; الاستعمار ليس في مهب الريح | مجلة المجتمع

العنوان الاستعمار ليس في مهب الريح

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1984

مشاهدات 71

نشر في العدد 655

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 24-يناير-1984

كنا إلى عهد قريب نحمل الاستعمار المسؤولية كل المسؤولية عما أصابنا من تخلف سياسي واقتصادي واجتماعي، وما أصاب الأمة الإسلامية من تمزيق، وحتى ما أصاب شريعة الإسلام من تعطيل.

وهذا حق إلى حد كبير... ولكنا لم نشأ أن نسأل أنفسنا: ألم نكن نحن السبب في أن يغزونا الاستعمار، ويفعل بنا ما يشاء، ويقضي على كل معنوياتنا، ويذهب بريحنا، ويعمل على تلاشي كل مقوماتنا؟

أقول: «نحن» وأعني الشعوب المسلمة والحكومات معًا، ومسؤولية الشعوب في المقام الأول، لأنها باستسلامها لأنظمة فاسدة منحرفة، لا يهمها إلا مصالحها، وهيأت ومهدت للاستعمار أن يستمرئ مجيئه ثم بقاءه مستغلًا خيراتنا أسوأ استغلال، وملغيًا لوجودنا أسوأ إلغاء، ومهيمنًا على سائر شؤوننا السياسية والثقافية، والحضارية أسوأ هيمنة.

ولم نشأ أن نسأل أنفسنا أيضًا: ما دمنا قد حملنا الاستعمار كل ما حل بنا من مصائب فيما مضى، وما دمنا قد حصلنا على استقلالنا- كما ندعي- بل ونتشدق بذلك، ونحتفل بأعياد هذا الاستقلال كل عام وننفق الأموال الطائلة على هذه الاحتفالات...

والسؤال: ماذا حدث بعد جلاء الاستعمار عن ديارنا من تقدم؟ وهل استطعنا مثلًا- وعلى الأقل- أن نؤكد صدق ادعائنا، بأن الاستعمار كان سر تخلفنا في شتى المجالات؟

إن مقاييس التقدم لا ترتبط بالشعارات أو اللافتات، فالدول التي أضافت إلى اسمها اسم الديمقراطية، يمارس الحكم فيها أبشع ألوان الاستبداد والكبت في شعوبها، كذلك الدول التي أضافت إلى اسمها اسم الاشتراكية يمارس الحكم فيها أحط ألوان التمييز والتفرقة، وبينما تعيش الطبقة الحاكمة في تخمة وبطنة وشره، تعاني شعوبها الفاقة والحرمان...

ومن ناحية أخرى، ليس المال كل شيء في حياة الشعوب، وإن كان المال عصب الحياة لكل الشعوب، فمثلًا: الدول المسلمة المنتجة للبترول، ما أكثر ما تملك من أموال، وبالرغم من ذلك ما يزال أكثرها عالة على غيره من الدول لا في استيراد الضروريات بل حتى أبسط الكماليات.

نحن نريد أن نصل إلى صلب القضية، وذلك عن طريق الإجابة عن هذا السؤال: هل أصبح الاستعمار في مهب الريح؟

من السذاجة أن نجيب بنعم... إذا كنا نعني جوهر الاستعمار وحقيقته. لأن الاستعمار لم يصبح في مهب الريح. كل ما حدث أنه تطور، تحول من استعمار مادي مباشر إلى نفوذ معنوي غير مباشر، أي استغنى عن الاحتلال العسكري الذي يكلفه الكثير من المال والسمعة، وأحل محله النفوذ... وإذا حاولنا أن نستعرض الدول المسلمة دولة دولة، لا نكاد نعثر على دولة واحدة غير خاضعة إما لنفوذ الغرب ممثلًا في أمريكا وإما لنفوذ الشرق ممثلًا في روسيا، أي إننا إزاء دول فقدت ذاتيتها، ودانت بالتبعية، وبمعنى أدق: إن الأنظمة الحاكمة هي التي فقدت ذاتيتها، لأنها هي الدول، والدول هي، إما الشعوب فلا هي في العير ولا هي في النفير... وهذه هي الحقيقة المرة، سواء رفضها البعض أم قبلها على مضض.

تحت ضغط النفوذ الأمريكي في عهد الشاه كان أكثر من مليون عامل إيراني في الخليج العربي يبحثون عن لقمة العيش عن طريق أدنى المهن، بينما في داخل إيران مثل هذا العدد من العمال جاءوا من كوريا، والفلبين وتايلاند وبورما... وفي البلاد العربية البترولية عشرات الألوف من أولئك العمال الأجانب بينما يضطهد هناك العمال العرب المسلمون.

وفي الفلبين وفي بورما، وفي تايلاند، حروب شرسة ضد الأقليات المسلمة هناك... ومع ذلك فبعض الدول العربية تصدر البترول إلى الفلبين، بل بعض البلاد العربية يستورد فرق الرقص من تايلاند والفلبين، ولا أظن الشعوب المسلمة راضية عن هذا السلوك، واليمن الجنوبية دولة شيوعية مائة في المائة...

تساعد النظام الشيوعي في كل من أفغانستان وأريتريا ضد شعبين مسلمين، وأنظمة عربية أخرى تسيئ إلى العروبة والإسلام، ومع ذلك تعامل هذه الأنظمة في بقية البلاد العربية والإسلامية معاملة الشرفاء...

مأساة أفغانستان... مأساة أريتريا...

مأساة لبنان، أي محنة الإسلام في هذه البلاد وغيرها، هل فعلت الدول المسلمة شيئًا؟ كلا بالطبع، لماذا؟ لأن كلا من النفوذين: الغربي، أو الشرقي لا يريد ذلك... وبالتبعية لا تريد الأنظمة ذلك، أما الشعوب فهي تتمنى أن تفعل شيئًا ولا تريد، وفرق بين الإرادة والتمني...

دولة تصدر البترول إلى الفلبين لتسحق به المسلمين هناك، ودولة ستصدر البترول إلى روسيا، لتدك به المسلمين في أريتريا وأفغانستان. ومعظم الأنظمة الحاكمة تقف موقف المتفرج.

وفي أندونيسيا عشرة آلاف كنيسة للبروتستانت وقريب من هذا العدد للكاثوليك وفي بنغلادش مائتا إرسالية تبشيرية، وفي دولة مسلمة أفريقية محطة إذاعة للإنجيل... كل ذلك في حماية النفوذ الغربي الأمريكي والأوربي، ويمكننا أن نسأل:

هل أصبح الاستعمار في مهب الريح؟

ويمكننا أن نجيب: إن الاستعمار ما يزال بخير، ونحن- المسلمين- الذين أصبحنا في مهب الريح...!!

الرابط المختصر :