العنوان قضية فلسطين- بين التأصيل الإسلامي والتأصيلات الأخرى
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1409
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 18-يوليو-2000
محاولات التأصيل القومي أو الوطني أو الشيوعي لحقنا في فلسطين.. واهية.. بل قد تتغلب عليها ادعاءات اليهود أن لهم حقًّا في فلسطين.. ولا يصمد سوى التأصيل الإسلامي
3 ركائز للتأصيل الإسلامي:
الأنبياء أخوة.
المؤمنون على مدار التاريخ أمة واحدة.
قدسية فلسطين سبقت بعثة موسى -عليه السلام-.
أحد عوامل هزيمتنا عدم اعتماد التأصيل الإسلامي مع أنه يتفق مع حقائق التاريخ والجغرافيا
يدَّعي اليهود أن لهم حقًّا تاريخيًّا في فلسطين، وأنها أرض الميعاد التي أعطاها الله لهم، وليس من شك أن أمتنا تعتبر فلسطين أرضًا لها، فما السند الذي نستند إليه في إقرار حقنا في فلسطين؟ وبماذا نرد على ادعاءات اليهود؟ الأرجح أن أحد عوامل نجاحنا في المعركة مع اليهود مرتبط بالإجابة الصحيحة عن هذين السؤالين.
تناولت حقنا في فلسطين تأصيلات متعددة على مدار القرن الماضي حسب الظروف السياسية التي مرت بها المنطقة منها: التأصيل القومي، والتأصيل الشيوعي، والتأصيل الوطني، وسنستعرض هذه التأصيلات في البداية، ثم نوضح التأصيل الإسلامي، ومن خلاله نرد على ادعاءات اليهود حول حقهم في فلسطين.
1- التأصيل القومي:
اعتبر التأصيل القومي أرض فلسطين أرض للأمة العربية، وهذا يتطلب منا معرفة أمرين: متى تكونت الأمة العربية؟ ومتى أصبحت فلسطين أرضًا لها؟
إن الأمة العربية مصطلح جديد استخدم في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مع نشأة الفكر القومي العربي، والحقيقة أن الأمة العربية بالمفهوم القومي لا وجود لها إلا في مخيلة القوميين العرب، وذلك لأن الفكر القومي يعتبر أن الأمة تقوم على عنصري اللغة والتاريخ ويستثني الدين من تشكيل أي أمة، وهذا يختلف بل يتناقض مع الواقع الموضوعي الذي يؤكد أن الدين الإسلامي عامل رئيس ومهم في تشكيل الأمة الموجودة في عالمنا العربي، والتي عرفت باسم الأمة الإسلامية فالدين الإسلامي هو الذي وحَّد شعوب العالم العربي التي احتوت أجناسًا متعددة مثل العرب والترك والفرس والشركس والبرير... إلخ، وهو الذي صاغ عاداتها وتقاليدها وأذواقها، وهو الذي شكل قيمها وأخلاقها وتفكيرها، وهو الذي كون حضارتها وتاريخها وثقافتها، وهو الذي حفظ لغتها العربية ومع ذلك سأتجاوز هذه الإشكالية التي يعاني منها الفكر القومي العربي، وسأعتبر أن الأمة الإسلامية التي كونها الإسلام وقادها الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل أربعة عشر قرنًا هي الأمة التي يعنيها الفكر القومي ويطلق عليها اسم: الأمة العربية ويعتبر أن أرض فلسطين أرض لها، ولكن هذا القول قودنا إلى إشكالية أخرى حسب التأصيل القومي العربي وهي أسبقية التواجد اليهودي على أرض فلسطين والذي كان في فترة زمنية سابقة على ميلاد المسيح بألفي سنة، في حين أن الوجود العربي في فلسطين بدأ -حسب الطرح القومي- في منتصف القرن السابع الميلادي، ومن أجل حل هذه الإشكالية وسد هذه الثغرة اعتبر بعض منظري الفكر القومي العربي، وبخاصة منظرو حركة القوميين العرب أن الأمم السابقة على تشكيل الأمة العربية الإسلامية، كالأمة الفينيقية في بلاد الشام، والأمة الآشورية في بلاد العراق، والأمة الفرعونية في مصر، والأمة البربرية في شمال إفريقية... إلخ. اعتبروا كل تلك الأمم أمة عربية ولكن في مرحلة الإبهام واعتبروا أن القومية تمر بمرحلتين الأولى: مبهمة، والثانية: واضحة، ولا شك أن هذا كلام لا يستقيم مع أدنى درجات العقل والمنطق، فكيف يمكن أن نعتبر الفينيقيين والفراعنة والآشوريين والبرابرة والكلدانيين أمة عربية وهم ليسوا جنسًا عربيًّا ولا يتكلمون لغة عربية وليس بينهم وبين الأمة العربية الإسلامية أي اتصال في العادات والتقاليد والثقافة والقيم؟!
2- التأصيل الشيوعي:
اعتبرت الأحزاب الشيوعية حسب تحليلها الماركسي أن الطبقة العاملة واحدة لدى الشعبين العربي واليهودي، وأن عليها أن تتحد في مواجهة الطبقة البورجوازية العربية اليهودية والمتحالفة مع الرأسمالية العالمية، لذلك وقفت الأحزاب الشيوعية ضد الحرب العربية اليهودية العربية عام 1947م، واعتبرتها مؤامرة من الإمبريالية الغربية وعملياتها البورجوازية العربية اليهودية ضد البروليتاريا العربية – اليهودية، واستنادًا إلى ذلك وقفت الأحزاب الشيوعية اليهودية والعربية إلى جانب قرار تقسيم فلسطين اتباعًا للاتحاد السوفييتي، ودعت إلى الاعتراف بالدولة اليهودية إثر قيامها عام 1948م.
لا شك أن هذا التأصيل متهافت، ولم تتجاوب الجماهير العربية المسلمة معه بسبب الإلحاد الذي روَّجت له الأحزاب الشيوعية من جهة، ولأنه يعطي اليهود حقًّا في فلسطين مع أنه لا حق لهم من جهة ثانية، ولأنه يحول صراعنا مع اليهود من صراع وجود إلى صراع طبقات من جهة ثالثة، لكن هذا الطرح الشيوعي مع تهافته بقي موجودًا في ساحة العمل الفلسطينية بسبب دعم الاتحاد السوفييتي له، حيث زاد تغلغله وتأثيره إثر التطبيقات الاشتراكية التي سادت العالم العربي في ستينيات القرن العشرين.
3 - التأصيل الوطني:
يعتبر التأصيل الوطني أن أرض فلسطين وطن للفلسطينيين المقيمين فيها، ولم يأخذ هذا التأصيل بلورته العربية إلا عند نشوء منظمة التحرير الفلسطينية، وكان القصد من إنشاء هذه المنظمة إيجاد تمثيل للشعب الفلسطيني الذي كان قد شتت في عدد من البلدان العربية إثر نكبة عام 1948م، وقد مر تمثيل المنظمة للفلسطينيين بعدة مراحل، فقد اشتركت الأردن في تمثيل الفلسطينيين في المرحلة الأولى، ثم أصبحت الممثل الرسمي الوحيد للفلسطينيين بعد القمة عام 1974م في مرحلة ثانية، ثم أعلن الأردن في 31/8/1988م فك الارتباط بين الضفتين وتخليه عن مسؤولية إدارة الضفة الغربية إثر انتفاضة الحجارة الفلسطينية في ديسمبر عام 1987م وكانت النتيجة أن أصبحت منظمة التحرير هي المسؤولة عن إدارة الضفة في قطاع غزة في مرحلة ثالثة، فأعلنت قيام الدولة الفلسطينية في الجزائر في منتصف نوفمبر عام 1987م، ثم اشتركت منظمة التحرير مع سورية والأردن ولبنان في مفاوضات تسوية مع العدو الصهيوني في مدريد في أكتوبر عام 1991م، ثم انفردت المنظمة في مفاوضات سرية مع العدو في أوسلو انتهت بالتوقيع على ما عرف باتفاقية أوسلو في البيت الأبيض في 13 سبتمبر عام 1991م، والتي انبثق عنها قيام حكم ذاتي منقوص السيادة ولا يتوازى بحال من الأحوال مع التضحيات التي قدمتها أمتنا خلال التاريخين القريب والبعيد.
هذا التأصيل الوطني لا يستقيم مع حقائق الجغرافيا والتاريخ والواقع الاجتماعي لفلسطين وشعبها، أما عن الجغرافيا فإن فلسطين الحالية فلم تعرف الوحدة الجغرافية حتى قرب نهاية الخلافة العثمانية، بل كانت إما أن يقطع منها أرض أو مدن فتلحق بولايات أخرى، وعندما رسم الإنجليز فلسطين بحدودها الجغرافية الحالية لم يرسموها بناءً على حقائق تاريخية أو دينية، إنما رسموها بناءً على مصالح سياسية أثناء الحرب العالمية الأولى حددها اتفاق بايكس بيكو من جهة، ووعد بلفور من جهة ثانية، أما عن التاريخ فلم تعرف فلسطين بحدودها الجغرافية الحالية أي شخصية خاصة بها على مدار التاريخ الماضي قبل الإسلام وبعده، ولم يعرف أي تمايز عن محيطها الجغرافي في عادات وتقاليد أو أخلاق أو قيم... إلخ، إنما كانت تشكل باستمرار جزءً من النسيج الاجتماعي والثقافي والأخلاقي المحيط بها وهو على الأقل محيط بلاد الشام.
إن تفنيدنا للتأصيل الوطني لا يعني أننا لا نقر حب المرء لوطنه وبالذات المقدسات فيه، لا فهذا أمر فطري أقره الإسلام وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، أقره الإسلام عندما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التوبة: 24) وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال عن مكة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (رواه أحمد) ولكن نقول إن هذا الحب وحده لا يقيم تأصيلًا لأنه يشترك فيه البشر جميعًا.
4- التأصيل الإسلامي:
ما الدعاوى التي يقوم التأصيل الإسرائيلي عليها؟ يقوم على ادعاء أنهم شعب الله المختار من جهة، وأن الله وعدهم بأرض فلسطين من جهة ثانية، فبماذا نرد على هذه الدعاوى؟
يقر التأصيل الإسلامي ابتداءً أن الله سبحانه وتعالى فضل بني إسرائيل فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 47) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الجاثية: 16)، ولكن هذا التفضيل مقصور على الأقوام التي عاصرت بني إسرائيل وليس تفضَيلًا إلى قيام الساعة كما ادعى بنو إسرائيل فيما بعد، ويقر التأصيل الإسلامي أيضًا أن الله وعدهم بأرض فلسطين على عهد موسى -عليه السلام-، حيث قال موسى -عليه السلام- مخاطبًا قومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (سورة المائدة: 21)، ويقر التأصيل الإسلامي أيضًا استنادًا إلى القرآن الكريم أن بني إسرائيل لم يقوموا بالواجبات المترتبة على نعمة التفضيل تلك، بل كانوا نموذجًا في الجحود والوقوع في الشرك وعدم احترام الأنبياء وطاعتهم، بتوضيح موقفهم من الوعد بالأرض المقدسة، لم يستجيبوا لطلب موسى -عليه السلام- بالدخول، بل أعلنوا أنهم خائفون من ساكنيها الذين وصفوهم بالجبارين، وأعلنوا أنهم لن يدخلوها حتى يخرج ساكنوها، ولم يستجيبوا لنصيحة الرجلين المؤمنين بأن يبادروا ساكني فلسطين بالقتال، وأكدوا أنهم لن يدخلوها ما دام ساكنوها فيها، وطلبوا في قلة أدب صارخة أن يذهب موسى -عليه السلام- وربه لمقاتلة ساكني فلسطين وكانت النتيجة تحريم الله الأرض عليهم ومعاقبتهم بالتيه في الصحراء وقد بيَّنت آيات القرآن الكريم كل ذلك فقال سبحانه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ (سورة المائدة، آية: 22 – 26).
ولقد كان موقفهم من قضية توحيد الله لا يقل سوءً عن موقفهم من قضية الأمر بدخول
«الأرض المقدسة» ومن ذلك طلبهم إلى موسى أن جعل لهم أصنامًا يعكفون عليها عندما مروا على قوم يعبدون الأصنام، فغضب موسى عليه السلام، من ذلك غضبًا شديدًا، وبخاصة أن طلبهم جاء بعد إنعام الله سبحانه:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 138، 139).
ومن مواقفهم السيئة -أيضًا- في مجال التوحيد عكوفهم على العجل الذي أقامه السامري لهم عند ذهاب موسى -عليه السلام- إلى جبل الطور لجلب الألواح التي تحتوي على التشريعات الإلهية المنزلة إليهم، وإخبار الله سبحانه وتعالى له بهذا الكفر الذي وقعوا فيه، وغضب موسى -عليه السلام- عندما رآهم يعكفون على تلك الأصنام، وقد بيَّن القرآن الكريم ذلك كما بين غضب الله عليهم والذلة التي ستصيبهم في الحياة الدنيا قال سبحانه وتعالى:
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ (سورة الأعراف: 148 – 153). وقد تحدثت آيات كثيرة في القرآن الكريم، عن جوانب كثيرة من انحراف بني إسرائيل، تجلت في طلبهم رؤية الله بعد أن اختار موسى سبعين رجلًا من خيرة بني إسرائيل للذهاب معه إلى جبل الطور لإظهار الندم على عبادة العجل، ومع أنهم في موقف توبة وندم فإنهم طلبوا أن يروا الله جهرة مما يدل على سوء أدبهم مع الله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 55، 56). ثم بينت آيات أخرى سوء فطرتهم لطلبهم الفوم والعدس والبصل عوضًا عن المن والسلوى، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (سورة البقرة: 61). ثم تحدثت آيات أخرى عن اعتدائهم في السبت واحتيالهم على أوامر الله ومعاقبة الله لهم بأن مسخهم قردة فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة: 65 – 66).
وقد تحدثت آيات كثيرة أخرى في سور متعددة عن إفساد بني إسرائيل وقسوة قلوبهم وتجذر الحسد والكراهية في نفوسهم وشقاقهم وكثرة اختلافهم وجبنهم وحرصهم على الدنيا واستكبارهم، ثم كانت نتيجة ذلك أن أوقع الله عليهم اللعنة وقضى عليهم بالذلة والمسكنة والغضب، أما عن اللعن فقال سبحانه وتعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (سورة المائدة: 78، 79)، وأما عن الغضب والذلة والمسكنة فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ (سورة البقرة: 61).
وكانت نتيجة غضب الله عليهم ولعنهم وضرب الذلة والمسكنة عليهم أن انتزع الله التفضيل منهم، ولم يعودوا شعب الله المختار المؤهل لسكنى الأرض المقدسة، بل شعب الله المغضوب عليه الذي نتعوذ في كل صلاة من أن نكون مثله عندما نقرأ قوله سبحانه وتعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (سورة الفاتحة، آية: 6، 7).
بعد أن فندنا الطرح الإسرائيلي نسأل: علام يقوم التأصيل الإسلامي في إثبات حقنا في فلسطين؟ يقوم التأصيل الإسلامي على ثلاث ركائز هي:
أخوة الأنبياء.
تشكيل جميع أتباع الأنبياء أمة واحدة على مدار التاريخ البشري.
أن قدسية فلسطين سبقت وجود بني إسرائيل وسبقت ابتعاث موسى عليه السلام.
أخوة الأنبياء وذلك يعني أن المطلوب من المسلم هو الإيمان بجميع الأنبياء وأن الكفر بواحد منهم كفر بهم جميعًا فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (سورة البقرة: 285) لذلك رأينا كل نبي يدعو إلى الإيمان بمن سبقه، ويبشر بمن يأتي بعده، ويأمر أتباعه بالإيمان به عند ابتعاثه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (سورة الصف: 6، 7)، ورأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا أنه أولى بموسى من بني إسرائيل، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة وجدهم يصومون يومًا يعني عاشوراء، فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجى الله فيه موسى وأغرق فرعون فصام موسى شكرًا لله، فقال: «أنا أولى بموسى منهم» فصامه وأمر بصيامه. (رواه البخاري).
أتباع الأنبياء أمة واحدة على مدار التاريخ البشري، فقد تحدثت سورة «الأنبياء» عن معظم الأنبياء السابقين وهم: موسى، وهارون، وإبراهيم، ولوط، وإسحاق، ويعقوب، وداوود، وسليمان، وإسماعيل، وإدريس، وذو الكفل، وذو النون، وزكريا، ويحيى، وعيسى -عليهم السلام جميعًا- وذكرت تفاصيل عن دعوتهم وعبادتهم... إلخ، ثم أشارت إلى أن كل هؤلاء الأنبياء يشكلون أمة واحدة فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ (سورة الأنبياء، آية: 92، 93) كذلك تحدثت سورة أخرى وهي سورة «المؤمنون» عن عدد من الأنبياء هم: نوح، نوح، وهود، وموسى، وهارون، وعيسى عليهم السلام، ثم قالت: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (سورة المؤمنون، آية: 52). ولما كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء وإمامهم كما تأكد ذلك عندما أمهم في الأقصى في رحلة الإسراء والمعراج، كانت أمته بالضرورة هي الوارثة لأمة الأنبياء الواحدة.
قدسية فلسطين مقرر قبل وجود بني إسرائيل وقبل ابتعاث موسي -عليه السلام- وقد جاءت من وجود المسجد الأقصى فيها ومن أنها أرض مباركة، فقد بيَّن القرآن الكريم أن المسجد الحرام أول بيت وضع للناس، قال سبحانه وتعالى: ﴿ِإنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ (سورة آل عمران: 96) ثم بين الحديث الشريف أن المسجد الأقصى بُني بعد ذلك بأربعين سنة، فقد جاء عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولًا: قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة" (أخرجه البخاري) وقد تم هذا في بداية سكنى الإنسان للأرض، وقد وصف القرآن الكريم أرض فلسطين بأنها مباركة عندما هاجر إليها إبراهيم ولوط -عليهما السلام- قبل وجود بني إسرائيل، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 71، 72) لذلك عندما موسى عليه السلام قومه إلى دخول فلسطين قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (سورة المائدة: 21)، ففلسطين مقدسة قبل دعوتهم إلى دخولها، وكذلك عندما عرج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء كان عروجه من المسجد الأقصى إبرازًا لقدسيته، وكانت واقعة الإسراء المقصود منها تعليم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الوارثة لأمة الأنبياء الربط بين أقدس مكانين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، قال سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (سورة الإسراء: 1).
والآن وبعد أن فندنا الدعاوى الإسرائيلية، وبينا ركائز التأصيل الإسلامي ووضحنا ضعف التأصيلات الأخرى: القومية، والشرعية، والوطنية، نستطيع أن نقول: إن أحد عوامل هزيمتنا هو اعتماد تلك التأصيلات مع ضعفها، وعدم اعتماد التأصيل الإسلامي مع أنه يتفق مع حقائق التاريخ والجغرافيا ويمتلك كل مقومات التماسك والعقلانية والسلامة الشرعية.
(*) كاتب فلسطيني.