; مفهوم المعارضة في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان مفهوم المعارضة في الإسلام

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995

مشاهدات 67

نشر في العدد 1144

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 04-أبريل-1995

المجتمع التربوي

للمعارضة في الإسلام اعتبارها، لا حبا في المعارضة وإلا كانت جدلًا مذمومًا لا قيمة له، وإنما هي بيان لأفضل السبل وأحسن الآراء التي تحقق مصالح الناس، وهي بهذا المفهوم منهج للعدل قويم يلتزم به المسلمون، فلا يأنف كبير من أن يقال له أخطأت، ولا يخشى صغير من أن يقال له: تجرأت، فالحق رائد الجميع والصواب في الأعمال والأقوال هو المبتغى وعفة اللسان وحسن التوجه في رفق ورحمة هو الوسيلة لبيان الأخطاء دون تعرض للأشخاص بتجريح أو إساءة، وإنما التعرض للأعمال والأقوال حيث توزن بميزان الشرع مع الالتزام بالضوابط اللازمة لذلك، ومع الأخذ في الحسبان بتقاليدنا الأصيلة والعادات القويمة التي لا تحيد عن الدين. نقول هذا لعلمنا أن منهج المعارضة الإسلامية يقوم على قواعد شرعية.

أولًا- المنكر يزال:

وهل يرضى أحد من الناس يحب الخير للمجتمع والناس حوله بمنكر؟ أن إزالة المنكر أمر فرضه الشرع لينفي عن المجتمع خبث الشر والإثم والبهتان، وليبقى عنصر الصلاح فيه قائمًا، والأخلاق فيه سائدة. 

والقرآن الكريم قرر ذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (التوبة: 71). 

وقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». 

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إزالة المنكر قد يدفع الإنسان ثمنها حتى يصل به الأمر إلى حد أن تزهق نفسه وهذا غير مانع من العمل الجاد على إزالة المنكرات؛ لأن من يقتل في سبيل الله هو من الشهداء بل هو سيد الشهداء، قال صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة: ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله».

ثانيًا- درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة:

إذ لا قيمة لمنفعة تقوم بجانبها مفسدة وإلا لأودت المفسدة بالمنفعة في النهاية وسد الذرائع مقدم على جلب المصالح، فإنكار المنكر يجب ألا يترتب عليه ما هو أكبر من أو يضيع على صاحب الفضيلة من الخير ما هو أكبر من أثر إنكار المنكر. 

ثالثا- الأخذ بأخف الضررين واجب:

 فالمنكر لا يزال بمنكر أشد منه وإلا عم الضرر وساد الفساد فدور اللهو التي تأخذ من وقت الناس وأموالهم ما لا طائل وراءه ولا جدوى منه ولا نفع له في خلق ولا دين منكر ينبغي أن يزال، ولكن إزالته بالاعتداء على العاملين فيه أو محاولة هدمه منكر أشد، ولا يزال المنكر الأخف بالمنكر الأشد؛ لأن ذلك يترتب عليه أضرار قد تلحق بالكثيرين من الناس، فيكون الضرر أشد والمنكر أعم. 

رابعًا- الأصل في العلاقة مع الحاكمين المناصحة لا المنابذة:

فالدين النصيحة، ونصيحة الحاكم مقدمة على نصيحة غيره؛ لأن في صلاحه صلاح الأمة كلها، وأولى بنا أن نبتعد عن المنابذة مهما كانت المغريات من حولها، وإن نبدأ بالمناصحة وإن نحرص عليها حتى تثمر ثمرتها وتؤتي أكلها.

خامسًا- اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية:

وهذا يتحقق إذا انتفت الذاتية الشخصية، وبرز الصالح العام فصار هو المهيمن والمحرك، حينئذ يبقى الود رغم ظهور الخلاف؛ لأن النيات سليمة، والرغبة في الإصلاح العام هي أساس القول والعمل على السواء.

سادسًا- أن المجالس المنتخبة ليست عصا موسى التي تحل بها كل المشكلات:

بل هي منهج للوصول إلى القرار الصحيح، ثم متابعة هذا القرار ومراقبته، بحيث تتوفر له عوامل التنفيذ الكفيلة بالإصلاح وتنتفى عنه الموانع الكفيلة بالإخفاق.

سابعًا- التغيير لا ينصب على فئة دون أخرى:

فالتغيير إلى الأفضل والأحسن أمر يشترك فيه النظام بجميع مؤسساته والأفراد على اختلاف توجهاتهم، بحيث يكون التغيير عميقًا نابعًا من أعماق النفوس فتعلو الهمم ويتغير الأداء من الفتور إلى القوة، ومن قلة الإنتاج إلى غزارته، ومن التغافل والأثرة، إلى اليقظة والإيثار ومن هنا يحدث التغيير الحقيقي الذي جاء في كتاب ربنا : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، وفي هذا الإطار فإن الهواجس القائمة بين القوى بعضها وبعض وبين المفكرين بعضهم وبعض ينبغي أن تتغير لتحل محلها الثقة والاحترام المتبادل في ضوء الأخلاقيات التي لا تمتهن المقدسات ولا تعتدي على الحرمات، ولا تسخر بالأشخاص أو الهيئات.

وإن بعض الأنماط التي بدأت تظهر في مجتمعنا مما يخالف عاداته وتقاليده، ومما لا يرتضيها شرع ولا دين ينبغي أن تتغير فلا يكاد يمر يوم دون أن تقرأ في الصحف عن جريمة هنا، أو سرقة هناك، أو اعتداء على أعراض الناس أو إهمال للمصالح التي بها يتقدم المجتمع ويرقى، وكل ذلك يجب أن يلحقه التغيير، حتى يقوم البناء الحضاري للأمة على أساس سليم.

بهذه الضوابط الكلية، والقواعد العامة تكون المعارضة منهجًا للحياة الرشيدة القويمة التي يعلو فيها صالح المجموع على صالح الفرد، والتي تختفي فيها الذاتية والأثرة ليحل محلها المجموع والإيثار فيتحقق بها الخير والرشاد.

الرابط المختصر :