; كيف نقرا تاريخنا ونفهمه (4)- أثر التراجم على السلوك الإنساني | مجلة المجتمع

العنوان كيف نقرا تاريخنا ونفهمه (4)- أثر التراجم على السلوك الإنساني

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012

مشاهدات 61

نشر في العدد 2031

نشر في الصفحة 48

السبت 15-ديسمبر-2012

إظهار القدوات للأجيال للاقتداء بها

الاستعانة بها على إحسان الصلة بالله تعالى

استبدال قدوات العصر بقدوات الدهر الذين سُطرت حياتهم غرسًا للمعاني الإيمانية والتربوية الرائعة

إن للتراجم أثرًا كبيرًا جدًّا في السلوك الإنساني، وتُحدث تغييرًا كبيرًا في إيمان الشخص وسلوكه وأخلاقه، وتردعه - في كثير من الأحيان - عن سيئ الأعمال والأقوال، هذا إن قرأها بقلب مقبل وعقل واع ورغبة في الاستفادة والتغيير.

وأوجز أثرها في التالي:

أولًا: إظهار القدوات للأجيال:

إن أكثر ما يعاني منه أهل الإسلام اليوم هو غياب القدوة الصالحة للتأثير القوي في مقابل القدوات السيئة، وإن وجدت فأين هي؟ وكيف يوصل إليها؟ وكيف تترك أثرها في الناس ولا يمكنون من ذلك غالبًا لا في وسائل الإعلام ولا في منابر التأثير الأخرى المهمة.

ثم إن وجد بعض القدوات فإنهم عدد قليل مبثوثون بين مئات الملايين من المسلمين وأثرهم فيهم محدود جدًّا.

والناظر لأكثر من يوصفون بأنهم قدوات اليوم يرى أنه يصدق فيهم قول الحافظ السخاوي -يرحمه الله تعالى- حين وصف علماء ومشايخ عصره من أهل القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، فقال: «الكثير بل الأكثر من أوساط هذا القرن وهلم جرًا إلى آخر الأوقات إنما مشاركتهم في مسمى العلم والحفظ ومشيخة الإسلام ونحوها من مجاز العبارات والاستعارات وعند تحقيق المناط هم فضلاء متفاوتون في الفهم والديانات، ولذا ورد الشرع بإنزال كل منزلته بشروطه المعتبرات».

فإذا كان السخاوي - يرحمه الله تعالى - يقول هذا عن علماء ومشايخ القرن التاسع، فماذا نقول نحن اليوم عن علماء ومشايخ وقدوات عصرنا؟!

والحل -عندي- في هذه المعضلة، والله تعالى أعلم، هو أن يستعيض المرء في جوانب عديدة عن قدوات العصر بقدوات الدهر الذين سطرت حياتهم على وجه من التفصيل دقيق ومفيد في غرس المعاني الإيمانية والتربوية الرائعة التي قد لا يستفيدها المريد للاقتداء من قدوات العصر؛ ففي كتب التراجم عدة مئات من سير حياة كبراء وعظماء وأجلاء تصلح للاقتداء بها والاتساء، وقد بينت ذلك في مواضع من هذه الحلقات لكني إنما أريد هنا التنبيه على أن من يريد الاقتداء بعظيم أو جليل فلم يجده في زمانه ومكانه فليرجع إلى كتب التراجم فسيجد بغيته إن شاء الله تعالى، وهذا كمن صنف كتاب «من لم يحضره الفقيه»، فلتكن كتب التراجم إذن مفيدة لمن «لم يحضره القدوة».

ثانيًا: الاستعانة بها على إحسان الصلة بالله تعالى:

وهذه أمنية الصالحين والمصلحين في كل زمان ومكان، وقد كان جماعات من السلف والخلف قد حققوا من حب الله وطلب رضاه وتقواه، والخوف منه والخشية، والرضا والانكسار أمرًا مدهشًا، فإذا اطلع عليها أهل العصر بقلوب مقبلة ونية صادقة في الاقتداء فإن ذلك يفيدهم أيما فائدة في باب الإحسان.

وإليكم هذا المثال الموضح لما أريد:

كان السلطان العظيم نور الدين محمود زنكي حسن الصلة بالله تعالى – نحسب كذلك والله تعالى حسيبه، ولا أزكي على الله تعالى أحدًا - ويكفيه قول ابن الأثير يرحمه الله تعالى: هذا مع ما جمع الله له من العقل المتين والرأي الثاقب الرصين والاقتداء بسيرة السلف الماضين والتشبه بالعلماء والصالحين والاقتفاء لسيرة من سلف منهم في حسن سمتهم، والاتباع لهم في حفظ حالهم ووقتهم حتى روى حديث المصطفى ﷺ وأسمعه -وكان قد استجيز له ممن سمعة وجمعه- حرصًا منه على الخير في نشر السنة بالأداء والتحديث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا كما جاء في الحديث.

خصال حميدة

يحب الصالحين ويؤاخيهم، ويزور مساكنهم لحسن ظنه فيهم، وإذا احتلم مماليكه اعتقهم وزوج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم، ومتى تكررت الشكاية إليه من أحد من ولاته أمره بالكف عن أذى من تظلم بشكاته، فمن لم يرجع منهم إلى العدل قابله بإسقاط المنزلة والعزل، فلما جمع الله له من شريف الخصال تيسر له جميع ما يقصده من الأعمال، وسهل على يديه فتح الحصون والقلاع، ومكن له في البلدان والبقاع.

ثم قال بعد كلام كثير: «ومناقبه خطيرة. وممادحه كثيرة».

وقد نقل الإمام أبو شامة من سيرته حادثة ضخمة تدل على حسن صلته بالله تعالى، وذلك حين قاتل الصليبيين في حارم بلدة شمال حلب، وكان نور الدين آنذاك في قلة من جيشه فقد أرسل طائفة منه للرباط في مصر، فقال أبو شامة:

كسر نور الدين الروم والأرمن والفرنج على حارم، وكان عدتهم ثلاثين ألفًا، قال: ووقع «بيمند» في أسره في نوبة حارم وباعه نفسه بمال عظيم أنفقه في الجهاد.

قلت: وبلغني أن نور الدين -يرحمه الله- لما التقى الجمعان أو قبيله انفرد تحت تل حارم وسجد لربه -عز وجل- ومرغ وجهه وتضرع وقال: يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك «أيش فضول محمود في الوسط»، يشير إلى أنك يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر.

وبلغني أنه قال: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودًا، من هو محمود الكلب حتى ينصر؟ وجرى بسبب ذلك منام حسن تذكره في أخبار سنة خمس وستين عند رحيل الفرنج عن دمياط بعد نزولهم عليها، وهذا فتح عظيم ونصر عزيز أنعم الله به على نور الدين والمسلمين مع أن جيشه عامئذ كان منه طائفة كبيرة بمصر. 

وهذا المنام الذي ذكره أبو شامة هنا عرضًا أورده في مكان آخر فقال لما أخذ الصليبيون دمياط في صفر سنة 565 هـ: لما وصل الخير إلى نور الدين بوصولهم واجتماعهم على دمياط ونزولهم اغتم واهتم، وأنهض من عنده عسكرًا ثقيلًا.

اهتمام بالمسلمين

قلت: وبلغني من شدة اهتمام نور الدين - يرحمه الله - بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قُرئ عليه جزء من حديث كان له به رواية، فجاء في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يبتسم لتتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث فغضب من ذلك، وقال: إني لأستحيي من الله تعالى أن يراني متبسمًا والمسلمون محاصرون بالفرنج.

وبلغني أن إمامًا لنور الدين رأى ليلة رحيل الفرنج عن دمياط في منامه النبي ﷺ وقال له: أعلم نور الدين أن الفرنج قد رحلوا عن دمياط في هذه الليلة.

فقال: يا رسول الله، ربما لا يصدقني، فاذكر لي علامة يعرفها.

فقال: قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت يا رب انصر دينك ولا تنصر محمودًا، من هو محمود الكلب حتى ينصر؟

قال فانتبهت ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أنه كان ينزل إليه بغلس ولا يزال يتركع فيه حتى يصلي الصبح، قال: فتعرضت له فسألني عن أمري، فأخبرته بالمنام وذكرت له العلامة، إلا أنني لم أذكر لفظة الكلب، فقال نور الدين اذكر العلامة كلها وألح عليّ في ذلك، فقلتها، فبكي -يرحمه الله تعالى- وصدق الرؤيا.

فأرخت تلك الليلة، فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة.

حسن الصلة بالله

وهذا يدل على حسن صلته بالله تعالى وقوة يقينه يرحمه الله وأعلى درجته في عليين.

وإنما ذكرت نور الدين مثالًا على حسن الصلة بالله تعالى لأخالف ما جرت به العادة من ذكر أمثلة صالحي القرون الثلاثة الأولى، فكأني بهذا المثال أريد أن أقول لقارئه: إذا كان نور الدين هكذا، فكيف بالعظماء الكبار من أهل القرون الأولى؟

وحري بمن قرأ هذا الخبر بقلب مقبل أن يتأثر به وأن يتعلم عبادة الانكسار لله الواحد القهار.

(*) داعية سعودي - المشرف على موقع التاريخ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1331

92

الثلاثاء 22-ديسمبر-1998

صحة الأسرة (العدد 1331)