; إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت! | مجلة المجتمع

العنوان إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 10-مايو-2008

مشاهدات 99

نشر في العدد 1801

نشر في الصفحة 43

السبت 10-مايو-2008

هناك صفاتٌ فطريةٌ تمنع الإنسان عن الانزلاق إلى الهاوية وتحجزه من الانحدار والتسفل الخلقي والاجتماعي والقيمي، من هذه الصفات صفة الحياء إذا فقدها الإنسان تبلَّدتْ أحاسيسه، وكَثُرتْ سقطاته، ولهذا قيل: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، والحياء هو تغير وإنكار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم. 

وقال بعض الباحثين في الورع هو: السمت الحسن خشية لله، إذن فالحياء من الصفات الحاكمة في الإنسان التي تأخذ بيده إلى الطهر، وتمنعه من التلوث بالدنايا، وقد قال الحكماء:

 إذا لم تخش عاة الليالي                       ولم تستح فافعل ما تشاء 

فلا والله ما في العيش خير                    ولا الدنيا إذا ذهب الحياء 

يعيش المرء ما استحيا                           ويبقى العود ما بقى اللحاء 

نعم إذا لم يفهم أو يفقه الإنسان أنَّ فقد الحياء فقدٌ لإنسانيته وشرفه في هذه الحياة يصير من سقط المتاع، لا يؤبه له ولا ينتفع به أو يعتد بفعله سواء كان سوقة أو سلطانًا، جاهلًا أو معلمًا. وصفة الحياء إذا كانتْ في سلطانٍ رحمَ وعدلَ وأعطى وبذل الجهد، وقد كان الفقراء يذهبون إلى ذوي الجاه فيعرف قصدهم ويبذل لهم العطايا والهبات على قدر حاجتهم حتى قال صاحب الحاجة:

 أأذكر حاجتي أم قد كفاني     حياؤك إن شيمتك الحياء

 إذا أثنى عليك المرء يومًا           كفاه من تعرضه الثناء

 ولهذا كانتْ المجتمعات في خير وكان في الناس عزوف عن الدنايا؛ لأنَّ الحياء لا يأتي إلا بخير والحياء من الإيمان ومن صفات المتَّقين والصالحين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «خمس من سنن المرسلين: الحياء والحلم، والحجامة، والسواك، والتعطر»

 وما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء إلا زانه؛ لأنَّ الحياء هو صحيح الإيمان ولبـه ومــلاكــه، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «استحيوا من الله حق الحياء» فقالوا: إنا لنستحيي والحمد لله، فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء». وقال صلى الله عليه وسلم: «الحياء شعبة من شعب الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له» وإنما يدرك الخير كله بالعقل، ولا دين لمن لا عقل له، ولهذا إذا نزع الحياء من الناس وتبلَّدت منهم الفعال والنفوس وقعتْ الواقعة، وحلت الطامة، فعن سلمان رضى الله عنه: إذا أراد الله بعقل هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقَه إلا مقيتًا أو ممقوتًا.. ضاعتْ صفاته الحية، وورث الصفاقة والتبلُّد والقسوة وعدم المبالاة، ولهذا قال الفضيل بن عياض: علامة الشقاء خمسة قلة الحياء، وقسوة القلب، وجمود العين، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل.. وكلها ترجع إلى فقدان الأولى وهي الحياء، ولهذا كان الحياء مطلوبًا؛ بل ومفروضًا على المؤمن لأنَّه يحجز مثالب جمة ويعطي ويجر وراءه فوائد كثيرة. 

وقال العلماء:

 من أخلاق الإسلام الحياء، وكفّ الأذى، وبذل المعروف والنصيحة.

 وفي حديث العلماء عن الحياء ما يرفعه إلى الوجوب العملي والنفسي والديني فقالوا:

 الحياء من الله ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.. والذين يفقدون الحياء ويقترفون المعاصي لا ينتظرون احترام المجتمع أو الستر عليهم؛ لأن الإسلام أباح ذمهم والتحذير من أعمالهم، روى الحسن أنَّه قال: ثلاث ليس لهم حرمة: صاحب هوى وفاسق معلن، وإمام جائر. وقيل: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، وقيل في قوله تعالى ﴿ولِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَ ٰ⁠لِكَخَیۡرࣱۚ (الأعراف: ٢٦)، وهو الحياء. والأمة اليوم قد ذهب من كثير منها الحياء، وأصبحتْ الأهواء والشهوات والتجاوزات هي السائدة حتى عند كثيرٍ من السُّلطات. وأصبح سجن النساء وتعذيبهن وإضاعة عزتهنَّ وكرامتهنَّ شيئًا مباحًا، وقد راعني اعتقال فتاة «الفيس بوك» التي قالت رأيها السلمي في وسيلة سلمية ومباحة بواسطة الإنترنت، فكانت كما ذكرتْ الصُّحف أن قبض عليها وأودعتْ السجن مع المجرمات وبائعات الهوى والمخدرات، فارتاعت البنت العفيفة، وكان مصدر عذابها ورعبها خوفها على عرضها وشرفها من أناس لا يعرفون معنى للحياء أو الشرف، وكان يقصد من ذلك أن تكون مثلًا لغيرها وعبرة لسواها؛ لأنَّ هناك كثير من الناس لم يأخذوا العبرة من الذين تلفق لهم القضايا المخلة صباح مساء، ويلقون في سجون مظلمة، ليدفعوا ضريبة إخلاصهم ونصحهم لبلدهم.

 والأمور في الحقيقة قد بلغتْ مبلغًا ليس بفقد الحياء فقط، بل تعداه لفقد كل شيء؛ من إحساس وأدمية وشعور وخجل، فسُرقتْ الأموال حتى جاع الناس، وديس على الدساتير حتى ضرب القضاة، وعطلت أحكامه، وساد التزوير في الانتخابات، وزيفتْ إرادة الشعوب حتى ضاعت الشرعية، وحلَّت الشللية محلها وضاعتْ عزَّة الناس ودولهم، ودِيسَتْ كرامتهم حتى صرنا عبيدًا لشذاذ الآفاق، وأخذت خيراتنا، ونهبت ثرواتنا، حتى كثر العاطلون، وتكدَّست الطرقات بأطفال الشوارع، فهل تسمع وترى «إسراء» ومثيلاتها من بنات اليوم، أم لابد أن يدفعن الضريبة كما يدفعها الآخرون.

 وقد خرجت المعتقلة إسراء ولكنها خرجت شبحًا بغير روح أو أمل، أو حتى رجاء في إصلاح.

 ما خطبها عجبًا وما خطبي بها            مالي أشاطرها الوجيعة مالي 

وعلمت ما تخفي الفتاة وإنما                  يحنو على أمثالها أمثالي 

قلت: انهضي قالت: أينهض ميت            من قبره ويسـير شن بالي 

هذه أقدارنا وأقدار أمة ينبغي أن تبحث عن الخلاص، وإنْ فقد الحياء وديس على الإنسانية، وسادتْ شريعة الغاب، وتكالب علينا الذئاب والكلاب، لأنَّ هذا هو حصاد سنين من الخمول والقعود والبلادة، فهل يسمع الجميع.. نسأل الله ذلك..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1300

112

الثلاثاء 19-مايو-1998

وصايا العلماء للشباب

نشر في العدد 277

100

الثلاثاء 02-ديسمبر-1975

وقفة مع الدعاة