العنوان النبي صلى الله عليه وسلم مع خلفائه الراشدين (٤).. رحم الله عثمان... صحابي تستحى منه الملائكة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 09-مايو-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1851
نشر في الصفحة 57
السبت 09-مايو-2009
- أحد المبشرين بالجنة.. من كتاب الوحي.. صلى إلى القبلتين وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها إلا بدرا.
- أحبه رسول صلى الله عليه وسلم وزوجه ابنتيه رقية وأم كلثوم ولم يجد ثالثة ليزوجها له بعد وفاتهما.
- كريم جواد شديد البذل في سبيل الله.. جهز نصف جيش العسرة من ماله الخاص.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف من نفوس أصحابه الجوانب المضيئة فيها فيزيد من لمعانها وبريقها، ويرى النواحي الإيجابية في شخصية كل منهم فينميها ويباركها ويثني على صاحبها فيها، فتتحول إلى طاقة هائلة مذهلة تنفع ولا تضر، تبني ولا تهدم تصلح ولا تفسد، لذا فقد صحبه أبو بكر فكان صديقا، وصحبه عمر فصار فاروقًا، وصحبه عثمان فأصبح جوادا. وقد عرف لكل منهم مزية اختص بها على أصحابه، وسمة تميز بها على أقرانه، فكان نبينا الكريم ينزل كل واحد منزلته دون غين، ويبونه المكانة التي يستحقها، فقد تربوا جميعا على يديه، وصنعوا على عينيه، وتتلمذوا في مدرسته صلى الله عليه وسلم.
صاحب الدنيا.. ورفيق الجنة وقد نبغ من هؤلاء الصحب الكرام الخليفة الثالث عثمان بن عفان كرة، فقد تميز في خلق الحياء، وتفوق في مادة الكرم والعطاء والإنفاق بسخاء، وكانت الجائزة أن نعم هذا التلميذ النابه بصحبة معلمه العظيم صلى الله عليه وسلم في الدنيا ورضاه عنه، وفاز في الآخرة برفقته والقرب منه، فهو حبيب له في الدنيا رفيق في الآخرة.
ونعمت المكانة تلك التي نالها بما كان مؤمنًا مخلصًا لله ورسوله، وبما بذل بسخاء منقطع النظير في سبيل رفعة دينه ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن هنا، فقد أبدله الله تعالى ما أنفقه من مال وخير بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت لأمثاله من المؤمنين المتقين في مقعد صدق مع حبيبه وصاحبه صلى الله عليه وسلم، وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليس من نبي إلا وله رفيق من أمته معه في الجنة، وأن عثمان رفيقي، ومعي في الجنة (الحاكم).
لحظات مع رفيق النبي
فمن هو هذا الرفيق الجليل الذي استحق الفوز بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم لنقترب منه لحظات.. إنه الخليفة الثالث عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف الذي ولد بمكة بعد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات، وقد أسلم بعد أن دعاه أبو بكر للإسلام، لكنه حين أسلم أوثقه عمه وقال له: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث والله لا أدعك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين فقال عثمان والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه، فلما رأى عمه منه ثباتًا على دينه واستهانة بالقيد وسخرية من الحبس يئس منه وتركه وشأنه.
وعثمان أحد العشرة المبشرين بالجنة ومن كتاب الوحي، صلى إلى القبلتين وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها إلا بدرًا.
رجل تستحي منه الملائكة: ومن أخلاقه العظيمة ومن أهم ما يتصف به أنه كان مع إيمانه الكبير شديد الحياء، وقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة (مسلم)، وهذا يدل على كمال إيمانه فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. (الحاكم)، وقد بين لنا فضيلة هذا الخلق الطيب فقال: «الحياء من الإيمان (مسلم) و الحياء خير كله، (مسلم)، والحياء لا يأتي إلا بخير (متفق عليه)، ومن هنا كان حياء عثمان خيرًا له وأي خير».
الحياء الحقيقي
وليس حياء عثمان ة ما يظنه البعض أنه الخجل واحمرار الوجه عند سماع بعض الكلمات، أو أنه الحياء الذي يمنع المرء من إظهار دينه فيُستضعف، أو المطالبة بحقه فيضيع، وإنما فهم معناه وحقيقته وعمل بمقتضى فهمه الناضج المستنير، إذ فهم أن الحياء يكون كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: من استحيا من الله حق الحياء فيلحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء (أحمد).
لذا فإن عثمان كان يستحي من الله تعالى أن يراه عاصيًا له أو تاركًا أمره، وكان لا يأمن من غضبه، ولم يتكل يومًا ما على أنه من المبشرين بالجنة على لسان نبي الله صلى الله عليه وسلم بل كان شديد الخوف من عذاب الله عز وجل حتى قال: «لو أني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير».
فهو قمة في الأخلاق الفاضلة وعلى رأسها خلق الحياء، صار به أهلًا لأن يكون قدوة لكل المحبين إلى أن تقوم الساعة، فهلا كنت منهم؟! وهلا تخلقت بخلق الحياء حقيقة لتستحي من الله تعالى أن يراك وأنت تعصيه في الخفاء بعيدًا عن العيون، ومن الملائكة الموكلين بك أن يسجلوا أعمالك ويحصوها عليك ومن صالحي الناس أن يروك على معصية تجاهر بها بينهم؟!
لو كان لنا ثالثة لزوجناك
وعثمان ذو النورين، وهو الذي أحبه رسول الله لدينه وإيمانه بالله، وقد زوجه ابنتيه رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما واحدة بعد الأخرى، ولما انتقلت رقية إلى جوار ربها ومن بعدها أم كلثوم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لو كانت لنا ثالثة لزوجناك.. فقد توفيت أم كلثوم سنة للهجرة، وكانت فاطمة بنت رسول الله أصغر بناته قد تزوجت من علي بن أبي طالب، ولو كان للنبي بنت غيرهن لم تتزوج بعد لكانت زوجة ثالثة لعثمان، وهذا بيان لفضل عثمان وحب النبي صلى الله عليه وسلم له ورضاه عن خلقه ودينه، وفي ذلك درس تربوي للآباء في حسن اختيار الأزواج الصالحين لبناتهم، والبحث عن الزوج ذي الدين والخلق وحسن المعشر، ووضع ذلك على رأس شروطهم فيمن يتقدم للزواج من بناتهم، وها هو عثمان خير مثال على ذلك، فقد كان زوجًا صالحا بارا رحيما تغيب عن غزوة بدر بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانت زوجته رقية رضي الله عنها مريضة وقد جلس معها يمرضها ويخفف عنها من آلام المرض صابرًا محتسبًا طائعًا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال له مبشرا ومواسيا: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه (البخاري)، وهذه لفتة تربوية عظيمة يعلمنا إياها النبي، ورسالة خاصة منه لكل زوج، ومثال لحسن عشرة الأزواج للزوجات وخاصة عند مرضهن وضعفهن وحاجتهن فاين هذا الصنيع من بعض الأزواج - هداهم الله الذين لا يبالون بمرض الزوجة أو تألمها أو وجعها، ولا يشغلهم إلا الأنا فقط فيحملونها فوق ما تملك من جهد فضلا عن البخل بمواساتها ومشاركتها أو إظهار الحب والعطف لها في تلك المواقف الحرجة؟!
هذه لعثمان...
وعثمان و ممن بايع بيعة الرضوان رغم أنه لم يشهدها إذ أرسله النبي سفيرا إلى أهل مكة، فبايع عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال بيده اليمنى: «هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه العثمان»، كما جاء عَن أنس بن مالك مرة قَالَ: المَا أَمَرَ رَسُولُ الله ببيعة الرضوانِ كَانَ عُثمَانُ بِنُ عَفَّانَ رَسُول رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، قَالَ: فبايع النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ: إِنَّ عُثمَانَ في حاجة الله وحاجة رَسُولِهِ فَضَرَبَ بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لعُثمانَ خيرًا من أيديهم لأنفسهم (الترمذي). وكان عثمان و يرى فضل الله عليه في ذلك ويقول: فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أطهر وأطيب من يدي.
غفر الله لك يا عثمان!: كما كان مول كريما جوادا سخيا يجود جودا يتناسب مع عظم إيمانه وشدة حيائه وحبه لله ورسوله تراه شديد البذل في سبيل الله حتى إنه جهز نصف جيش العسرة من ماله، فعن حذيفة بن اليمان صلى الله عليه وسلم قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان يستعينه في جيش العسرة فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فصبت بين يديه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بين يديه ظهرا لبطن ويدعو له يقول: « غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا، (أبو نعيم).
وقد ضرب لنا عثمان مو بهذا المثل في حب الله ورسوله ونصرة دينه الحق بكل ما يملك من مال ووقت وجهد، وقد رضي منه النبي هذا الصنيع وأعجبه فيه، فهل تفعل أنت أيضًا ما يرضي رسولك وتسير على خطاه وتنصر واد شديد دينك بمالك ووقتك وجهدك وكل ما أوتيت؟ تنصره بيل الله. بالكلمة الطيبة والقدوة الصالحة بالقول النافع صف جيش والعمل المثمر، بالدعوة إليه من ماله بالحكمة والموعظة الحسنة،
وهل تتعلم من هذا الخليفة الخاص الراشد دروس العطاء والجود فتكون سخيا معطاء كريمًا جوادا للمساكين والمحتاجين والأرامل والأيتام والمرضى والمنكوبين وما أكثرهم في هذه الأيام، لتواسي جراحهم وتخفف من آلامهم دون من أو أذى؟ وإنما كما قال تعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبه مسكينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إنما نطعمكم لوجه الله لا تُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا تكُورًا﴾ (الإنسان: 8,9).
خلد الله ذكره إلى يوم الدين
فقد أتم جمع القرآن الكريم، وجمع الناس على مصحف واحد وهو أول من زاد في المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنه أبو هريرة: إنه اشترى من رسول الله الجنة مرتين عندما جهز جيش العسرة وعندما اشترى بئر رومة، وقد بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة وبالجنة على بلوى تصيبه وفتنة يقتل فيها مظلومًا، وفي ليلة استشهاده رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني رأيت رسول الله في منامي وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقالوا: تفطر عندنا الليلة.