العنوان إعلان موسكو.. محاولة لتصويب الخلل في العلاقات الدولية السائدة
الكاتب د. حمدي عبد الحافظ
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997
مشاهدات 53
نشر في العدد 1248
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-مايو-1997
• روسيا والصين تستقويان بأنصار التعددية القطبية ضد الهجمة الأمريكية عليهما
دشنت القمة الروسية- الصينية الأخيرة ولادة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والتي لا تقل في أهميتها عن الشراكة من أجل السلام التي وقعتها روسيا مع حلف الناتو عام ١٩٩٤م، وذلك من خلال «إعلان موسكو» الذي دعا إلى إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب، ورفض بشكل قاطع النظام العالمي القائم على القطب الواحد، واستنكر هيمنة الولايات المتحدة وانفرادها بإعادة صياغة وتشكيل العلاقات الدولية بعد انتهاء المجابهة بين القطبين المتصارعين في النظام العالمي القديم الذي ظهر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية واستمر لما يقرب من نصف قرن.
وأشارت الوثيقة السياسية «إعلان موسكو» التي وقعها يلتسين وزيمين إلى رفضها لتوسيع عضوية حلف الناتو ودعت إلى قيام نظام عالمي بديل، يرتكز على أسس ومبادئ الاحترام والمساواة والثقة المتبادلة والمصالح المشروعة لكافة دول العالم، وحدد «إعلان موسكو» أطر العمل المشترك بين روسيا الاتحادية والصين الشعبية لوضع بنوده موضع التنفيذ العملي من خلال تنسيق مواقف البلدين «ودول العالم الأخرى المؤيدة لهما» داخل هيئة الأمم المتحدة، وفي مجلس الأمن الدولي وفي المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى.
وإذ أكد «إعلان موسكو» على إحترام سلامة ووحدة أراضي البلدين، نفى بشدة وجود خطر صيني أو روسي على البلدان المجاورة، وجسد السعي المشترك لإحلال الاستقرار في عالم اليوم المتغير ودعا إلى «مقرطة» العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة.
ويمثل «إعلان موسكو» سابقة فريدة من نوعها في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومحاولة لتصويب الخلل الذي أصاب العلاقات الدولية من جانب دولتين تتمتعان بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وبمكانة ونفوذ دوليين لا بأس بهما، ولما كانت الرغبة في إقامة نظام عالمي جديد أكثر عدلًا وديمقراطية تراود دولًا وشعوبًا كثيرة، فمن المرجح أن يلعب «إعلان موسكو» دورًا إيجابيًّا في إعادة التوازن إلى العلاقات الدولية ودفع المتمردين على النظام العالمي السائد حاليًا إلى الثورة عليه واستبداله.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: وماذا بعد «إعلان موسكو»؟ وبعبارة أخرى: ماذا يمكن أن تفعله روسيا والصين لوضع فكرة العالم المتعدد الأقطاب موضع التنفيذ العملي؟ وقد تكون مواجهة محاولات توسيع حلف الناتو هو المحك العملي لقوة «إعلان موسكو» ولجدية الموقعين عليه، فقد جدد الرئيس الروسي يلتسين أثناء التوقيع على «إعلان موسكو» انتقاداته لقرار الغرب بتوسيع عضوية حلف الناتو واصفًا إياه بأنه خطأ رئيسي تاريخي فادح، وحذر من عواقبه السلبية على الوضع الأمني في القارة الأوربية، كما أكد رفض بلاده الديكتاتورية دولة ما أو مجموعة من الدول على الساحة الدولية، مشيرًا إلى أهمية العمل المشترك لخلق نظام عالمي متعدد الأقطاب يراعي المصالح المشروعة لكافة دول العالم، وكان يلتسين قد لوح مرارًا بإقامة حلف عسكري جديد يضم كلًّا من موسكو وبكين ومينسك «وربما نيودلهي» ردًّا على توسیع عضوية حلف الناتو.
بكين لا تثق في كلام موسكو
غير أن القيادة الصينية -وإن أعلنت في مناسبات عديدة عن تضامنها مع الموقف الروسي الرافض لتوسيع عضوية حلف الناتو- لاذت بالصمت تجاه الدعوة لإقامة تحالف عسكري جديد في مواجهة الغرب، ربما لقناعتها بعدم جدية العرض الروسي بهذا الشأن، وكانت بكين قد تحفظت على نتائج القمة الروسية- الأمريكية التي جرت في هلسنكي في مارس الماضي، ورأت فيها استسلامًا روسيًّا لفكرة توسيع عضوية حلف الناتو، وعزت بكين الهزيمة الروسية في هلسنكي إلى التغير المتواصل في مواقف الكرملين تجاه توسيع عضوية الحلف وإلى استعداد موسكو للمساومة لانتزاع بعض المكاسب السياسية أو الاقتصادية مقابل إغماض العين عن انضمام بعض بلدان شرق ووسط أوربا للحلف. وبالفعل أثبتت أحداث الأيام الأخيرة صحة الموقف الصيني المتشكك في جدية موسكو في التصدي لتوسيع عضوية حلف الناتو وفي قدرتها على تخطي «الخط الأحمر» في علاقتها مع الغرب؛ حيث تزامنت زيارة الرئيس الصيني الأخيرة إلى روسيا مع المباحثات التي أجراها سكرتير مجلس الدفاع الروسي يوري باتورين في بروكسل مع المسئولين في حلف الناتو، لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية المرتقبة بين روسيا والحلف والتي من المقرر التوقيع عليها في باريس في السابع والعشرين من الشهر المقبل.
وبينما المباحثات مستمرة بين الرئيس الروسي يلتسين ونظيره الصيني في الكرملين، كان سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي إيفان ربكين يتفاوض في وارسو مع الرئيس البولندي ألكسندر كفاسنتسكي حول الموقف من توسيع عضوية حلف الناتو، واكتسبت مباحثات ربكين في وارسو أهمية خاصة؛ نظرًا لأن بولندا من أوائل الدول المرشحة لحلف الناتو، الأمر الذي ستبحثه قمة مدريد لقادة الدول الأعضاء في الحلف في يوليو المقبل.
روسيا: خطوة للشرق وأخرى للغرب
وهكذا تخطو روسيا خطوة في اتجاه «الشرق» وأخرى في اتجاه الغرب، تجسيدًا للسياسة البرجماتية الموسكو، الأمر الذي يقلل من الاتهامات الغربية بأن الدعوة التي صدرت عن القمة الروسية الصينية الأخيرة تعني عودة المجابهة والاستقطاب على الساحة الدولية، كانت بعض العواصم الغربية حذرت من عودة الحرب الباردة كنتيجة مباشرة «لإعلان موسكو» فالظروف الموضوعية العودة الحرب الباردة بمعناها التقليدي وبشموليتها، غير متوافرة الآن بعد انهيار المجابهة الأيديولوجية بين النظامين الاجتماعيين والسياسيين اللذين تصارعا في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
ويبدو الفارق كبيرًا بين الحرب الباردة التي عرفتها البشرية خلال نصف قرن، وبين المنافسة الدولية بين دولتين كبيرتين أو حتى مجموعة من الدول الكبرى، ومن هنا يمكن رؤية «إعلان موسكو» على أنه محاولة من روسيا والصين للاستقواء بأنصار التعددية القطبية في النظام العالمي ضد الهجمة الأمريكية على مكانتهما ومصالحهما دون أدنى رحمة، غير أن هذا لا يمنع من أن يؤدي «إعلان موسكو» إلى استقواء المتمردين على النظام العالمي السائد أيضًا، لكن لن يحدث هزة عنيفة في العلاقات الدولية الحالية، نظرًا لأن النظام العالمي لا يأتي بحال بقرارات فوقية، بل هو نتاج مباشر لميزان القوى القائم ولتفاعلات سياسية واقتصادية وعسكرية في غاية التعقيد.
وفي النهاية لا يمكن التقليل من حجم ومكانة الدولتين الموقعتين على «إعلان موسكو» -روسيا والصين- على الساحة الدولية بحكم ترسانتهما المسلحة -خصوصًا النووية- ومواردهما المادية والبشرية وعضويتهما الدائمة في مجلس الأمن الدولي ومصلحتهما المشتركة في تصليح الخلل في النظام العالمي السائد حاليًا.
وبالرغم مما أصاب روسيا من وهن وضعف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، نتيجة لانكماش حدودها الخارجية والأزمة الاقتصادية الطاحنة وتفجر النزاعات العرقية والسياسية داخل حدودها وعلى مقربة منها، فإنها ما زالت تمتلك الكثير من الأوراق التي يمكن في حالة توظيفها وفي حالة توافر الإرادة السياسية أن تفسد بها مخططات واشنطن للانفراد بالعالم.
وإلى جانب هذا، هناك العديد من العواصم الغربية، مثل بون وباريس لا تروق لها السياسة الأمريكية الحالية، وترى بعض العواصم الغربية مصلحتها في إقامة عالم متعدد الأقطاب يساعدها على تحقيق حلمها «أوربا للأوربيين» بل ومن هذا المنطلق ذاته تعارض بعض العواصم الأوربية توسيع عضوية حلف الناتو لقناعتها الراسخة بأن انضمام بلدان شرق ووسط أوربا يضاعف «ولو في القريب المنظور» من النفوذ الأمريكي داخل الحلف، نظرًا لتبعية هذه البلدان لسياسة واشنطن واعتمادها الأساسي على المساعدات الاقتصادية، والدعم السياسي الأمريكي في الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل