التمرد الأوروبي الروسي على الهيمنة الأمريكية، ورغم الرغبة غير المعلنة في أن تصاب مسيرة هذه الهيمنة بنكسة تدعم القوى الدولية المنافسة لتثبت أقدامها على مسرح صناعة القرار الدولي، فإن هذه القوى نفسها لا ترى في وقوع نكسة على أرض العراق الآن مصلحة لها، لا سيما إذا برزت على شكل هزيمة قاصمة لسببين رئيسين:
١- لم تصل القوى الدولية المنافسة للهيمنة الأمريكية إلى مستوى القدرة على ملء الفراغ في السياسة الدولية، وإن كانت على الطريق إلى تحقيق ذلك وستبقى لفترة من الزمن على الأقل حريصة على بقاء «المشروع الغربي» بوجهه العالمي المشترك رغم معالم أمركته.
٢- رغم كل ما يقال بصدد حوار ضروري بين الإسلام والغرب يبقى التخوف الأوروبي والروسي والصيني كبيرًا من أن يكتسب المشروع الإسلام القدرة على التحرك في الأرض الإسلامية عمومًا، وهذا بالذات ما ينتظر حدوثه إذا وقعت هزيمة في العراق، لا سيما إذا غلب الوجه الإسلامي على المقاومة العراقية، ويسري شبيه ذلك على أي شكل من أشكال الهزيمة الإسرائيلية بتأثير ضربات مقاومة إسلامية على وجه التخصيص.
يمكن القول، إنه بقدر ما يزداد ظهور معالم تعرض الولايات المتحدة للهزيمة في العراق، قد تزداد شراسة الهجمة الأمريكية وضراوتها، بسبب إدراك القوة المهيمنة في واشنطن حاليًّا أنها تخوض «معركة. حاسمة» كذلك ستزداد جهود القوى الدولية الأخرى، لتخفيف آثار الهزيمة المتوقعة لا سيما من حيث العمل الحيلولة دون أن يكون من نتائجها ما يدعم مسيرة مشروع التحرر والنهوض الإسلامي في المنطقة.
احتمالات مستقبلية
إذا كان لهذه العوامل تأثيرها على مجرى الأحداث، فلن يصل إلى مستوى منع وقوع الهزيمة بحد ذاتها، فآلية وقوعها تتحرك بصورة شبه نموذجية، منذ سقوط بغداد عسكريًّا دون قتال يذكر، وبالتالي دون استهلاك كبير للأسلحة التي تصلح لحرب مقاومة طويلة الأمد، ولم تكن كافية قطعًا لمواجهة قوة عسكرية مهاجمة عالية، ثم استمرت هذه الآلية مع سائر الخطوات الرسمية الأمريكية التالية عسكريًّا وسياسيًّا، هذا إلى جانب ما يرافق أحداث العراق من أحداث تضيق الخناق على التحرك الأمريكي الهجومي الذي بدأ تحت عنوان الحرب على الإرهاب، لا سيما في أفغانستان، وعلاوة أيضًا على ازدیاد انتشار الاستعداد للمقاومة في المنطقة الإسلامية عمومًا، ووصولها إلى مراحل غير مسبوقة في فلسطين والشيشان، ولا يخفى حجم ما ينشر من ضباب وغموض حول وجوب مواجهة الهجمة الأمريكية الصهيونية الراهنة، وكيفية المواجهة، وما يعتبر مشروعًا من ذلك أو غير مشروع، إلى جانب ما نشر وينشر من الضباب والغموض حول مفهوم "الإرهاب.. والحرب ضد الإرهاب"!
لم يعد السؤال: هل تقع الهزيمة، وإنما السؤال عن كيفية التعامل معها، والمفروض أن يطرح هذا السؤال من المنظور الغربي بهدف الحد من آثارها، وليس عسيرًا أن نتكهن بشكل الجهود الغربية المنتظرة تبعًا لذلك، وأبرزها:
١- التمسك بالحرص الشديد على «دور مركزي» للأمم المتحدة باعتباره أفضل أشكال حفظ ماء الوجه بالنسبة لواشنطن، وإن كان يواري من ورائه بطبيعة الحال الحرص على أن تكون صناعة القرار في المرحلة المقبلة في العراق، وبالتالي في سواء بمشاركة القوى الدولية الأخرى، فهذا ما يهم تلك القوى بغض النظر عن سائر ما يقال تحت عنوان «سيادة العراق»، وإعادة السيادة لأهله، وإعادة إعماره.
٢- الحرص الشديد أيضًا على إحياء «خريطة الطريق» على أرضية دولية بأمل إعطاء فريق من السلطة الفلسطينية مبررات التحرك على طريق «أوسلو»، أو ما يشابهه من جديد، وبالتالي «كبح» جماح المقاومة الإسلامية التي لم يمكن القضاء عليها بمختلف وسائل البطش السابقة مع التواطؤ الدولي الواسع النطاق، علاوة على محاولة فتح ثغرة عبر خريطة الطريق لتأثير دولي على المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة.
٣- مضاعفة الجهود المبذولة منذ سنوات وبصورة حديثة للتميز الأوروبي، مع عدم إغفال الجناح الروسي، وكذلك لإيجاد أرضية جديدة للقانون الدولي، بعد تمرد السياسات الأمريكية على أرضيته القائمة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يجري واقعيًّا من خلال سلسلة من الخطوات الاستعراضية «مواثيق دولية للمحكمة الجنائية، المناخ، الألغام المضادة للأشخاص... وغيرها»، التي تبرز الاستعداد للتحرك دوليًّا بمشاركة أمريكية أو دون هذه المشاركة.
على هذه الأرضية الدولية يمكن أن تمضي فترة من الزمن على الوضع الراهن في العراق لا تنقطع خلالها المساومات بين واشنطن والقوى الدولية الأخرى، مع احتمال استمرار تلقي ضربات المقاومة واستثمار ذلك على صعيد الرأي العام الأمريكي والغربي، ودون تخفيف الأعباء المالية على واشنطن، وهو ما يعني دفعها دفعًا إلى القبول بمخرج قد يكون عن طريق الأمم المتحدة أو عن طريق عقد مؤتمر سلام دولي خاص بالعراق، مما يعني واقعيًّا فتح باب الخروج من مغامرة العراق تحت اسم آخر غير الهزيمة، وإن حمل سائر معالمها بالنسبة لقوة دولية، وهي معالم تختلف. كما ذكرنا عن معالم ما يحدث في الدول الأصغر.
السياسات القطرية
يمكن الحديث عن المتوقع دوليًّا، استنادًا إلى معطيات محددة، وسياسات «منطقية»، ولكن هل يمكن الحديث عن المتوقع من جانب الدول العربية والإسلامية؟
قد يكون في التحرك المتزايد على المستوى الفكري والشعبي بصيص ضوء للجواب عن السؤال من المتوقع عربيًّا وإسلاميًّا مع ازدياد ظهور معالم الهزيمة الأمريكية الصهيونية في العراق وإقليميًّا على أن هذا التحرك لبيان الاتجاه الصحيح تتهدده نقاط ضعف قديمة متجددة، تحتاج إلى تفصيل لا ينفسح المجال له هنا، ويكفي التنويه ببعض عناوينه مما يرتبط مثلًا بـ:
١- إضعاف مشروع التعايش الوطني، الإسلامي القومي بعد إنجازاته السابقة، من خلال التركيز على إبراز الهوية القومية بصيغتها القديمة ودعوات إبعاد الدين عن السياسة، وكأن الدين هو الذي صنع النكبات والهزائم في العقود الماضية.
٢- تسليط الأضواء على التناقضات المحلية، سواء على صعيد الأكثرية والأقلية، أو على الصعيد القطري أو على الأصعدة المذهبية مما ينذر بفتح
جبهات داخلية خطيرة.
٣- عملیات غسل دماغ، جماعية من قبيل تصوير كل تسليح لبلادنا في عالمنا «المسلح» تهمة، يجب التبرؤ منها.
٤- العمل على تحويل الهدف المشروع لتحرر الإرادة السياسية، الشعبية والرسمية من الاستبداد المحلي والدولي إلى «معركة» يراد لها أن تدور داخل نطاقنا، ولكن وفق ما يمليه منظور الهجمة الأمريكية الصهيونية بدعاوي مزعومة باسم الديمقراطية، واتهامات مزورة لمناهج التعليم والإعلام مع تجاهل أنها كانت ضحية التغريب عشرات السنين.
نعود إلى السؤال عن المتوقع رسميًّا وليس فكريًّا وشعبيًّا، ونجد أن الدول العربية والإسلامية لا تزال مقتصرة على التصرف بمنظور سياسات قطرية ضيقة المجال محدودة الأفق ضعيفة التأثير، مقابل استهداف أرضها ومستقبلها لتكون مسرحًا للأحداث في إطارها الدولي المذكور ولا يمكن لهذا السلوك السياسي، أن يجعلها طرفًا في أي عملية سياسية دولية وهو ما يتخذ في الوقت الحاضر أشكالًا دموية المضمون خطيرة العواقب.
والأخطر من ذلك توظيف بعض تلك السياسات القطرية، أو جلها في المراهنة على ما بات يستحق وصف «الجواد الخاسر» على المسرح الدولي وإقليميًّا ولا يكفي في السياسة الدولية الانخداع بالمظاهر، وقد سبق لبعض الدول أن راهنت طويلًا سياساتها القطرية والإقليمية على الجواد السوفييتي الخاسر، لأنه كان يبدو في ذلك الحين «قويًّا»، رغم أن سائر معالم هزيمته عاليًّا كانت ظاهرة في ذلك الحين، وهذا ما يسري على «الجواد الأمريكي الخاسر» في الوقت الحاضر.
ومن المؤلم من وراء ذلك كله ألا ترى أكثر السياسات الرسمية العربية والإسلامية أرضية التحرك دوليًّا، إلا بمنظور البحث عن قوة دولية ترتبط بها، ارتباط تبعية بدلًا من التعامل معها تعاملًا سياسيًّا واقعيًّا قائمًا على القبول والرفض والأخذ والعطاء، وأقصى ما يجري هو أن يكون العطاء عبر مصالح ملموسة وثروات ذاتية والتسهيلات لا حدود لها، ويكون الأخذ عبر مطالبات شفهية لا تلبي، ولا يمكن لأي بلد أن يصنع ذلك ما لم ينطلق من الطاقات الذاتية والإرادة الشعبية أولًا، وهو ما لا يتحقق دون استعادة علاقات الثقة الحقيقية بين الحاكم والمحكوم.