العنوان ديون الدول الفقيرة «سلة» السموم القاتلة
الكاتب بو شيخ عبد الحاكم
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001
مشاهدات 69
نشر في العدد 1447
نشر في الصفحة 42
السبت 21-أبريل-2001
في أحدث تقريرين دوليين عن المخدرات :
أوروبا تغمض عيونها عن الممارسات الإجرامية المرتبطة بالمخدرات في تركيا.. وواشنطن تتستر على علاقات حكام أمريكا الجنوبية بمافيا المخدرات!
إسبانيا النقطة الأهم لغسل الأموال وإدخال الحشيش والكوكايين لأوروبا
روسيا نموذج لغسل الأموال والتلاعب بالقروض الدولية
مع تزايد معدلات انتشار الفساد المالي «المعولم» تبقى تجارة السموم أكثر إغراء لمافيا المال لكونها الأكثر ربحية بعد تجارة السلاح، والأقل خطرًا وتكلفة من هذا الأخير.. هذا من جانب، ومن جانب آخر تظل هذه التجارة ملاذًا قذرًا لبعض دول العالم الثالث لتسد من خلالها ديونها للدول الكبرى التي لا ترحم.
تقارير عديدة تصدر دوريًا تكشف عن تفاصيل جديدة في هذا الشأن كان آخرها تقريرين.. أحدهما صادر عن الوكالة الدولية لمحاربة المخدرات التابعة للأمم المتحدة والآخر صادر عن المرصد الدولي الجيو – سياسي.
بالرغم من أن تقرير الوكالة الدولية يسجل حصيلة إيجابية لبعض الدول في مجهوداتها للحد من إنتاج وزراعة النباتات المخدرة إلا أن التقرير يثبت أن هناك حوالي ۱۸۰ مليون شخص من سكان العالم يدمنون اليوم على استهلاك هذه السموم القاتلة.
جغرافية المخدرات عبر العالم
يشير التقرير إلى البرنامج الذي قدمته الأمم المتحدة للمراقبة الدولية على المخدرات ووضح أن هناك استقرارًا في الأسواق الرئيسة للمخدرات، ويؤكد حصول تقدم نسبي في آسيا؛ لمساعدة الدول المنتجة للخشخاش والأفيون لإيقاف إنتاجها، فيما تبقى كولومبيا في أمريكا اللاتينية التي تعتبر المسؤولة عن ثلثي الإنتاج العالمي من أوراق الكوكا، وحوالي ۲۰ من تصنيع الكوكايين، في المقابل قامت البيرو بتخفيض إنتاجها من أوراق الكوكا إلى النصف، وبوليفيا بنسبة ٧٨ ٪ من مساحات زراعة الكوكا، بعد تنفيذ برنامج مخطط الكرامة الذي انطلق سنة ١٩٩٧م في إطار برنامج الحد من انتشار زراعة النباتات المخدرة، وفي «جواتيمالا» توقف إنتاج الأفيون بشكل شبه نهائي، أما لبنان فقد تمكن من تطهير سهل البقاع من إنتاج نبات الخشخاش، بينما تمكنت مصر من القضاء على مظاهر إنتاج هذه النبتة التي ازدهرت في منتصف التسعينيات.
ومن ضمن الدول التي تمكنت من إنجاز برنامج تصفية إنتاج المخدرات، يشير التقرير إلى تقلص نسبة المستهلكين للمخدرات في الولايات المتحدة وأوروبا، وبخاصة بريطانيا وإسبانيا بينما سجلت جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وآسيا الوسطى ارتفاعًا في مستوى الطلب على المخدرات بجميع أنواعها.
هذه المعطيات التي أوردتها الوكالة الدولية- لمحاربة المخدرات- التابعة للأمم المتحدة تظل نسبية ومحدودة قياسًا إلى التقرير الأخير الذي أعده المرصد الجيو سياسي للمخدرات، وتضمن رصدًا شاملًا لوضعية تجارة واستهلاك السموم البيضاء خلال العام ۲۰۰۰م، ونشر مؤخرًا.
وبالمقارنة بين التقريرين، يتضح لنا أن تقرير برنامج الأمم المتحدة للمراقبة الدولية على المخدرات يشكو من الهواجس السياسية بشكل كبير، ويظل محدودًا فيما يتعلق بالرصد الدقيق لهذه الظاهرة الخطيرة، فتقارير هذه الهيئة الأممية التي تصدر سنويًا تعتمد بالأساس على مجمل التقارير الوطنية المقدمة من طرف البلدان الأعضاء، وواضح أن هذه الأخيرة يكون هدفها حجب الكثير من الحقائق، إذا علمنا أن بعض هذه الدول المسؤولة عن تجارة المخدرات على نطاق عالمي تتوزع السلطة فيها بين الحكم والمافيا، كما هو الشأن في بعض دول أمريكا اللاتينية، وبعضها يعتمد في ميزانيته الداخلية على ما تدره هذه التجارة الرابحة، وبعضها الآخر يسعى إلى تلطيف الأوضاع في الداخل لنيل وسام التهنئة، وكل هذه العوامل تجعل من الرصد الدقيق لظاهرة المخدرات قضية متشابكة ومعقدة، مضافًا إليها أن الدول الغربية تحرص على أن تكون هذه التقارير مخففة لإبعاد نفسها عن دائرة الإدانة والاتهام كسوق رئيسي وأساسي للمخدرات، وبعض جوانب هذه القضية يبسطها تقرير المرصد الدولي للمخدرات بشكل صريح.
تقرير المرصد الدولي
تقرير المرصد الدولي الجيو- سياسي للمخدرات يشير إلى أن تجارة المخدرات أفادت كثيرًا من العولمة، فاستمر ترويج المخدرات وتبييض فوائدها في الازدهار، وخاصة خلال الفترة بين عامين ۱۹۹۸ - ۱۹۹۹م، موضحًا أن إنتاج هذه المادة ما فتئ في التزايد في البلدان المنتجة الكبرى على الرغم من مخططات مكافحتها، والخطابات المتحمسة، ومن ضمن هذه البلدان التي ذكرها التقرير تأتي في المقدمة: كولومبيا (الكوكايين)، والمغرب (القنب).
وفي السنوات الأخيرة، أصبح فضاء «شينجن» الأوروبي أهم سوق للمخدرات في العالم، ولعبت إسبانيا دور النقطة الأهم من أجل دخول الحشيش والكوكايين بسبب قربها من المناطق الشمالية للمغرب التي تشهد زراعة المخدرات، ومثلت تركيا القاعدة الخلفية لتحويل الهيروين القادم، قبل توزيعه في أوروبا الغربية عبر البلقان.
وقد ارتفعت معدلات تبييض الأموال الناتجة عن المخدرات في السنوات الأخيرة بسبب عولمة التدفق المالي، كما ارتفع الاعتماد على الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات في مختلف الأنشطة السياسية، وأصبحت المخدرات عنوانًا ل «تجريم عالم السياسة».
ويؤكد التقرير أن إسبانيا أصبحت من أهم مراكز غسل الأموال اعتمادًا على النشاط السياحي كواجهة، وتحويلات البنوك الإسبانية إلى أمريكا اللاتينية، وتقول تقديرات «بنك إسبانيا» والبرنامج الوطني لمحاربة المخدرات: «إن الأموال التي يتم غسلها بإسبانيا تتراوح بين ٦ مليارات و ۱۲ مليار دولار»، كما يشير التقرير إلى أن منظمة «إيتاء» الانفصالية في إقليم الباسك تعتمد بدورها على تجارة المخدرات لتمويل نشاطاتها، وقدر هذه المبالغ بحوالي ٢.٥ إلى ٣ مليار بسيطة يتم تخصيص أغلبها لتمويل «أنشطتها القانونية» ومساعدة أعضائها على الهروب إلى فرنسا ودول أخرى بأمريكا اللاتينية.
وقد أصبحت ظاهرة غسل الأموال الناتجة عن المخدرات على رأس أجندة المؤسسات والأنظمة في السنوات الأخيرة، وشرعت أوروبا والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة في البحث عن السبل الكفيلة لمحاربة هذه الظاهرة، كما انعقد في تونس في شهر يوليو من العام الماضي مؤتمر جمع مسؤولي محاربة المخدرات في العالم العربي للاتفاق على مشروع قانون موحد المحاربة غسل الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات في العالم العربي، وفي شهر مايو ۲۰۰۰م انعقد في أبو ظبي اجتماع حول الوقاية من الأموال القذرة.
عجز السياسات المضادة
إزاء هذه المعطيات الخطيرة الماضية في التفاعل تكشف المقاييس التي وضعتها المنظمات الدولية بهدف تفعيل شفافية القنوات المستعملة عن قصورها وعدم فاعليتها جراء الانعدام التام للإرادة السياسية عند التطبيق، ويقدم المرصد الجيو- سياسي للمخدرات نموذج الحكومة الروسية في قضية الأموال التي حصلت عليها من صندوق النقد الدولي وتم تحويلها إلى بنوك أمريكية، والتي اتهمت بأنها قامت بتغطية الترويج المحظور، وغسل الأموال.
وينتقد المرصد السياسات الأوروبية المتعلقة بمحاربة تجارة المخدرات فهذه السياسات تخضع لمقاييس غير مستقرة وتتغير كلما تعلق الأمر بزبائن أو حلفاء جيو - سياسيين، فقد أغمض الاتحاد الأوروبي عيونه على الممارسات الإجرامية المرتبطة بالمخدرات في تركيا التي أصبحت أول منتج للهرويين في أوروبا، أما الولايات المتحدة فقد تسترت على علاقات الحاكمين في أمريكا اللاتينية مع مافيا المخدرات لإراحة حلفائها السياسيين والاقتصاديين ويؤكد المرصد باستمرار، سواء في تقاريره السابقة أو في تقريره الحالي، أن التقارير التي تصدرها الإدارة الأمريكية تعكس مصالح واشنطن بالأساس، وتتماشى مع «شواهد حسن السلوك» التي تمنحها الإدارة الأمريكية أو تمنعها عن مختلف الدول في ضوء تقارير خاصة، ويرتبط هذا بالمساعدات الاقتصادية الأمريكية.
إن تجارة المخدرات تظل مع كل ما تشكله من خطر على الاقتصاد العالمي، إحدى وسائل الابتزاز في يد أوروبا والولايات المتحدة، وهذا ما يكشف فشل السياسات المتبعة منذ الستينيات للقضاء على هذه المواد السامة بل إن هذه السياسات ذاتها ما هي إلا وسيلة لإبقاء الظاهرة، لأنها تسعى إلى القضاء على زراعات تدر أرباحًا هائلة على دول فقيرة دون تقديم بدائل اقتصادية وزراعية حقيقية، بسبب التجاهل الغربي المقصود المقومات هذه الدول. فعبارة الزراعة البديلة التي تتبناها المنظمات الدولية لمحاربة زراعة المخدرات كشفت باستمرار عن صعوبة في التطبيق العملي لها. بسبب افتقاد الدول المنتجة للبنيات التحتية الكفيلة بإنجاح زراعات تعوض زراعة المواد المخدرة، كما أن مشكلة الديون التي تثقل الدول النامية وبخاصة في القارة الإفريقية والمستحقة للمؤسسات المالية الغربية الربوية تجعل من زراعة هذه المواد المخرج الوحيد لأداء ما بذمتها وسداد الديون ذات الفوائد العالية.
من هنا فإن الدول الغربية مطالبة إن هي أرادت الحصول على نتائج إيجابية في صراعها ضد المخدرات بإسقاط ديونها المستحقة على الدول الفقيرة التي تعتبر سلة للسموم القاتلة بفعل التقسيم الدولي الاستعماري للعمل، والقبول بدفع أسعار تشجيعية للإنتاج الزراعي المحلي، ورفع القيود الاقتصادية والتجارية والفلاحية المفروضة على تلك الدول من قبل المؤسسات التمويلية الغربية وتوصياتها الاقتصادية الخادعة، وإذا أخذنا مثالًا واحدًا فقط، فإن «بوليفيا» تعتمد على ورقة الكوكا المخدرة لتحسين ميزان مدفوعاتها وتجنب الكوارث الاقتصادية، فزراعة الكوكا تتيح لها دخلًا سنويًا يقدر بمليار دولار.
ومهما يكن شأن السياسات المضادة للمخدرات فستظل مسؤولية أوروبا قائمة باعتبارها السوق الرئيس، وقد عبر الرئيس الكولومبي الأسبق عن هذه الحقيقة حين قال: «مادام هناك حكومات لا تعمد جديًا إلى مواجهة موجة الاستهلاك في دولها، فنحن أيضًا لا نستطيع بمفردنا حل هذه المشكلة».