; لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله... | مجلة المجتمع

العنوان لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله...

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1977

مشاهدات 80

نشر في العدد 364

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 23-أغسطس-1977

تطور جديد في اللاهوت بعبودية المسيح

مناقشات عقلية مهمة في جامعة اكسفورد

الإسلام دين الله تعالى واحد لم يتعدد، ولم يتبدل بنقص أو زيادة، منذ أول الحياة البشرية حتى بعثة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، فهي عقيدة التوحيد والإيمان بالله عز وجل، ربًا خلق السماوات والأرض وما بينهما ومن فيهن، من غير شريك، يدبر رزقهم، ويقضي فيهم قدره، وإلهًا حاكمًا أمرًا ناهيًا، محللًا محرمًا.

وبهذين التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وما يتبعهما من الإيمان بالبعث والجزاء جاءت الأنبياء وبعثت الرسل، وتلقاها أبناء أدم الأولون عن أبيهم، حتى كف هابيل يد الشر عن أخيه قابيل، وأعلنها أنه يخاف الله رب العالمين، كما جاء في النصوص القرآنية.

وهذه الحقيقة واضحة عند كل مسلم تأسس إيمانه وانبثق عن بيئة وتفكر وعلم، وضوحًا شديدًا يغرس فيه الغيرة التامة على عقيدة التوحيد التي أوصلها الصالحون من سلفه إليه، يعتبرها أمانة يرعاها، وذخيرة يحفظها، ليسلمها إلى جيل لاحق يواصل تمجيد الله تعالى وتعظيمه، فيعلمهم طريق العبودية المحضة له عز وجل، وتجريد الاستعانة به تجريدًا تامًا، بتوكل منفرد عليه، لا يختلط به دعاء ظهير له موهوم، أو استنصار رديف، بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي تذل له نفوس البشر بالمحبة الخالصة، المعين الذي يتوجه إليه الطلب، وإليه فقط.

فهذا الشعور بوراثة الأمانة، المنتج لهذه الغيرة، يكسب المسلم حقًا في حرية المقال والشهادة على الأمم، ينقدها، ويشير إلى عيبها، ويدعوها إلى الاستدراك وتصحيح المسار، بالرجوع إلى الفطرة الأصيلة البريئة من التكلف والتفلسف، وإلى السجية الإنسانية البسيطة التي لا تحتمل غير التوحيد إنه نقد ليس مثل كل نقد، ينطق به المسلم عن محبة ورغبة في انتشال المخطئ من وهمه هي أشبه برحمة كامنة في قلب طبيب يحاول انتشال مريض عنده من مرض نفسي، ولذلك لا يجوز أن نظل أسرى الأعراف التي غرستها التربية العلمانية المنحرفة في نفوس بعضنا ونفوس الكثير من أبناء الأمم، والتي ترى في نقد المسلم ومناقشته للأديان الأخرى تدخلًا فضوليًا في حرية الملل والنحل، وتحسبه إثارة للمشاعر، واستفزازًا يهيج التعصب.

كلا بل الرحمة وبذرة التعاطف الكامنة في قلب المسلم تلح عليه إلحاحًا يدع لسانه ناصحًا ومحذرًا عند وقوع بني جنسه من أبناء آدم في الابتداع والغلط، كلما استجدت مناسبة فالكل بشر سواء، والخالق واحد، والعقل يرجح ويحكم بين الأقوال.

وتبرز اليوم مناسبة مهمة، تعطينا المبرر وتفتح المجال أمامنا واسعًا لتجديد المناقشة القرآنية الكريمة للابتداع الذي بدل ما تلقاه الحواريون عن عيسى عليه السلام، وبهما صار المسيح ربًا معظمًا.

فقد نشرت جريدة- الأنباء- الكويتية في عددها الصادر يوم الخميس 18- 8- 1977م عن الألمانية لمقال نشرته مجلة -شتيرن- أورد أخبارًا مهمة عن كتاب أصدره ثمانية من كبار علماء اللاهوت البروتستانت في جامعة أكسفورد البريطانية، بينهم امرأة، أنكروا فيه العقيدة السائدة بربوبية المسيح عليه السلام وأكدوا أنه لا يعدو أن يكون عبدًا بشرًا أوحي إليه من الله، وقد قوبل كتابهم بتلهف بالغ، حتى أحدث هزة كبيرة.

وما من ريب في أن هذا البيان من هؤلاء الباحثين يفرض له في منازل الأهمية مرتبة تجعله أهم محاولات التقويم في تاريخ النصرانية الحديثة، ويعادل الوفاء القديم عند نفر من الرهبان القلائل الذين لبثت أوتار قلوبهم تهتز ببقية الحياة الإيمانية التي تبعثها فيهم حقائق إنجيل برنابا، الذي ينطق صراحًة بعبودية المسيح عليه السلام، ويبشر برسول من بعده اسمه أحمد. وقد أعيدت الحياة قبل سنوات إلى هذا الإنجيل الذي يكاد أن يكتمل صدقه على ما نظن، إذ لم تتح لنا الفرصة لمطالعته كله، وقد ترجم إلى اللغات الحية وإلى العربية، عن نسخته الأثرية المحفوظة في النمسا، إلا أنه افتقر إلى مثل هذا الاعتراف الجماعي من كبار رجال اللاهوت المعاصرين، فتحدد أثره الإصلاحي، ولو أن هؤلاء الرهط الأكسفورديين جددوا مؤتمرهم، وتنادوا إلى تواص ثان بينهم بالحق الذي احتفظ به إنجيل برنابا، وأذاعوه على ملتهم، لكان في ذلك خطو نافع يقرب بالنصارى من الصواب الذي طال هجرهم له، من بعد ما أقام فيهم عيسى عليه السلام حجته فنكبوا عنها وليست كل طوائف النصارى في ذلك سواء، وإن كان معظمهم على ذلك، وقد شاهدنا ببريطانيا في مدينة مانشستر خلال سياحتنا كنيسة قد حولت إلى مسجد إسلامي، ولم تكن نوافذها ونقوشها ذات صلبان أو أشياء مما في كنائس النصارى، وعلمنا أنها كانت لطائفة من النصارى الذين يقرب اعتقادهم من التوحيد هاجروا إلى أمريكا، واستحبوا بيعها إلى الجالية الإسلامية هناك، ليأمنوا استمرار العبادة والأخلاق القويمة فيها، وربأوا بأنفسهم عن بيعها إلى البروتستانت بضعف الثمن الذي قدمه المسلمون.

فهذا البيان الكهنوتي بعبودية المسيح عليه السلام، وإشاعة إنجيل برنابا ببيان جماعي ثان، ربما تنفع مثل هذه الطوائف النصرانية وتخطو بها نحو النصرانية الأصيلة والتوحيد الذي يلتقي أخيرًا مع الإسلام، أو يكون به الإسلام نفسه والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم..

إن هذه الخطوات ضرورية جدًا لانتشال الكنيسة الغربية من فشلها في القيام بدور اجتماعي وفكري مؤثر، حتى أوصلها إلى إفلاس تام وعجز كامل عن إقناع الشباب والجيل الجديد المتمرد، وسادت أوروبا وأمريكا خلال السنوات الأخيرة موجة من الإلحاد، ليس لها من سبب إلا هذا الجمود على أقوال في تأليه عيسى عليه السلام، وأعمال ينكرها الذوق والعقل السليم.

فطبقة رجال الدين الذين اتخذوا الكهنوت مهنة مجردة عن الموازنات العقلية المنطقية في المواضيع الإيمانية، هم المسؤولون أولًا وآخرًا عن هذا الاتجاه الإلحادي المتزايد، المقترن بالحياة الابتذالية الحيوانية البعيدة عن الأخلاق، وأن عقائد هؤلاء الرهبان وأفكارهم وأساليبهم أضعف وأوهى من أن تقوى على الوقوف في وجه الإلحاد، وبدلًا من أن يستدركوا أمرهم باللجوء إلى تصفية النصرانية من شوائبها، والرجوع بها إلى أصالتها العيسوية، مالوا إلى اعتماد أسلوب يظنون فيه التجديد الكفيل بربط الجيل الجديد بالكنيسة من اعتماد الموسيقى وحفلات الترفيه والرقص والتمادي في إباحة ما كان محرمًا مكروهًا، وغير ذلك من الأوهام التي ما زادت الشباب إلا بعدًا وتمردًا، لكونها رياء محضًا ومداهنة لرغبات المراهقين هم أول من يعرف مقدار الترهات فيها.

إنها الرهبانية الإنجليزية الخائرة القوى، التي كثر معدن النفاق فيها، حتى عجزت عن توحيد نفسها للوقوف في وجه قانون إباحة اللواط، وصدر القانون رغمًا عن أنف بعضها، وبترحيب من بعضها الآخر، ليكون أبشع عار في تاريخ الإنجليز، والرهبان بحبال نواقيسهم متعلقون..

والإنجليز خاصًة قوم أهل منطق وقابلية على الاقتناع لو أجاد القائل لهم القول، والحق واضح المشكاة، ولكن هذا القائل الواعظ غائب، وكهانهم ما بين متخذ لكهنوته حرفة مريحة توفر عليه عناء العمل المهني الشاق، أو متخذ لها طريقًا سياسيًا يعاون به الجهود الاستعمارية لدولته وراء البحار، وقليل هم أولئك المتعبدون بإخلاص، مع ما في تعبدهم من نقص.

وبعيد عن الصواب ذاك الذي يظن أن ما يسميه العلمانيون بالتعصب الديني ينطقنا هذه الكلمات، فإننا ننقد بعض مبتدعة المسلمين بمثل هذا أيضًا كما نقدها سلفنا الأخيار من فقهاء أمتنا الإسلامية في القرون الأولى، لما شاعت بدع الجهمية الذين ينفون الصفات عن الله تعالى، ويجعلونه غير عالم ولا رازق ولا قدير، أو المرجئة الذين لا يعتبرون الأعمال الصالحة شرطًا في الإيمان، بل ولا العبادات ويرون الإيمان تصديقًا بالقلب فقط، فتصدى لهؤلاء وهؤلاء الإمام أحمد بن حنبل ومن معه أو لما شاعت بدع الكفر بعد ذلك، كعقيدة وحدة الوجود التي لا تفرق بين خالق ومخلوق، بل تجعل كل ما في هذا الوجود معبرًا عن حقيقة إلهية واحدة تعددت مظاهرها، مما كان يقوله الحلاج وغيره، فتصدى لهم الفقهاء وأفتوا بقتلهم، ثم تجددت الدعوة إلى كفرهم ثانيًة، فتصدى لهم ابن تيمية وابن القيم والبقاعي وأمثالهم، وقلمنا الذي يخط اليوم هذا النقد للنصرانية ويرحب بمحاولات تنقيتها وتصفيتها هو نفسه الذي خط بالأمس كثيرًا من النقد لأنواع من الانحراف العقائدي الذي يتلبس به بعض المسلمين، ودعا إلى تصفية توحيدنا مما علق به من خرافات الجاهلين.

وأي ضير في شهادة الشرف السامي التي نريد أن يقرها نصارى اليوم لنبيهم عليه السلام؟

إن العبودية لهي أشرف ما يفتخر به المخلوق وهذه العبودية العيسوية لم يتكبر عليها عيسى عليه السلام نفسه، ولم تكن منه حيصة يحاول فيها التفلت منها، ولم يرها غير لائقة بمنزلته، بل كما قال القرآن الكريم: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 172).

وروى القرآن حوار الله تعالى مع عيسى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: 116، 117).

فلا هو عليه السلام، ولا أمه الصديقة عليها السلام يرفضان العبودية التي هي وصف كل نبي سابق لهما ولاحق، كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17). ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ..﴾ (ص: 41). ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (ص: 45).

ووصف الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعبودية في معرض ذكر أعظم نعمة أسبغها عليه، وهي نزول القرآن، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ (الكهف: 1), وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» وقال أيضًا: «إنما أنا عبد، أكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد..»

فنحن إذن لا ندعو إلى رفع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مقام الربوبية وإنزال عيسى عليه السلام عنها حتى يتململ المستعجل فيتهمنا بالتعصب وإثارة الحفائظ والتدخل في الشئون الداخلية للملل الأخرى، وإنما نحن ندعو إلى الإقرار بعبودية الجميع وتوحيد الواحد القهار. كما أننا لسنا أهل المباداة في ذلك، وإنما بعض من هم أقرب إلى الإنصاف والتعقل من رهبان النصرانية قد انتفضوا بجرأة على الموروث من عقائدهم، وانقلبوا بشجاعة على أنفسهم، فأعلنوها عبودية عيسى صريحة شريفة، فوجدنا أنفسنا أحرى منهم بالإنصاف وأخذتنا الغيرة على البشرية التائهة، فنطقنا بتأييد ما توصلوا إليه واكتشفوه من الحق الأول القديم، الحاضر الجديد، المستمر الخالد.

الرابط المختصر :