; التحدي المعرفي للبلدان العربية في القرن الحادي والعشرين | مجلة المجتمع

العنوان التحدي المعرفي للبلدان العربية في القرن الحادي والعشرين

الكاتب د. حسان عبدالله حسان

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2022

مشاهدات 58

نشر في عدد 2163

نشر في الصفحة 56

السبت 01-يناير-2022

مقال 

  • السنن الاجتماعية في نهوض الأمم لا تعترف بالاستعارة كطريق للصعود بل بالاستيعاب والبناء الحضاري.
  • التقارير تشير إلى ضآلة إنفاق البلدان العربية على البحث العلمي ولذا يبقى إنتاج المعرفة بعيداً عن العقل العربي.
  • ظاهرة هجرة الكفاءات العربية إلى الغرب تعد وجهاً من وجوه التحدي المعرفي.

يواجه العالم العربي والإسلامي منذ مطلع القرن الثامن عشر –عصر الثورة الصناعية في أوروبا- عدة تحديات وجودية، منها: التحدي السياسي، والتحدي الثقافي، والتحدي الاقتصادي، إلا أنه منذ بداية القرن العشرين يدخل العالم العربي والإسلامي في تحدٍّ جديد هو التحدي المعرفي؛ إذ أصبحت حركة المعرفة تسير بصورة شبهت بالانفجار المعرفي، بينما ظل وضع العالم العربي على حالته في السير ببطء لمواجهة هذا التحدي، واللجوء إلى الطريق السهل وهو استيراد منتجات المعرفة والتجارة فيها بعد أن تم تسليع المعرفة في النظام الرأسمالي الذي استغل هذا التطور المعرفي من أجل تراكم رأس المال. 

نحاول في هذه المقالة الموجزة إلقاء الضوء على جانب من التحدي المعرفي الذي يواجه البلدان العربية في القرن الحادي والعشرين وسبل المواجهة وتجاوز هذا التحدي.

التحدي المعرفي.. الماهية والكُنْه:

يتجاوز التحدي المعرفي الذي يواجه البلدان العربية -من وجهة نظرنا- مجرد النظر إلى المعرفة على أنها مجموعة من المعلومات تتحكم في حركة الصناعة والتجارة أو البيع والشراء، فالتحدي المعرفي لهذه البلدان نراه في كيفية تطويع الحقائق التي تنتج عن هذه المعرفة، وحركة البحث العلمي الواسعة والنتائج السائلة لهذه الحركة إلى منهج في فضاء الواقع العربي بمشكلاته وقضاياه، وطرح البرامج لحلول هذه المشكلات ومعالجة تلك القضايا، وأن توظف المعرفة الناتجة عربياً في الاستجابة لحاجات المجتمع العربي لا احتياجات السوق الرأسمالية، وهذا لا يتحقق إلى بإنتاج بحث علمي عربي حضاري.

من ناحية أخرى، فإن نوعية المعرفة المقدمة لمجتمع ما هي التي تتحكم في النوعية المرادة لهذا المجتمع، ومن ثم فإن تأخر البحث العلمي العربي عن الإسهام في الإنتاج المعرفي الإنساني من شأنه أن يمثل خطورة لا على أشواق النهوض العربي فقط، بل على وجودية الإنسان العربي ذاتاً وحضارة، وعلى هذا فالمقصود بالتحدي المعرفي العربي ليس فقط المجاراة العالمية في الإنتاج المعرفي، بل التوجه للاستجابة لحاجات الداخل العربي بصورة أساسية ورئيسة ووجودية.

إن السؤال الذي يجب أن يقف أمامه العقل العربي –وهو في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين- هو: ما السبيل إلى بناء قدرة وطنية ذاتية، تتأهل لمواجهة مشكلات الحاضر، وتقفز بالمجتمع العربي فترات من التردي والتخلف الحضاري، ومن ثم تكون قادرة على التخطيط للمستقبل انطلاقاً من الاستجابة لحاجات الداخل ومن منطلقاته ومرجعيته الأصيلة.

البناء والتكديس:

اعتمدت البلدان العربية في مواجهة التحدي المعرفي خلال القرن الماضي –خصوصاً منذ ظهور النفط وبداية الحقبة النفطية- على شراء منتجات الحضارة العربية، واعتمدت هذا الطريق باعتباره –كما تصور رواد النقل والاستيراد والدعوة إلى الاقتباس من الغرب- الأقل تكلفة عقلياً وجهداً حضارياً، وأنه يمكن من خلال هذا التكديس للمعرفة الغربية ومنتجاتها أن يحدث تحول نوعي إلى بناء معرفي داخلي، لكن آل هذا التصور إلى نتائج كارثية، فيما يتعلق بالجهد الحضاري العربي الذي لم يكتف بالتوقف، بل بالتخلف قروناً أخرى هي المسافة بينه وبين العصر؛ إذ إن السنن الاجتماعية في نهوض الأمم لا تعترف بالنقل والاستعارة كطريق للصعود، بل بالاستيعاب والهضم والتجاوز والبناء الحضاري من النماذج الأصلية للأمم والشعوب.

يشير تقرير المعرفة العربي لعام 2014م إلى نتيجة مؤداها: اتساع الفجوة المعرفية بين المنطقة العربية ومناطق العالم الأخرى، ويظهر ذلك في عدة مؤشرات، هي(1): مؤشرات المعرفة الضمنية، ومؤشرات المعرفة المدونة، ومؤشرات البنك الدولي التي تشمل مؤشر المعرفة ومؤشر اقتصاد المعرفة (مرتكز الحوافز الاقتصادية، ومرتكز نظام الإبداع، ومرتكز تقنية المعلومات والاتصالات، ومرتكز التعليم والموارد البشرية)، تؤكد كل هذه المؤشرات على محدودية قدرة البلدان العربية على إنتاج المعرفة وتطويعها ونشرها في المنطقة العربية(2).

البحث العلمي العربي:

فيما يتعلق بالبحث العلمي العربي، تشير التقارير العربية المتخصصة إلى ضآلة ما تنفقه البلدان العربية على أنشطة البحث العلمي والتطوير، وما يخصص من أطر بشرية للعمل بها مقارنة بما تخصصه البلدان المجاورة أو مجموعات الدول الأخرى، ويلاحظ هذا بشأن جميع الدول العربية بما فيها دول منطقة الخليج؛ فالسعودية مثلاً لم تنفق في عام 2009م أكثر من %0.07 من الناتج المحلي الإجمالي على البحث العلمي والتطوير، بينما لم تتجاوز ما أنفقته البحرين %0.10 من ناتجها المحلي الإجمالي في العام 2014م.

من جهة أخرى، فإن تفاوت المعطيات بين فترة وأخرى ومن مصدر لآخر لا يبعث على كثير من الثقة بها، من الأمثلة على ذلك تبدل أرقام الإنفاق على أنشطة البحث العلمي والتطوير في مصر، وفقاً لتقرير «اليونسكو» عن العلوم 2030 الذي نشر في العام 2015م، من نسبة تساوي %0.43 من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2009م إلى ما يعادل %0.68 بعد أربع سنوات فقط في العام 2013م، هذا بينما يورد تقرير التنمية البشرية للعام 2013م أن نسبة ما تنفقه مصر على البحث والتطوير تقابل %0.2 من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ترتفع هذه النسبة في تقرير التنمية البشرية لعام 2016 إلى %0.7(3). 

كما يخلص التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية إلى ضعف ما تنفقه الدول العربية على البحث العلمي والتطوير، ومن ثم تبقى مسألة إنتاج المعرفة بعيدة عن العقل العربي؛ حيث يشير التقرير إلى أن «حجم إنفاق الدول العربية مجتمعه في مجال النشاط البحثي والعلمي لا يتجاوز عتبة 9 مليارات دولار أمريكي، بينما تنفق إيران وتركيا وقبرص 9.2 مليار دولار أمريكي على مشاريع الأبحاث لديها(4)». 

مؤشرات أخرى للبحث العربي:

إن مؤشر الإنفاق يعد أبرز المؤشرات التي يمكن بها قياس حالة البحث العلمي العربي، إلا أنها لا يمكن أن تظل الوحيدة –رغم ضروريتها المنطقية- فهناك مؤشرات أخرى ترتبط بها بصورة كبيرة لا محدودة، مثل علاقة البحث العلمي العربي بالحاجات المحلية العربية، والبحث العلمي العربي وتنمية المهارات الحضارية العربية في مجالات الأنشطة الاقتصادية والمجتمعية المختلفة، وطبيعة استجابة البحث العلمي العربي للواقع المجتمعي، وطبيعة تساؤلاته هل هي استجابة لضغوط الخارج المعولم أم للداخل المجتمعي المحلي. 

هذه المؤشرات تبدو غير مدرجة في التقارير العالمية، وكذلك في التقارير الإقليمية إلى حد ما، رغم أنها معايير ضرورية للوقوف على الإسهام العلمي العربي في مجال إنتاج المعرفة بصورة حضارية وحقيقية.

هجرة العقول العربية:

وجه آخر من وجوه التحدي المعرفي للبلدان العربية في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يتعلق بظاهرة هجرة الكفاءات العربية إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وهي ظاهرة بدأت في بدايات القرن العشرين، وأخذت في التنامي طوال القرن؛ حيث تنتقل الكفاءات العربية إلى مناخ أكثر جاذبية وتهيئة لعناصر العمل العلمي والإبداع المعرفي، حيث تعد البيئة العربية بيئة طاردة للعقول العلمية نظراً لما ذكرناه (ضعف الإنفاق على التعليم والبحث العلمي)، بالإضافة إلى عوامل معنوية أخرى مثل التسلط الإداري، وعوامل فكرية مثل غياب الديمقراطية والحريات بصفة عامة.

هذه بعض وجوه التحدي المعرفي العربي الذي يجب أن تفطن إلى جوانب الإرادات السياسية الحاكمة للبلدان العربية من أجل تدارك أمرها، وحتى لا ينتهي القرن الحادي والعشرون كما بدأ بالنسبة لتلك البلدان.>

الهوامش:

(1) هذه المعلومات منقولة عن تقارير تصدرها مؤسسات عالمية وأممية، مع التحفظ على منهجية بناء تلك التقارير، لكن مع غياب الشفافية العربية والثقة في البيانات الخاصة بالبحث العلمي والتعليم والتنمية، وغياب مقاييس عربية للمعرفة والتنمية يلجأ الباحث إلى مثل تلك التقارير.

(2) تقرير المعرفة العربي لعام 2014، ص 13.

(3) عمر البزري: البحث العلمي في الدول العربية.. مؤسساته وموارده ومخرجاته، التقرير العربي العاشر للتنمية الثقافية لعام 2018، ص 57.

(4) المرجع السابق، ص 58.

الرابط المختصر :