العنوان عبقرية خالد لعباس محمود العقاد .. الحلقة 7
الكاتب عبدالرحمن إبراهيم محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1972
مشاهدات 104
نشر في العدد 98
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 02-مايو-1972
الفتوحات
ها نحن نلتقط الأنفاس بعد هذا الشوط الطويل الذي قطعناه مع فتى مخزوم منذ زمن الرسول حتى حروب الردة وهو في ذلك جنديًا مخلصًا وفي هذه سيفًا يطيح برقاب تطاولت على الدعوة والنبوة، ونحن مشدوهون بأنفاس مبهورة تلهث جريًا وراء القائد الملهم وتحت غبار معاركه التي لا تكاد تهدأ حتى تبدأ من جديد، على أنه لا بد من الانطلاق فلسنا في حل بل نحن رهن إشارة القائد الذي يعد العدة ليعيش أروع لحظات نضاله خارج جزيرة العرب ويبهر العالم بالمثير في كتاب القيادة والتحرير، ويسجل على صفحات التاريخ وقعات ذات منزلة ومكان، في سبع سنوات فقط
استطاع العرب المسلمون أن يقوضوا دعائم دولتين عظيمتين في سبع سنوات فقط استطاع العرب المسلمون أن يزيلوا تاريخ أمتين كبيرتين، استطاع العرب قهر فارس في الشرق والروم في الشمال والغرب وهما المتسلطتان على العالم آنذاك بما تملكان من سلاح وبما عندهم من فنون الحرب وبما تنعمان فيه من علم وثقافة تناسب العصر، من هنا جاءت الحيرة حيرة المعشرين، وقد يظل المؤرخون إلى مدى بعيد يحاولون التفسير ويلتمسون التعليل لكنا قد انتهينا من التفسير والتعليل فلسنا في موضع الحيرة فبين أيدينا من الأسباب ما يزيل العجب ويدفع بالحيرة.
ليست بالضرورة أن تكون أسباب نصر العرب هي أسباب هزيمة الفرس والروم كما أن الفتن وموت الزعماء لا يصلح تعليلًا لنصر هنا وهزيمة هناك. فقد انتقل النبي إلى جوار ربه واشتعلت جزيرة العرب بالردة كما شبّت نار الخلاف. ومات الكثير من قادة الروم والفرس، ومع هذا انتصر العرب على الدولتين هذه أسباب سطحية لا تغني في البحث وعلينا أن ننظر إلى عمق أبعد من هذا لنرى أن حركة العرب كانت تهدف إلى الإيمان والإنشاء بينما حركة العدو تتجه إلى الاختلال والهدم وشتان بين حركة الجسم الشاب واضطراب الشيخوخة.
وليست بالضرورة أن يحل الجنس والعنصر محلًا ذا بال في أسباب النصر والهزيمة، ذلك أن العرب المسلمين قاتلوا عربًا كافرين مرتدین هم نتاج نفس البيئة وتلفهم نفس العادات والتقاليد لكنهم هزموا على الرغم من كثرة العدد ووفرة السلاح.
نخلص من هذا أن العقيدة هي عماد النصر على أن تدعم باليقظة ورسم الخطط والبراعة في التنفيذ ومن هنا أخفق عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة حيث نجح خالد وأمثاله من الرجال القادرين، فالعقيدة تدفع بالإنسان المسلم إلى الثبات والبلاء في ساحات القتال واستحباب الموت في سبيل الله بيد أن الخبرة العسكرية واجبة في هذا المقام لتوجيه تلك الطاقة نحو النصر وتفادي كثرة القتلى مع كون الشهادة مطلبًا أسمى ثم طبيعة الدعوة الإسلامية وما تميّزت به على مر العصور من عدل وإنصاف وإحقاق للحق بينما كان الظلم طابعًا مميزًا لغيرها من الأنظمة المفتراة، ولهذا كانت الشعوب ترقب عدل الإسلام وما ترزح فيه من ظلم الأنظمة الأخرى فتبادر إلى الخير القادم وتسلمه زمام أمرها وهذا عنصر هام من عناصر النصر العظيم.
وإذا كان لنا أن نقيم فتى مخزوم من حيث قيادته لهذه المعارك نرى أنه كان ذا شهرة عسكرية فائقة سبقته إلى قلوب الأعداء، فحاربهم بهيبته قبل أن يحاربهم بسيفه وسبحان من ألقى الخوف في القلوب، ثم إن قيادة الرجال ليست بالمهمة السهلة فالجندي يحتاج إلى ثقة كاملة في قائده ويطلب منه الشجاعة والإقدام، فهو في حاجة إلى أن يرى القائد في المعركة ويرى أثره في كل مراحلها، هكذا كان خالد من جنوده. وقائد كهذا يلتزم هو وجنده بمبادئ الإسلام ويتمسكون بالحق والعدل ويسارعون إلى إنصاف المظلومين من أهل البلاد المفتوحة ويعرفون بعهودهم سلمًا وحربًا لا بد وأن يكون النصر حليفهم، ولقد كانت لابن الوليد فوق خبرته العسكرية خبرة بالنفوس وبراعة في ابتكار الوسائل التي تدفعها إلى البذل والفداء لم يبقَ من المعنى الروحي الذي قامت عليه حضارة كل من الدولتين المنهزمتين عندما اصطدمتا بالدعوة الإسلامية إلا المظهر الخارجي الخاوي من كل روح تمنعه من الانهيار فالناظر يرى ألوانًا زاهية وعدة وعتادًا دون عقيدة فباتت القوة صماء لن تلبث أن تنهار أمام أول موجة معادية، ففي فارس انقسم المجتمع إلى طبقات يستعبد فيها القوي الضعيف وللقوي كل الحق وعلى الضعيف كل الواجب ثم اقتصاد مسخر لإشعال الفتن، وحكام ضعفاء بعد قادة أقوياء أغرى بعضهم بعضًا بالنزاع والصراع، وهزيمة عنيفة على يد الروم سلب منها مصر والشام ثم لطمة قوية وجهها العرب إليها يوم ذي قار إلى جانب ضعف الوازع لبعد الشقة بينهم وبين تعاليم مصلحهم زرادشت وأخيرًا جمودهم على تقاليد حربية قديمة دون تجديد.
وفي الشرق عانت دولة الروم من شيوع الجدل والصراع على المذاهب الدينية والنزاع على الملك والولاية والمبالغة في الاضطهاد الديني لغير المسيحيين ثم فقدان الثقة بينهم وبين من والاهم من العرب وذلك لانقطاع الهبات والعطايا عن رؤساء العشائر، ثم منح المناصب والرتب على أساس من المجاملة والمحاباة لا على أساس من الكفاية والدراية وهو خطأ فاحش يقوض الصرح من أساسه، ثم تراخى الشعب في الشام والبلقاء في الدفاع عن الحكم القديم وتمنى الغلبة للحكم الجديد إلى حد مساعدة الفاتحين بعد موازنة بين حكم الرومان وحكم الإسلام، ثم ازداد الطين بلة بأن فقد قواد الروم الثقة في أنفسهم عند الموازنة بينهم وبين قادة المسلمين.
على أن انشغال الدولتين بالفتن والصراعات الداخلية عن مراجعة النفس واستدراك الأخطاء في حين اتسع وقت المسلمين لاستدراكها في حينها حتى لا تستفحل أو تتكرر كان سببًا قويًا من أسباب الهزيمة والنصر. وهكذا التقى الطرفان ولدى كل أسبابه للنصر أو للهزيمة، وتكشف القتال عن انتصار الحق على المظاهر الجوفاء. وتبرز حكمة الصديق في حينها كما عودنا، فيقرر رضي الله عنه ألا يضم إلى الجيوش المحاربة مرتد أو غير راغب في الجهاد ولسنا في حاجة إلى تعليل ذلك ثم يأخذ الأمور بالتدبير المحكم قبل تنفيذها إلى جانب قدرته على اختيار الرجال العظام الأكفاء لتنفيذ ما أحكم تدبيره من خطط. ونجده يقسم الجيوش ويحدد لكل طريقة عمله وسيره وهدفه من ذلك إذكاء روح المنافسة بين القادة وتشتيت قوى الأعداء أمام الجيوش المتعددة، ثم تحمل -رضي الله عنه- العبء الأكبر بعد ذلك بتهيئة الظروف المناسبة لتوافر الإمدادات التي يحتاجها كل جيشه والمحافظة على سلامة وقوة هذه الجيوش وبنظرة فاحصة إلى نوع الرجال الذين وقع عليهم اختيار الصديق لهذه المهمة نجد منهم المغيرة بن شعبة وهو من ذوي الرأي والخبرة ويتضح ذلك من قصته مع رستم بطل الفرس وموقفه من صنيع جنده معه وتعليقه على أسلوب حياتهم، وكان المغيرة قد دخل على رستم وجلس على سريره فاجتذبه أعوانه في عنف استكبارًا منهم فما اهتز ولا زاد سوى أن قال: «أنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضًا فكان أحسن من الذي صنعتموه معي أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض وإني لم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت أنكم مغلوبون وأن ملكًا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول»، كلمات من ذهب.
ثم القعقاع به عمرو وهو وحده المدد الذي أرسله الصديق إلى خالد حين طلب المدد وقد قال أبو بكر لمن سأله: «إن جيشًا فيه مثل هذا الرجل لا يهزم» وقد استطاع القعقاع بشجاعته وذكائه أن ينقذ خالدًا وجيش المسلمين من مؤامرة هرمز بعد أن حاول جنوده مفاجأة خالد وهو مشغول بالإجهاز على قائدهم، ترى أي صنف من الرجال كانوا وما الذي كان يملأ عقولهم وقلوبهم؟
وأین ابن الوليد وأسلوبه في تنظيم الجيوش وقيادته لها، فبعد سنة واحدة من خروجه من العراق استطاع أن يحطم دولة الفرس وهو الأمر الذي صارع من أجله الروم أجيالًا، بعد خمس عشرة موقعة لم يهزم في واحدة منها، بل لم يخطئ في واحدة منها ولم يفشل حيث فشل غيره من قادة العرب في حروب الردة وحرب الفرس والروم، كان -رضي الله عنه- يتقدم بجيشه على تعبئة كاملة مستعدًا للقاء العدو في جميع الظروف حاسبًا حساب المفاجأة والحيلة ولا عجب فالمقام مقام حرب والمهمة التي خرج إليها هي الحرب والحرب خدعة وللمفاجأة والحيلة فيها نصيب كبير، وللتدبير في خططه حظ وافر فقد أحسن استغلال كل الطاقات في جيشه واكتفى باليسير منه لتحقيق الهدف إذا لم يكن هناك داعٍ إلى الكثير فإن بدت الحاجة إلى المزيد كان من سرعة تصرفه كالصقر في الانقضاض على فريسته وهكذا جمع في خططه خصائص القائد من شجاعة وخبرة وسرعة ومعرفة بما يُلائم الموقف، وكان يحارب بطريقة الكراديس وهي كتائب الخيل ويواجه خصمه أو يدور عليه ويتراجع أمامه أو يضغط عليه ويحصره أو يخلي سبيل الفرار له آخذًا في اعتباره ظروف المعركة وطبيعة الأحداث الواقعة أو المتوقعة. ولقد كتب إلى هرمز قائد الفرس يخيره بين الإسلام والجزية أو الحرب وختم كتابه بقوله: «جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» ثم اتجه إلى كاظمة وهناك التقى بجيوش الفرس في وقعة «ذات السلاسل».
وسميت هكذا لأن جنود الفرس كانوا يوثقون أنفسهم فيها بالسلاسل حتى يثبتوا في القتال وتقل فرصة الفرار وهو أمر ينبئ بفقدان الثقة، ولقد أرسل خالد جيشه على ثلاث فرق: الفرقة الأولى بقيادة المثنى بن حارثة ثم ألحق به عدي بن حاتم على رأس فرقة، ثم لحق بهم على رأس جيشه وواعدهم موضعًا في الجنوب الغربي، من البصرة ولعله بهذا التقسيم توخى سهولة السقي والمرعى.
والتقى الجمعان ولم تنجح خطة هرمز في الإيقاع بخالد وجيشه بفضل شجاعة القعقاع وتصرفه الحسن فهزم هرمز وفر جنوده يجرون سلاسلهم وتبعهم المثنى حتى عبر الفرات وراءهم ليأخذهم متفرقين قبل أن تتجمع فلولهم، لكنهم علموا أنهم مهددون في عاصمة ملكهم «المدائن» فحشدوا جيشًا عظيمًا بقيادة «قارن بن قريانس» ومعاونة أميران من بيت أردشير فأدرك هذا الجيش فلول هرمز في المذار وضمهم إليه فكتب المثنى إلى خالد يستأمره ويستمده فكان خالد هو الجواب، وعمد قارن أول الأمر إلى حيلة هرمز السابقة، لكن وعي خالد ومن تقدم معه للمبارزة من المسلمين فوت عليه الفرصة. واشتبك الجيشان في معركة ضارية حاربوا فيها حرب حنق وضغينة وانتهت بهزيمة الفرس بعد عدد من القتلى بلغ ثلاثين ألفًا.
وهرع الفرس إلى السفن في النهر طالبين النجاة من الفناء.
وتصيبهم الدهشة لهذا النصر المتوالي واعتقدوا أن في العرب سرًا لا يعرفه إلا بنو جنسهم فاستعانوا بالعرب الموالين لهم واحتشدوا في «الولجة». وتقدم ابن الوليد إليها على تعبئة كاملة ثم فصل طائفتين من الجيش أثناء الطريق ليكمنا على مقربة من الولجة ويلتفا في ساعة الحرج بالجيش الفارسي من ورائه، وطالت المراوغة والمدافعة بين الفريقين حتى إذا ظن الفرس أنهم من النصر قاب قوسین أو أدنى ظهر أحد الكمينين ثم ظهر الآخر قبل أن يفيقوا من دهشة الأول فتولاهم اليأس وولوا مدبرين وهم يتخففون من السلاح لسرعة الهرب فكثر القتل والأسر وكثر نصيب المسلمين من الغنائم والأسلاب.
ثم تأتي «أليس» الموقعة الحاسمة في النزاع بين المجوسية والإسلام فقد راع الشاهنشاه تلاحق الهزائم بجيوشه وغاظه أن العرب الموالين له أن يؤخذوا في حماهم فقرر الجميع أن يجعلوا من هذه الوقعة وسيلة لغسل ما لحقهم من عار الهزائم ودرسًا تسقط بعده آمال المسلمين فاختاروا مكانًا وسطًا بين ديارهم وأسندت القيادة إلى بهمن جاذويه، ولكن الأقدار كانت لهم بالمرصاد وشاءت الظروف أن يذهب بهمن إلى المدائن لمقابلة مولاه ويستشيره في أمور لا تغنى فيها الرسائل ويأتي معه بالعدد والعدة وأناب عنه جابان وأمره أن يتأنى ولا يبدأ العرب المسلمون بالحرب إلا إذا أكره عليها. وفي المدائن وجد بهمن مولاه يعاني من سكرات الموت فآثر البقاء حتى يرى ما سوف ينتهي إليه الأمر لو مات حيث يتربص السادة بالملك، وفي هذه الأثناء يصل جابان إلى «أليس» قبل وصول خالد إليها ويأمر جنده بإعداد الطعام وفي أثناء ذلك يصل ابن الوليد فلم يعيروه اهتمامًا وانصرفوا عنه إلى الطعام إذ لم يؤمروا بالبدء في القتال. وغلب عليهم طابع عدم الاكتراث بالعرب وظنوا أن خالدًا غير مستعد للقتال وحسبوا أن المعركة أشبه بحلبة سباق أو ساحة رياضة، إلا أن ابن الوليد لم يمهلهم ولعله أحس بسخف أفكارهم فوجه ضربته إلى الجيش العربي العميل وأجهز على قائده ثم اندفع بجنده يقتل بضراوة حتى اضطرت الفرس إلى قتال خوفًا من الضربة التالية واستمات كل في مكانه، العرب المسلمون يقاتلون بمدد حاضر والفرس تقاتل على أمل في مدد المدائن. وبإحساس القائد المسلم ينظر ابن الوليد إلى ساحة القتال فيرى الجموع المتصارعة ويرى الموت طائر فوق الرؤوس فيتوجه إلى الله وهو المؤمن الذي يعتقد أن النصر من عند الله وينذر إن مكّنه من عدوه فلا يستبقي منهم أحدًا يقدر عليه حتى يجري نهرهم بدمائهم وهو نذر فيه بقية من البدوية المخزومية لا تخفى على اللبيب.