العنوان المبشرون بين الافتراء والاعتراف
الكاتب أحمد خضر ابراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 908
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 14-مارس-1989
يعتقد النصارى أن ما يسمونه «بالتبشير بإنجيل يسوع المسيح بين المسلمين» أمر لا يحتاج إلى مناقشة. ويعتبرون ذلك مهمة كلفهم بها السيد المسيح عليه السلام فيدعون عليه أنه قال «اذهبوا بالإنجيل إلى كل الأمم واصنعوا حواريين منهم، وطهروهم من الخطيئة باسم الأب والابن والروح القدس، علموهم أن يتقيدوا بكل ما أمرتكم به أيًا كان».
ويرى النصارى أن مجرد الشك في ذلك أمر لا يغتفر لأن هذه المهمة عظيمة في نظرهم.
وفي مقالة كتبها، «والتر فيرمان» في عام ١٩٢٧ من مدينة أسيوط بمصر قال فيها «إن يسوع قد كلفنا بأن نذهب إلى المسلمين وأن نصنع منهم حواريين، وأمدنا بالسبل الملائمة لنجاح هذا المهمة» ثم يتساءل...
«ولكن لماذا فشلنا هذا الفشل الذريع؟ وازداد إحساسنًا بالمسؤولية وانتعشت إرسالياتنا عبر أراضي المسلمين وتحمسنا لهذا العمل، وليس هناك من أرض للمسلمين في العالم لم تبذل فيها محاولة لكسبهم إلى يسوع، ومع ذلك فإن الذي تحقق هو القليل القليل.
إننا معجوفون من قلة عدد المرتدين عن الإسلام إلينا على الرغم من كل جهودنا هذه.
لماذا يجد يسوع هذه المقاومة العنيدة من المسلمين، إننا لم نفكر في ذلك جديًا ولكن.. إذا كسب المسيح واحدًا من المسلمين فإن ذلك يعني أن البقية سوف تأتي. يجب ألا تؤدي بنا فجيعتنا في نتائج جهودنا إلى الشك في المهمة الموكلة إلينا، بل يجب أن نسأل أنفسنا «هل المنهج الذي نتبعه هو المنهج الحق؟ وهل تناولنا القضية بالطريقة التي تضمن لنا النجاح؟»
وواقع الأمر أن النصارى ما فكروا قط في أن فشلهم يرجع إلى طبيعة رسالتهم ذاتها، بل لا يناقشون ذلك مطلقًا ويقولون في هذا الأمر «إنه لابد من سبب يعود إليه فشلنا الحالي.. ولا يمكن أن يكون الفشل في الرسالة ذاتها، كما لا يمكن أن يعود أيضًا إلى يسوع المسيح الذي نحن سفراؤه، إنما الفشل فينا نحن وفي المنهج الذي اتبعناه لتنصير المسلمين».
يقر «فيرمان» بورود ثلاثة مداخل، اثنتان منها طبقتا في تنصير المسلمين لكنها لم تنجحا، ولهذا ينادي بمدخل ثالث يعتقد تمامًا في نجاحه ووصلت ثقته به إلى القول بأنه «إذا لم يؤدي هذا المدخل إلى كسب المسلمين إلى يسوع فليس هناك من مدخل على وجه الأرض يقوم بهذه المهمة».
- ثلاثة مداخل لتنصير المسلمين
وهذه المداخل على النحو التالي:
(1) المدخل الاحترازي: ويسميه «فيرمان» بالطريقة الجبانة أو الهيابة التي فيها خيانة للمسيح نفسه وإنكار له. وعند استخدام هذا المدخل مع المسلمين لا يكون هناك ذكر لطبيعة المسيح ولا آلامه أو تكفيره لخطايا البشر والخلاص الذي لا يتم إلا عن طريقه. إنما يكون الحديث فقط عن المسيح، وعن قوته وحكمته وجلاله وعن الدين والأخلاق. حديث عن المسيح كنبي وكقدوة.. أي أن المدخل هنا أخلاقي وتوحيدي وليس بمسيحي.
ويعلق «فيرمان» على هذا المدخل بقوله «إنه يتميز بالجبن ويجعل المسلمون يضحكون علينا ويستخفون بنا.. ويعرف المسلم أننا لم نعرض رسالتنا كاملة عليه، ويعرف أيضًا لماذا نحن أقدمنا على ذلك.. إن الأضعاف من الإنجيل بخصائصه المميزة في عين المسلمين لابد وأن ينتهي إلى فشل ذريع».
(۲) المدخل الجدلي: - يستخدم النصارى هذا المدخل مع المسلمين منذ زمن بعيد. ويقول «فيرمان» عن خبراته مع هذا المدخل.. «حينما بدأت العمل في تنصير المسلمين قيل لي أن هذا المدخل هو الممكن الوحيد للوصول إليهم، ويجب عليك أن تحصل على معرفة مكثفة بالإسلام وكتبه حتى تتمكن من نقده ومهاجمة نظامه ككل» والهدف الأساسي لهذا المدخل هو ما يسمونه «بالهجوم التدميري الذي لو نجح فإنه سيمكن من بناء المسيحية على أنقاض الإسلام».
أما عن طريقة استخدام هذا المدخل فيقول «فیرمان»: «نعرض هنا للأخطاء التاريخية والجغرافية
واللغوية للقرآن» - تعالى الله عما يقولون، «ونصف محمداً بأنه آثم وغير مخلص ودجال ورجل يستغل الموقف السائد في عصره باسم الدين لأغراض سياسية» -تنزه رسوله صلى الله عليه وسلم مما يدعون..، «كما نعقد مناقشات ونثير أخرى حول ذلك». ويعترف «فیرمان» بأنهم لم يتحصلوا على شيء من وراء هذا المدخل فيقول في ذلك «ما الذي تحصلنا عليه باستخدام هذا المدخل؟ قد نهزم مناظرونا في الجدل لكنا لن نكسبهم بهذه الطريقة أو بالمناقسات العامة أيًا كانت وأيًا كان من يقوم بها.. إنني مقتنع بأننا لم نجذب روحًا واحدة إلى المسيح باستخدام هذا النقد المدمر للقرآن، إنني أنظر إلى الماضي البعيد وإلى السنوات الطويلة التي قضيتها مستخدمًا لهذا الأسلوب، وأشعر بالندم الشديد لأنني لم أحقق شيئًا».
ويرى «فيرمان» أنه لا سبيل إلا اتباع «المدخل الثالث» الذي يعتمد في نظره على تقديم المسيح نفسه إلى المسلمين بأسلوب كامل وبسيط ومحبب إلى النفس دون أي تحفظات. ويستدل «فيرمان» على نجاح هذا المدخل بدراسة أجراها «كريستي ولسون على جماعة من المرتدين عن الإسلام فيقول: «إن الغالبية العظمى منهم قد تأثرت بهذا التقديم السهل الكامل للإنجيل وللمسيح كمخلص شخصي وكاف بذاته دون أية محاولة لتلوين ذلك بلون إسلامي». وكان فيرمان يأمل في إجراء دراسة مماثلة على ما يسميهم «بالرجال والنساء الذين كسبهم المسيح من المصريين».
- اصطدام النصرانية مع العقل
ويقر «فيرمان» باصطدام النصرانية مع العقل وعدم صمودها أمام الإسلام في أية مناظرة عقلانية علمية،فينادي بضرورة التخلى عن مبدأ الإعداد الجيد في المناظرات مع المسلمين وكذلك المعلومات المأخوذة من علم الأديان المقارن. وكل ما يريده فقط هو أن يقدم المسيح للمسلمين وجهًا لوجه لأن المسلمين يحتاجونه في رأيه. ويعتبر «فيرمان» أن ما جاء به القرآن عن المسيح كذب وسوء فهم وتمثيل مشوه له - تعالى الله عما يقول-..
إن المسيح في رأي «فيرمان» يجب أن يكون البداية والمركز والنهاية، وأن يقدم للمسلم بطريقة سهلة وكاملة.
ويشير فيرمان إلى مؤتمر عقده المنصرون في مدينة حلوان انتهوا فيه إلى القول...« وكلنا نعترف بأن الخطة التي تعمل بها المسلمين - إن كانت هناك خطة بالفعل - بعيدة عن النجاح، ومع ذلك فإننا نعتقد في قوة الإنجيل لكنه يبدو أننا تخطينا ذلك، ومن ثم فيجب أن نلجأ إلى الأسلوب البسيط والسهل للإنجيل، إنه لأمر عظيم جدًا أن تأخذ الإرساليات مظهر التعليم المدرسي والرعاية والإشراف، كما أن الإرساليات المتنقلة بين المسلمين ستحقق نتائج أفضل، وستعطى المسيحيين الوطنيين حماسًا وروحًا عالية».
ويختتم «فيرمان» مقالته بقوله: «وإنني مقتنع بأن هذه هي الحاجة الحقيقية.. رجال ونساء يعرفون لغة المسلمين، يعملون بينهم ويتحدثون معهم عن حب الإله المسيح بكمال وببساطة وبلطف، يجب عليهم أن يطرحوا بعيدًا كل معلوماتهم عن الإسلام، وألا يستخدموها إلا إذا سمحت الظروف بذلك وبطريق غير مباشر، وسيؤدي ذلك حتمًا إلى كسب المسلمين، وليس هناك مدخل أنجح من هذا المدخل في العمل بين المسلمين».
لعل ذلك يلقي ضوءًا على بعض أساليب النصاري القديمة في التعامل مع المسلمين الذين يشهدون بأنفسهم على فشلها، إلا أنهم وهم أصحاب عقيدة باطلة يستميتون في الدفاع عنها ونقلها إلينا ومحاولة تصويرها على أنها حق، ونحن حملة العقيدة الصحيحة نسلم أنفسنا وأطفالنا إليهم طواعية في مدارسهم ومستشفياتهم ومراكز تجمعهم.