; مستقبل الجزائر في ظل مساعي الخروج من مستنقع العنف | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل الجزائر في ظل مساعي الخروج من مستنقع العنف

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1137

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 07-فبراير-1995

• وثيقة العقد الوطني للمعارضة يمكن أن تشكل أرضية صلبة للخروج من نفق الأزمة، ولكن ذلك يتوقف علي موقف السلطة

 • النظام أقام تحالف مصلحة مع الأقليات العلمانية وكان من أهم المعوقات لاستئناف المسار الديمقراطي

• حركة المجتمع الإسلامي لم تسلم من أيدي الجماعات المسلحة حيث قتل أربعون من قيادتها 

واشنطن: 

إن تسارع الأحداث على الساحة الجزائرية أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا لم يترك للمراقبين فرصة لالتقاط الأنفاس وإمعان النظر في التحولات والمفاجآت والوقائع، حتى أن الكثير من التحليلات السياسية أصبحت تفتقر إلى النظرة الشمولية التي تحيط بأطراف الأزمة وأوجهها وأبعادها، فلم تتمكن من تصور التطورات واقتراح الحلول وهذا الوضع في حد ذاته يدل على مدى التعفن الذي وصلت إليه الحال وتعقدت معه الأزمة، لأنه ينقلها. وهي التي أزهقت فيها عشرات الآلاف من الأرواح وغدت تهدد كيان الأمة- إلى مجرد أحداث وحوادث على صفحات الجرائد وألسنة الناس، لذلك فإنه يجدر بنا التوقف للإحاطة بأبرز معالم الأزمة المحنة حتى تبقى عناصر ثابتة لأي تحليل جاد للأحداث التي بدأت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، باعتبار أن ذلك ضروري لتفادي الطرح الجزئي المغرض الذي يتوخى تكريس الأزمة أو حلها بطريقة أحادية، ويمكن حصر هذه الأطراف في ست قوى فاعلة وهي:

1- الاستئصاليون

وهي تسمية أطلقتها وسائل الإعلام على القوى التي تصرح علنًا بأن سبب الأزمة يكمن فيمن تسميهم بالأصوليين وترى أن الحل يكمن بالتالي في القضاء عليهم نهائيًّا، بالطرق الأمنية بالنسبة للجماعات المسلحة وبالطرق السياسية بالنسبة للأحزاب والجمعيات الإسلامية، وذلك بحلها ومنع أي نشاط باسم الإسلام، وتجدر الإشارة إلى أن الاستئصاليين يقترحون توسيع هذه الإجراءات لتشمل من يعتبرونهم أنصارًا للأصولية كالتنظيمات الوطنية وعلى رأسها جبهة التحرير الوطني. 

إن هذا التيار يتكون أساسًا من حزبي «RCD» والتحدي وكذلك من قيادة اتحاد العمال والجمعيات النسوية التي تدور في فلكهما، وتدعمه الحركة الثقافية البربرية، وهي التي تملك معظم الصحف اليومية والأسبوعية الناطقة بالفرنسية، ولهذه الحركة نفوذ واضح في التلفاز، وقد سبق أن صرح سعيد سعدي. زعيم حزب «الحركة من أجل الثقافة والديمقراطية RCD» أن لهذا التيار أنصارًا في الجيش والسلطة، كما أنه قد كون ميلشيات مسلحة لمحاربة الإسلاميين، لأن الدولة- في نظره- ليست جادة في مكافحتهم، ويرى سعيد سعدي أن ذلك الشرط هو الأول للعودة إلى الحياة السياسية الطبيعية ويصر على رفض إشراك الأطراف الإسلامية، ومن الجدير بالذكر فإن الموضوعية تقتضي إدراج جبهة القوى الاشتراكية «حسين آيت أحمد- FFS» ضمن هذا التيار، لأنها تتبنى هي الأخرى نفس الطروحات، باستثناء رفضها لانقلاب ۱۱ يناير ۱۹۹۲م، وكذلك دعوتها إلى استئناف المسار الديمقراطي، ولكنها في الآونة الأخيرة بدأت تظهر بملامح استئصالية واضحة، ولا يختلف مراقبان في التقاء مفاهيم ومصالح هذا التيار- مرحليًّا على الأقل- مع السلطة الفعلية القائمة كما ذهب إلى التصريح بذلك بلعيد عبد السلام عندما كان رئيسًا للحكومة.

٢- التصالحيون

أطلقت الصحافة هذه التسمية على الأطراف التي ترى أن حل الأزمة الجزائرية يكمن في الحوار الشامل من أجل مصالحة تاريخية بين الجهات المتخاصمة سياسيًّا، وبالأخص بين النظام وجبهة الإنقاذ في إطار استراتيجية شاملة تساهم فيها كل القوى الوطنية الفاعلة بقصد تجفيف منابع العنف والتحاكم في أقرب الآجال إلى العملية الانتخابية وصناديق الاقتراع ويتشكل هذا القطب من الأحزاب والجمعيات والتنظيمات التي تتبنى الإسلام وتحترم العربية والقيم الوطنية، وأهمها حركة المجتمع الإسلامي «حماس»، والنهضة، وجبهة التحرير والحركة من أجل الديموقراطية، وجمعية الإرشاد والإصلاح، ومنظمة أبناء الشهداء والتنظيمات الطلابية، والملاحظ أن هذا التيار لا يملك وسائل إعلامية تناسب حجمه، كما أنه أقل تجانسًا من التيار الاستئصالي مما أثر على فعاليته في الساحة السياسية، وهو يشتكي من مضايقات الإدارة الحكومية والسلطة على مختلف المستويات، ولا يتمتع هذا التيار بمثل الدعم الإعلامي الخارجي الذي يحظى به غريمه العلماني، إن أصحاب هذا المنهج التصالحي لا يتبنون إقصاء أي طرف من المساهمة في حل الأزمة أو المشاركة في العمل السياسي، وقد برهنت وثيقة روما الثانية عن تمسك الأطراف الموقعة- وهي تمثل 80 % من الشعب الجزائري. بالتعددية وبالتداول السلمي على رأس السلطة ورفض اللجوء إلى العنف واحترام الدستور الجزائري.

٣- الجماعات المسلحة

إن هناك حقيقة لا يماري فيها منصف وهي إلغاء انتخابات ٢٦ ديسمبر ۱۹۹۲م، قد عزز لوعة أولئك المتوجسين من الديمقراطية، في أن العملية ليست سوى مصيدة وفخ منصوب لا يمكن الاعتماد عليه لإقامة الدولة الإسلامية وأن البديل الوحيد هو استعمال القوة، وقد تعزز جانبهم بكثير من أولئك الذين كانوا عرضة للاعتقال والترحيل إلى محتشدات الجنوب فاتفقوا جميعًا على حمل السلاح لإسقاط النظام بواسطة العمل المسلح، وتخريب البنية الاقتصادية والمدارس التعليمية، وتصفية أعوان السلطة وحلفائها باعتبار أن ذلك جهاد في سبيل الله. وقد تراجعت الدوائر الرسمية نفسها عن تكريم هذه الجماعات مما حدا ببعض الأطراف الفاعلة إلى أن تطالب بإشراكها في حل الأزمة، وتريد أن تضع السلاح، ولكن يبدو أن في تلك الجماعات تيارًا يبارك الحوار، وقد يلتحق بالمسار الديموقراطي إذا تم استئنافه، في حين يرفض تيار آخر أي بديل على العمل المسلح وهذا الاختلاف جعل بعض الجماعات لعبة في يد أكثر من طرف في الداخل وفي الخارج، لذلك تشتد من حين لآخر حرب البيانات والمزايدات ويصل الأمر أحيانًا إلى التصفية الجسدية.

إن أعنف هذه الجماعات المسلحة هي الجماعة الإسلامية المسلحة «GIA»، التي كانت ترفع شعار «لا حوار» لا هدنة «لا مصالحة مع النظام المرتد». وقد أعطت ذريعة لخصوم الإسلام لاتهامه بأنه دين العنف والتطرف والإرهاب، انتشر قديمًا بالسيف ويريد الآن العودة بالرشاش، إلا أن الجماعة الإسلامية المسلحة قد ارتضت في بيان لها- بعد لقاء روما الثاني- سبق أن توقف العمليات المسلحة إذا التزمت السلطة بما جاء بوثيقة «العقد الوطني»، وهو تطور اعتبرته الدوائر الغربية إيجابيًّا ومثيرًا للاهتمام.

٤- مجموعة الجنرالات في الجيش والأمن

أولئك الذين ولغوا في أموال الشعب وخيراته طوال السنين الماضية، وعرضوا مستقبل الجزائر إلى الانهيار والتيه بسبب مآربهم الشخصية الهابطة، حتى أصبح شباب الجزائر (۷۰% ) من السكان يتدافعون على أبواب السفارات للهروب من جحيم البطالة والعنف؛ إنهم طوال ٣٠ سنة أو أكثر وهم يأكلون خيرات البلاد، وهم الآن يضعون أيديهم على الزناد لعرقلة أي حوار أو تهدئة للأوضاع لأنهم لا يريدون الاستقرار، ولهذا فهم يعملون على طمأنة أتباعهم وعملائهم بدعوى: لا تخافوا فإن فرنسا معكم «جنرال العماري في مجلة Jeune Afrique» »

٥- النظام الحاكم

إذا كانت مشكلة جبهة الإنقاذ هي «الضمانات»، فإن مشكلة السلطة الحاكمة هي «الشرعية»، فهي الآن تستغني بوضوح عن الشرعية الشعبية، وتتصرف باعتبارها أعرف بمصالح الأمة منها، وهي ترفض التاريخ للأزمة بانقلاب ۱۱ يناير ۱۹۹۲م، وتحاول تمييع المشكلة القائمة وسط اعتبارات شتى يحتل الشق السياسي مقام المؤخرة فيها، وهذا ما جعل علاقات السلطة الفعلية بممثلي المجتمع السياسيين والروحيين والاجتماعيين يشوبها كثير من التوجس والتنافر، كما أن السلطة درجت على تهميش المجتمع السياسي للأحزاب للاعتماد على المجتمع المدني المشكل أساسًا من الأقليات الأيديولوجية «العلمانية»، حتى يكون بين الطرفين تحالف مصلحي أو ضمني، وقد كان هذا التحالف من أهم المثبطات في سبيل استئناف المسار الديموقراطي، ولكن بعد تولي الأمين زروال رئاسة الدولة فإن مسيرة الحوار السياسي شهدت تطورات إيجابية وبعثت الأمل لدى المواطنين في مستقبل بلدهم، وأهم هذه التطورات قرار يوم ١٣/ ٩/ ١٩٩٤م، القاضي بالإفراج عن الشيخين: د.عباس مدني ونائبه على بلحاج- زعيمي الجبهة الإسلامية للإنقاذ «FIS».. لينقلا إلى الإقامة الجبرية داخل العاصمة الجزائرية تحت حراسة الدولة وحمايتها، بعد أن قضيا أكثر من ثلاث سنوات بسجن البليدة العسكري مع خمسة آخرين من قيادي الجبهة. 

لقد اعتبر المراقبون- آنذاك- قيام الرئيس زروال بهذه الخطوة موقفًا شجاعًا انفرد به عن سابقيه، خاصة في ظل الضغوط الداخلية للتيار الاستئصالي والخارجية من «فرنسا»، إن ما تشهده الجزائر من تمزق اجتماعي وحشرجة اقتصادية تتسع يومًا بعد يوم، حيث وصلت حصيلة الخسائر البشرية منذ بداية الأزمة إلى الآن حوالي ١٣٥ ألف قتيل وأكثر من ملياري دولار خسائر مادية، من بينها تدمير وحرق ما يزيد على ٦٥٠ مؤسسة تربوية.

٦- الجبهة الإسلامية للإنقاذ

كان المراقبون يرون بأن المسوغات في الممانعة من المشاركة في الحوار قد استنفدت بعد الإفراج عن الشيخين وبعض قيادات الإنقاذ. كما أن السلطة قد أوفت بوعودها تجاه الأحزاب الخمسة المشاركة في الحوار «التحرير، حماس النهضة، التجديد، حركة الديمقراطية في الجزائر»، وبالتالي فليس لدى قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ حججًا قوية لرفض المشاركة في جولة الحوار بالجزائر، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان الرسالة التي بعث بها عباس مدني يوم ٢٦/8/ ١٩٩٤م، والتي يقبل فيها بشروط السلطة في الحوار مع استعداده لمناقشة كل القضايا، غير أن الرسائل المتناقضة والصادرة كلها من سجن البليدة أوحت بأن الإجماع على رأي واحد بالنسبة لقياديي الجبهة المفرج عنهم يعتبر أمرًا صعبًا، إذ إن الشيخ علي بلحاج سبق له أن أرسل رسالة إلى رئيس الجمهورية يرفض فيها أي تنازل أو مهادنة، وهي تتناقض مع الليونة التي أبداها الشيخ عباس مدني زعيم الحركة.

ولعل الرسالة الوحيدة الأخيرة التي وصلت إلى رئيس الجمهورية بتوقيع المسجونين الخمسة بمن فيهم مدني وبلحاج. قد حققت إجماع هؤلاء، حين اشترطوا للمشاركة في الحوار حضور قيادة الداخل وقيادة العمل المسلح، وهو الشرط الذي رأى فيه المراقبون نوعًا من المبالغة والتعجيز أو التخوف من عدم السيطرة على القواعد، كما اعتبره آخرون تنازلًا من الشيخ عباس مدني لنائبه المتشدد، الشيخ علي بلحاج بغية توحيد الموقف، كما أن عباس مدني قد أخبر من طريق القادة المفرج عنهم سابقًا «بوخمخم وجدي، وعيساني» بعدم ولاء الجماعات المسلحة في معظمها للجبهة، ولذا فلابد من إمساك العصا من وسطها، وعدم تضييع فرصة الحوار الذي فتحته السلطة بجدية أكثر من ذي قبل، مع الاستفادة من قوة عباس مدني في الحوار إذا ما قاطعته الجماعات المسلحة، ولاسيما أن وسائل الإعلام تناقلت مباشرة بعد خبر الإفراج، خبر صدور بيان عن الجماعة الإسلامية المسلحة. أكبر الجماعات المسلحة- تهدد فيه عباس مدني وتؤكد عدم إيمانها بالحوار مع النظام «الطاغوتي».

 بعد مدة من الزمن، قام قادة جبهة الإنقاذ عباس مدني وعلي بلحاج بكتابة أول تصريح خطي لهما منذ خروجهما من سجن «البليدة» اعتبرا فيه إجراءات السلطة إجراءات جزئية لا تتجاوز متطلبات الحل الشرعي، وقالا «اعتمدنا على كسر هذا الصمت رغم تعهدنا بعدم التصريح لأي كان، لكننا اضطررنا لذلك بعد تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة وما جاء فيه من تضليل، وأضافا: أن الإقامة الجبرية لا تسمح لهما بالاتصال بالقياديين الآخرين في الجبهة للالتزام بما جاء في رسالة ١٦ / ٩/ ١٩٩٤م، ومن هنا فقد طالبا النظام بالحرية التامة للعمل على إيجاد حل عادل. 

وفي الوقت الذي طالبا فيه السلطة بالإفراج التام عنهما بعث نائب رئيس جبهة الإنقاذ الشيخ علي بلحاج رسالة بتاريخ ١٠/٢/ ١٩٩٤م، إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حيث حثهم فيها على ضرورة مواصلة العمل المسلح حتى النصر كما عبر عن مساندته المطلقة للعمل المسلح الذي تقوم به هذه الجماعات المسلحة، مع ذكر توجيهات وإرشادات عسكرية لهم «الوثيقة تتضمن ۳۰ صفحة»، وقد تسلمت الأحزاب السياسية في لقاء الحوار الأخير يوم ٢٩/ ١٠/ ١٩٩٤م، نص هذه الرسالة، هذا وتجدر الإشارة إلى أنه قد أعلن عن فشل الحوار بين السلطة والأحزاب بعدما دار اللقاء حول رسالتي علي بلحاج، مما أعتبر أن الحوار قد وصل إلى طريق مسدود، ومن هنا تعطلت اللقاءات في الجزائر حتى جاءت لقاءات روما لتفتح الطريق من جديد بأمل الوصول إلى صيغة أفضل وعقد يتراضي عليه الجميع.

حركة المجتمع الإسلامي «حماس»

إن الموقف الذي اختارته حركة «حماس» هو موقف خطير للغاية هو أشبه بحالة اللاحرب واللاسلم، حيث إن كل الأحزاب في الجزائر اختارت واحدًا من الموقفين، إما موقف الحرب وأعلنتها ومضت فيها بطرق كثيرة ويوسائل متعددة، وهناك من اختار السلم فهو يهادن ويسالم ويماري ويداري ويداهن، وبهذا يحافظ على عناصره ومكتسباته، أما حركة حماس فقد كان موقعها من الإعراب أنها «ممنوعة من الصرف» على رأي النحويين، أي أنها اختارت الطريق الأكثر خطورة وحيرة، هو موقف. على حد تعبير الشيخ محفوظ نحناح- اللاحرب وفي الوقت نفسه اللاسلم، وأضاف بأننا لسنا في موقف المحاربين فتحدد بذلك وجهتنا واستراتيجيتنا ووسائلنا، ولسنا كذلك في موقف السلم فتحدد على هذا الأساس مواقفنا ومنهجنا في العمل.

وأضاف: «إن موقف الوسط الذي اخترناه موقف غامض بالنسبة للجزائريين جميعًا. حكومة وشعبًا.. فموقف الوسط الذي اعتمدناه سياسة لنا تنظر إليه المعارضة أنه مع السلطة. 

لأن السلطة والمعارضة تقف على طرفي نقيض، وإذا كنا نحن نتوسط النقيضين فالمعارضة ترى أننا سلطة، بحكم أننا بعيدون عنها، وكذلك الحال مع السلطة التي ترى فينا جبهة مع الآخرين كوننا لا ندافع عنها، وإن محاولتنا هي للجمع بين النقيضين عن طريق الحوار وإشاعة الأخوة وإيقاد الشموع، ومسح الدموع، وزرع الأمل، واستئصال جذور اليأس، وما سوى ذلك.. إن هذه الرؤية وهذا الخيار لا زال غير مستوعب لدى الكثير من الشعب وكذلك عند الحكومة والسلطة، إنهم يريدون المواقف المتطرفة، إما أنك مع النظام فأنت نظام، وإما أنك معارضة فأنت معارضة، وهي معادلة تفتقد إلى الموازنة المطلوبة.

 إن هذه السياسة جعلت حركتنا تدفع ثمنًا باهظًا إذ سقط من صفوفها أكثر من أربعين شهیدًا، إضافة إلى الذين اعتقلوا على يد السلطة وعذبوا أو فصلوا من أعمالهم وقتلوا تحت التعذيب ومن غير محاكمات، وهؤلاء يتجاوز عددهم المئة والعشرين». 

إنه- والكلام للأستاذ النحناح – ثمن الوسطية والاعتدال، وعدم الاندفاع والتهور وثمن الرفض لكل مظاهر التطرف والفكر الاستئصالي، وضريبة التحذير المبكر من مغبة التعنت.

السلطة والخيار الأمني القاتل

ماذا تعني المظاهرة الشعبية التي خرجت ولا تزال في عدة أنحاء من المدن الجزائرية للتنديد باتفاق روما ومساندة زروال؟

وما الذي تهدف إليه السلطة من إعطائها الفرصة لبعض من أصابهم عنف الجماعات الإسلامية المسلحة للإدلاء بتصريحات- عبر شاشة التلفاز. تتهم تلك الجماعات بالخروج عن الضوابط الإنسانية والإسلامية إلى جانب إبراز المشاهد المرعبة من صور القتل وخاصة الصور المفزعة للشقيقتين اللتين ذبحتا نتيجة رفضهما زواج المتعة، كما جاء في أجهزة الدولة الرسمية؟ وأخيرًا ما المقصود من تزويد فرنسا للجزائر بمعدات عسكرية ضخمة، كما جاء في النشرة «ت. ت. يو» المتخصصة في شئون الدفاع والتي ذكرت أن فرنسا قامت بتزويد الجيش وأجهزة الأمن الجزائرية بتجهيزات عسكرية تقدر قيمتها الإجمالية بمليار ومئة دولار، تتضمن عددًا من الطائرات المروحية العاملة ليلًا، كذلك أجهزة إضاءة كاشفة إليكترونية متطورة وغيرها من المعدات العسكرية الأخرى؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات لا تخرج عن نطاق احتمالين اثنين:

الاحتمال الأول: أن الحكومة الجزائرية تخطط لضرب الجماعات المسلحة بإيجاد المباركة والمساندة الشعبية التي افتقدتها في بداية مواجهتها مع الجماعات المسلحة، خاصة وأن القاعدة الشعبية أصبحت تتطلع الآن إلى الخروج من المستقنع الدامي والوضع الاقتصادي والمعاناة التي مست كل أسرة جزائرية

والاحتمال الثاني: هو استثمار الساحة الجزائرية وما تشهده من تجاوزات خطيرة لتشويه صورة أصحاب المشروع الإسلامي الوسطي والمعتدل، وتوظيفها بالتالي في حملتها الانتخابية الرئاسية التي أعلن عنها الرئيس زروال بأنها ستكون قبل نهاية عام ١٩٩٥م. أو في شهر يوليو المقبل، كما صرح بذلك وزير الخارجية صالح دنبري خلال زيارته للفاتيكان في ٢٧ يناير الماضي.

ومهما افترضنا من احتمالات إلا أن الحقيقة المرة التي ينبغي التنويه إليها هي أن الحكومة- وبالرغم من التجاوزات الخطيرة التي وقعت فيها.. 

قد استطاعت أن تبيض وجهها وتكسب بعض التأييد، وأن تستعيد الكثير من قوتها، مستفيدة من بعض مظاهر الغلو والتطرف وغياب الوعي السياسي عن بعض العناصر الإسلامية المسلحة، التي لم تفكر يومًا إلا في الحسم العسكري، مما ساعد على تشويه صورة الجبهة الإسلامية للإنقاذ سواء على مستوى الجماهير الشعبية أو على المستوى الدولي، إن السياسة كما يقولون هي فن إدارة المجتمعات الإنسانية أو كما قال ابن القيم هي جعل الناس أقرب إلى الإصلاح وأبعد عن الفساد، ولكن هذه المعاني غابت عن اجتهادات الكثير من المسلمين المعنيين بمشروع التغيير الحضاري، لقد استطاع النظام أن يجر جبهة الإنقاذ إلى ساحة المواجهة العسكرية وهي مواجهة غير متكافئة. دون شك... ليحرمها من استثمار فوزها وحقها المشروع في الحكم، وذلك بهدف عزلها جماهيريًّا ودوليًّا. ولكن «روما الثانية» كانت خطوة ذكية مباركة على طريق إعادة الحق إلى نصابه.

وثيقة روما... المنعطف والتحول في الرؤية الغربية

لا شك أن لقاء روما الثاني قد شكل منعطفًا كبيرًا في توجه المعارضة ورؤيتها للحل، كما أنه في الوقت نفسه- كسب أنصارًا له في الدوائر الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة ودول المجموعة الأوروبية، باستثناء. ربما- بريطانيا وفرنسا، فالنقاط التي أجمعت عليها أحزاب المعارضة فيما عرف بوثيقة العقد الوطني تشكل أرضية صلبة يمكن اعتماد البناء عليها للخروج من ظلمة النفق وتخطي اختناقات الأزمة وإن الأمر- على حد تعبير عبد الحميد مهيري- يتوقف بالدرجة الأولى على السلطة وعلى المجتمع السياسي والمدني بالدرجة الثانية، فلقاء روما يشكل خطوة هامة على الطريق الصحيح «صحيفة المجاهد الأسبوعي ٢٠ يناير ١٩٩٥م». 

لقد أثنى الكثير من الغربيين وخاصة في الولايات المتحدة على ما جاء في الوثيقة وخاصة الجزء المتعلق باستعداد الجماعة الإسلامية المسلحة التخلي عن العنف، ووقف عملياتها العسكرية ضد النظام، والعودة إلى الخيار الانتخابي «مجلة ميدل إيست انترناشيونال- ۲۰ يناير ۱۹۹۵م».

 إن التحول الذي طرأ على موقف الجماعة الإسلامية المسلحة قد لاقى له أيضًا صدى– وإن كان رنينه لا يزال خافتًا- بين بعض الرسميين في باريس، حتى «أنهم باتوا يعتقدون بأن إلغاء الحكومة الجزائرية لانتخابات ۹۲ كان خطأ وأن فرنسا هي الأخرى مخطئة في دعمها لهذا الموقف، إن الوقت بات يفرض تصحيح هذا الخطأ «مجلة EIR ۲۰ يناير ۱۹۹۰م».

وقد أشار كل من أندريو بيري ووليم كوانت القائمان على دراسة الأزمة الجزائرية وانعكاساتها على العلاقات الأمريكية- الفرنسية بتكليف من مؤسسة كارنجي- بأن هناك حقائق وقناعات دفعت إلى اتخاذ هذا الموقف، فقد توصلت مجموعة من الخبراء الفرنسيين والجزائريين إلى نتيجة مفادها أنه لا النظام الجزائري ولا الحركة الإسلامية المسلحة يبدو أنهما على وشك كسب الحرب، وأنه- فقط. عبر الحوار السياسي والاستعداد للتراضي على ما تتفق عليه الأطراف، يمكن أن يأتي الحل. وأضافا أن الفرنسيين متشككون من إمكانية حسم الصراع في ميدان المعركة، لذلك، فهم. وخاصة بعد حادث خطف الطائرة الفرنسية ومحاولة تفجيرها عشية احتفالات رأس السنة الميلادية- يبدون الآن أكثر مرونة واعتدالًا بل وأصبحوا يدفعون في اتجاه الحوار السياسي بين الأطراف التي ترتضي الخيار الديموقراطي كطريق للتعايش والحل «واشنطن بوست- ۲۲يناير ١٩٩٥م». 

وأشار بيري وكوانت على ضرورة وجود تنسيق بين حكومات الولايات المتحدة وفرنسا ودول المجموعة الأوروبية لتشجيع نهج الحوار وممارسة الضغوط على الحكومة العسكرية إذا تطلب الأمر ذلك.

ولعل التصريحات التي صدرت من وزير الخارجية الفرنسي في واشنطن الأسبوع الماضي تصب في هذا الاتجاه، فقد طالب الان جوبيه «بممارسة الضغط على كل الفئات والأطراف» في الجزائر من أجل دفعهما إلى الحوار وأضاف قائلًا: «إن فرنسا والاتحاد الأوروبي اعتبرا حوار الأحزاب المعارضة في ندوة روما والوثيقة التي صدرت عنها بأنهما مثيران للاهتمام، ولهذا السبب فإننا ندعو إلى حوار سياسي في الجزائر، كوننا نعتقد أن العنف يؤدي بنا إلى طريق مسدود، وأشار إلى أن الخلاف بين فرنسا والولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع الأزمة الجزائرية قد أوشك على الانتهاء، وأن هناك تقاربًا في المواقف شهدته الأشهر القليلة الماضية».

والسؤال المطروح الآن هو: هل هذا التحول المفاجئ في الموقف الفرنسي

والأوروبي معناه أن الأزمة قد قاربت على الحل، وأن العودة إلى صناديق

الاقتراع ستكون هي الوجهة المقصودة للحكومة والمعارضة؟

يبدو أن هذا الخيار هو الأقوى حتى هذه اللحظة، ففرنسا لم تعد تجد لها أنصارًا لمواصلة الدعم العسكري وتأمين القروض المالية للحكومة الجزائرية، حيث إن الديون الخارجية على الجزائر قد بلغت حوالي ٢٧ مليار دولار، وأخذت الشكوك تتعاظم لدى المسئولين في البنك الدولي حول إمكانية استرداد هذه الديون في حالة وصول الإسلاميين إلى السلطة»، «ميدل إيست إنترناشيونال- ۲۰ يناير ۱۹۹٥م».

وإذا سلمنا بالعودة إلى الخيار الديموقراطي والعملية الانتخابية كحتمية لابد منها لوضع نهاية حقيقية وسلمية للأزمة، فإن هناك عدة سيناريوهات ستصاحب هذا الخيار وتمضي معه، ولكنها لن تتجاوز المعطيات التالية:

  1.  إن مستقبل الجزائر هو بيد الإسلاميين وهذا ما يدركه معظم الناس ويتطلعون إليه.
  2. - إن الصراع سيتمحور حول المساحات التي سيتم إعطاؤها للآخرين كهامش للحرية والاختلاف
  3. - إن هناك مجموعات مصالح سياسية واقتصادية تتطلب تقديم ضمانات لها تحميها وتحمي ممتلكاتها.
  4. - إن النخب العسكرية والعلمانية التي لا تشارك الإسلاميين نفس الرؤية والنموذج لها هي الأخرى مطالب، وتحتاج إلى تطمينات تحفظ لها حقها بعيدًا عن دائرة الانتقام وتصفية الحسابات.

في ظل هذه المعطيات السابقة فإن بالإمكان تصور مستقبل المشاهد السياسية «السيناريو» لحل الأزمة الجزائرية على الشكل التالي:

 1- سيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ «FIS»، وهو وضع أقرب في واقعه إلى النموذج السوداني، حيث يستمر العسكر في حكمهم للبلاد، ولكن مع إعطاء الإسلاميين كامل السلطات والصلاحيات لإدارة شئون البلاد وحياة المجتمع، وهذا الوضع سيعطي للإسلاميين الفرصة لامتلاك الخبرة السياسية. وكذلك تعزيز وجودهم داخل قيادة المؤسسة العسكرية.

2- التحالف الجبهوي، وهو يقوم على عقد مدني بين التشكيلات السياسية والحزبية على أرضية تقدير كل منهما لوجود الآخر، وضمن ترتيبات تحمي المصالح الحيوية لكل منهم، وهي الصورة التي تعيشها بلاد كأسبانيا وجنوب إفريقيا، وكذلك بعض الدول في أمريكا اللاتينية. 

3- الائتلاف الحزبي، وقد يتم في حالة عدم قدرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الحصول على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، فتلجأ إلى بعض الأحزاب الأخرى. إسلامية أو وطنية- لتشكيل ائتلاف حاكم منهما. تتحد أجندته السياسية بناء على خلفية العقد القائم بينهما، لذلك فإن متابعة التطورات التي حدثت خلال السنوات الثلاث الماضية في علاقات الأحزاب بعضها بالبعض الآخر، تشير إلى أن البعض قد استطاع تبييض، سمعته وإعادة الثقة في إمكانية منافسته للآخرين وأخص هنا جبهة التحرير وزعيمها عبد الحميد مهري، فلقد استطاعت الجبهة إجادة لعبتها السياسية بتعاونها مع «الإنقاذ» من حيث التحكم في المبادرات السياسية واتجاهات الحوار، وليس بمستغرب إذا شاهدنا «العودة الظافرة» للجبهة ممتطية هذه المرة صهوة جواد «الإنقاذ»!!

إن الانتخابات القادمة سواء الرئاسية أو البرلمانية لن تكون مثل سابقاتها، وسيكون لها ما بعدها على مجمل ساحات الصراع السياسي في العالم العربي.

الرابط المختصر :