; نخى القوميات كلها وصهرها في بوتقة الدولة الإسلامية الواحدة.. لماذا يتطاول بعض الأكراد على صلاح الدين الأيوبي؟! | مجلة المجتمع

العنوان نخى القوميات كلها وصهرها في بوتقة الدولة الإسلامية الواحدة.. لماذا يتطاول بعض الأكراد على صلاح الدين الأيوبي؟!

الكاتب لافا خالد

تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2008

مشاهدات 59

نشر في العدد 1832

نشر في الصفحة 38

السبت 27-ديسمبر-2008

«كردية» صلاح الدين انصهرت في بوتقة الإسلام كما انصهرت «فارسية» سلمان.. و«أمازيغية» طارق بن زياد... و«تركمانية» نور الدين زنكي.

صلاح الدين في الوعي العربي الإسلامي «محرر القدس»... وفي الوعي الأوروبي «فارس شهم شجاع».

مؤرخون: لو كرر التاريخ نفسه برجل استثنائي مثل «صلاح الدين» لتغيرت أحوال أمم وتبدلت وقائع ومعادلات كثيرة.

يعتز أغلبية الأكراد بالقائد المظفر «صلاح الدين الأيوبي»، ويفخر أغلبيتهم على مر الأزمنة بانتمائه إلى قوميتهم، ولكن ثمة من يجاهر منهم بكراهيته! بزعم أنه نسي الأكراد وهم يعانون ويلات الظلم والتشتت.. ويتهمونه بأنه أسهم في توحيد «مصر» و«الشام»، وتجاهل حدود «كردستان» المجزأة، ويقولون إنه أخطأ عندما لم ينشئ دولة للأكراد، وهو الذي كان بمقدوره فعل ذلك!

ويعزى بغض أولئك إلى أسباب عدد، منها:

- حرمان الأكراد في مطلع القرن العشرين من حصولهم على حقهم المشروع في تكوين دولة قومية، فقد ارتأت القوى العظمى عدم منح الأكراد دولة قومية، وإنما تم تقسيمهم على دول ناشئة ذات طابع قومي، عربي في «العراق» و«سورية» وتركي في «تركيا» وفارسي في «إيران».

 وكان تمسك الأكراد بالإسلام سببًا رئيسًا في عدم حصولهم على دولة قومية، فحين كان المجاهد «محمود الحفيد» يضع منديلًا على يده وهو يصافح البريطانيين مضطرًا، كان ممثلو العرب والأتراك وغيرهم يقدمون فروض الطاعة للمحتل البريطاني.

- استخدام شعارات الدين الإسلامي في اضطهاد الشعب الكردي في «كردستان» خصوصًا مع بروز التيار القومي العنصري في «العراق»... وقد بدأ هذا الاضطهاد بمحاولة الرئيس العراقي الأسبق «عبد السلام عارف» تصوير الأكراد على أنهم مرتدون، وسعيه إلى الحصول على فتاوى دينية لقتالهم.

 وقد أخذت محاربة الأكراد تحت غطاء الدين الإسلامي منحى خطيرًا، عندما قامت حكومة البعث بتدمير ٤٠٠٠ قرية كردية، وإبادة ١٨٠ ألف مواطن كردي، وقصف مدينة «حلبجة» بالأسلحة الكيماوية في عمليات أطلق عليها أسماء إسلامية من قبيل «الأنفال».. وغيرها.

دفاعًا عن القائد

وعلى النقيض من أولئك، فإن فريقًا كبيرًا من الأكراد يكن الاحترام والتقدير للقائد «صلاح الدين» ويفخر أسلافه بنسبه إليهم، وقد سميت «محافظة صلاح الدين» على اسمه، كما يدرس تاريخه وبطولاته في مختلف المناهج الكردية.

ويشدد كبار الكتاب والمؤرخين الأكراد على أهمية دوره كقائد تاريخي حرر القدس من يد أعتى الجيوش، ويقولون: «إن التاريخ لو كرر نفسه برجل استثنائي مثل صلاح الدين لتغيرت أحوال أمم وتبدلت وقائع ومعادلات كثيرة».

 أما من يتهم «صلاح الدين الأيوبي» بالاستعراب فنقول له: إن الرجل لم يتنكر يومًا لقوميته، بل كان مقرًا ومفتخرًا بها، وكان أغلب قادة جيشه من الأكراد، وقد انصهرت كردية صلاح الدين في بوتقة الإسلام كما انصهرت في البوتقة نفسها فارسية «سلمان». وأمازيغية «طارق بن زياد» وتركمانية «نور الدين الزنكي».

والأمر ذاته ينطبق على الصحابة الكرام الذين نقلوا هذا الدين الحنيف إلى مختلف أرجاء العالم؛ إذ ذابت عندهم العروبة والقبلية في الإسلام، فصدقوا وصدقهم الله وعده، فلماذا هذا الكم من التشويه الذي لا يصمد لحظة أمام الحقائق الناصعة التي تؤكد شجاعة صلاح الدين ونبوغه السياسي والعسكري وكرم أخلاقه وتسامحه عند المقدرة؟!

ويقول الشيخ «محمد شريف مراد»» -إمام مسجد سوري- في رده على من يتهم صلاح الدين بتجاهل حقوق الأكراد: «إن التاريخ في حاجة دائمة إلى إعادة النظر، علمة أبطال يوارون في غيابة التجاهل، ويتم إغفال أعمالهم العظيمة، وفي الوقت نفسه يشاد بغيرهم ويعلى شأنهم ويضاف إليهم ما ليس لهم»!

 ويضيف: «إن النظرة النقدية تحتم علينا أن نفحص الثوابت حتى في مواجهة شخصية عظيمة مثل البطل صلاح الدين، فالفترة التي عاش فيها لم تعرف دولًا قومية على النمط السائد في هذا العهد، فهل من الإنصاف محاسبته على ما آلت إليه الأمور بعد ثمانية قرون؟!».

 ويوضح الشيخ مراده قائلًا: «إن ما يميز هذا القائد الاستثنائي أنه نخى القوميات كلها وصهرها في بوتقة الدولة الإسلامية الواحدة، ولو فكر عرب زمانه فيما يفكر عرب اليوم لما وصل «صلاح الدين» إلى فيه سدة الحكم وفي العرب من هو أكبر منه سنًا، أو أشجع بطولة، ولكنها العقيدة الإسلامية والوفاء المطلق لرفع راية الإسلام والمسلمين.. ولنتخيل كيف سيكون حال الإسلام لو كان العرب في زمن الرسالة يحملون أفكارًا قومية متطرفة على شاكلة حزب «البعث»؟ هل كان الإسلام قد اجتاز رمال الجزيرة؟

في الوعي العربي الإسلامي

القائد المظفر «صلاح الدين الأيوبي» في الوعي العربي الإسلامي هو «محرر القدس» وقد استلهمت شخصيته في الملاحم، والأشعار، وحتى في مناهج التربية الوطنية بالدول العربية، كما ألفت عشرات الكتب عن سيرته، وتناولتها بعض الأعمال الدرامية.

 ولا يزال «صلاح الدين» يضرب به مثل القائد العربي المسلم وكثيرون يتجاهلون نسبه الكردي، ولكنهم لا ينتقصون من قدره الكبير كقائد شجاع، وكثيرًا ما سعى السياسيون العرب إلى استدعاء سيرته في خطبهم لإدراكهم مدى تأثيرها على وعي الجمهور العربي المسلم، خصوصًا في عصور المد القومي العربي، أو في سياقات الصراع العربي الصهيوني.

فالمجد والوحدة العربيان في عصر صلاح الدين كانا مصدر إلهام لما كان القوميون العرب يسعون إليه، لذلك أصبح نسر صلاح الدين شعارًا للدولة المصرية فيما بعد الثورة، وتبنته دول عربية عدة، مثل «العراق» و«فلسطين» و«سورية» و«اليمن».

في الوعي الأوروبي

وبالرغم من كونه خصمًا عنيدًا للأوروبيين، ويحاول الغربيون محو سيرته من الذاكرة عبر حذف ما يدرس عنه في المناهج التربوية، إلا أن «صلاح الدين» سيبقى في الوعي الأوروبي نموذجًا للفارس الشهم الذي تتجسد فيه أخلاق الفروسية بالمفهوم الأوروبي؛ لدرجة أنه توجد ملحمة شعبية شعرية أوروبية يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر الميلادي تصف أعماله البطولية.

ويدرك الأوروبيون أن المذابح التي اقترفها الصليبيون عندما غزوا القدس عام ١٠٩٩م لم تمنع «صلاح الدين» من العفو عن المسيحيين «النصارى» الكاثوليك، وحتى عن الجنود المهزومين طالما كانوا قادرين على دفع الفدية، في حين تحومل النصارى الأرثوذكس بأفضل من ذلك لأنهم تقليديًا كانوا يعارضون الغزو الأوروبي الصليبي.

 ورغم الاختلاف في العقيدة فإن الملوك والقادة النصارى امتدحوا «صلاح الدين» خصوصًا «ريتشارد» ملك إنجلترا، الذي قال عنه: «إنه أمير عظيم وإنه بلا شك أعظم وأقوى قائد في العالم الإسلامي» كما أثنى عليه «صلاح الدين» قائلًا: «لم يكن هناك قائد مسيحي «نصراني» أشرف من «ريتشارد».

 وتقول الصحفية السويسرية «ماريانا كلره»: «نحن في الغرب نقف بتقدير شديد لهذه الشخصية الفذة، فشهامته وبطولته انتزعت إعجاب الأوروبيين» وتستدرك: «لكن هناك بعض أشخاص يتطاولون على شخصية القائد التاريخي «صلاح الدين الأيوبي» ويتهمونه بالاستعراب والخيانة، وهم قلة بطبيعة الحال».

ألا من صلاح الدين جديد؟!

إن «صلاح الدين الأيوبي» قائد وتاريخ وملحمة، لا يمكن إغفال أي لحظة في سيرته، وينبغي أن تعاد قراءته كمؤسس دولة كبيرة وقوية في زمن قصير وفي فترة صعبة، وإن قراءة «صلاح الدين» في وقتنا الحاضر من شأنها أن تخلق فينا الإرادة وتحفز فينا الهمم لعودة سريعة وقوية إلى الأخذ بعوامل النجاح وتحقيق الذات.

ويقول الفلسطيني المقدسي «أبو البراء»: «لا يمكن أن ينسى أي فلسطيني دور القائد الكردي «صلاح الدين الأيوبي» الذي حرر «القدس» من أيدي الصليبيين، وضرب مثلًا عظيمًا في التسامح والتفاني في خدمة عقيدته، وهو دور سجله التاريخ بأحرف من نور.. وإن كل الفلسطينيين يستغيثون الآن بعد أن أصبح الدم الفلسطيني مستباحًا: ألا من صلاح الدين جديد؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 151

107

الثلاثاء 22-مايو-1973

توجيهات زراعية