; هل التخوف من أسلمة المسيحية حقيقة؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل التخوف من أسلمة المسيحية حقيقة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

مشاهدات 63

نشر في العدد 1316

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

معالم على الطريق

أصبحت بعض الأديان اليوم ضروبًا من الخيالات، وأنواعًا من الشطحات، وحالات من العصبيات والعنصريات، إضافة إلى ما تتمتع به من طقوس مبهمة، وتعاليم معجمة، وعقائد باطلة، وقد أصيبت المسيحية بهذا كله، وعليه مزيد من أوضار كهنتها، وفساد سدنتها، وانحلال أساقفتها، مما جعلها ألعوبة في أيدي جماعات المصالح، وفصائل المرتزقة، الذين يحاولون بطرق عديدة، أن يجعلوها دائمًا تجاري صيحات شتى، وتسير دائمًا حسب أحدث الموديلات، لتوافق دائمًا ما يطلبه المستمعون، وما يريده المشاهدون، فأباحت الكنيسة الخمر، والرقص، والخنا، وباركت الخلاعة، والمجون، وليتها وقفت عند هذا الحد، بل أراد الأساقفة البريطانيون، إضافة إشكالات جديدة إلى أزمات الكنيسة الأخلاقية، فأثاروا في أوساط الأساقفة الإنجليكانيين، الذين اجتمعوا في كانتري هذه الأيام على مدار ثلاثة أسابيع، مشروعًا للإقرار، يبيح الشذوذ الجنسي، ولكن هذا المشروع لم ينل تأييدًا من قبل الأساقفة الشرقيين.

وهذا مما زاد في الانقسام في أوساط الكنيسة، التي أعلنت أن تصويت الأساقفة ضد الشذوذ الجنسي، يشير إلى المدى الذي تأسلمت فيه الكنيسة الإنجليكانية (الدين الرسمي للتاج البريطاني)، وكان المشاركون في المؤتمر الذي حضره نحو 750 أسقفًا إنجليكانيًّا، أتوا من جميع أنحاء العالم، وصوتوا الأربعاء الماضي ضد الاعتراف بالشذوذ الجنسي، باعتباره لا يتوافق مع الكتاب المقدس، وشارك في عملية الاقتراع 641 أسقفًا، صوّت منهم 526 ضد المشروع، ولصالح قرار ينص على إبقاء رفض الكنيسة للوطية، وصوت 75 لإباحته، وامتنع 45 عن التصويت.

وهكذا رفض الأساقفة بقوة، مذكرة توفيقية وضعتها لجنة فرعية من 60 أسقفًا، تقترح الاعتراف بمثلي الجنس من الرجال والنساء معًا، ولكنها ترفض منح الزواج لشخصين من ذات الجنس، أو تعيين أي كاهن لوطي، وكانت المناقشة حادة جدًّا خلال ثلاثة أسابيع، استمر خلالها المؤتمر التقليدي، الذي يعقد كل عشر سنوات، وسعى الأساقفة الآسيويون والأفارقة إلى محاربة الانفتاح الجنسي لدى الكنيسة الغربية، وتوحدوا للحيلولة دون إقرار الشذوذ الجنسي!! غير أسقف أدنبرة ريتشارد هولووي، قال: علينا أن نفهم أن هؤلاء يعيشون في دول إسلامية، وبالتالي فإن أسلمة المسيحية يجعلها أكثر قسوة، وأكثر تشددًا من الناحية التشريعية. ثم قال: لا أحد منكم يمكنه أن يستوعب أننا أيضًا نعمل وفق المضمون، فنحن نعيش في دول شمال الأطلسي، ونشهد مجتمعات ما بعد التقليد، ولا يمكننا فيها فرض الأشياء بالقوة، وعلينا أن نقدم أسبابًا.. وأضاف: إن الأصولية تعني أن أحدًا يرفض التفاوض، وقد رأينا كثيرًا من ذلك في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، مشيرًا إلى أن «قرار عدم الاعتراف بالشذوذ الجنسي، يمثل نقلة خطيرة نحو الجنوب، وهذا عدل؛ لأنه من الناحية التاريخية كانت المسألة معكوسة».

وقال: إن الأصوليين أحكموا قبضتهم على الكنيسة.. لأننا نعيش مرحلة تغيرات سياسية، واقتصادية، واجتماعية متسارعة، وأحد ردود الفعل هو التقهقر تحت الجسر المتحرك، والعودة إلى نموذج من الأصول، ثم قال الأسقف هولووي: إنه شعر أنه تعرض للاغتيال، خلال مناقشة مسألة الشذوذ الجنسي، وأضاف: إن أساقفة المؤتمر سلبوا آمال الكثير، الذين بدؤوا يشعرون باليأس والإحباط ويتساءلوا فيما إذا كانوا ينتمون إلى هذا المجتمع.

وكان هولووي بين الأساقفة الذين وقعوا على بيان أعربوا فيه عن رفضهم عدم الاعتراف بالشذوذ الجنسي، وطالبوا باستمرار مباركة العلاقات الجنسية بين المثلين، وترسيم اللوطيين والسحاقيات كقساوسة، وانتقد هولووي، مشاركة كبير الأساقفة الدكتور جورج كيري، في مناقشة الشذوذ الجنسي، ووصفها بأنها سخيفة، وقال: إن كيري، صوّت لصالح إضافة فقرة إلى التقرير ترفض ممارسة الشذوذ الجنسي، وتعتبره منافيًا لتعاليم الكتاب المقدس.

وأعرب عن أسفه لعدم اهتمام المؤتمر بالقضية الأساسية، وهي كيفية إيجاد تفسيرات للكتاب المقدس تتلاءم مع تطورات العصر، وضرب مثلًا بقضية الزواج والطلاق، وكيف أن إنجيل المحبة، أصبح أهم من القانون، الذي يمنع الشخص من الزواج للمرة الثانية، مشيرًا إلى أن الشيء ذاته، ينطبق على العلاقات الجنسية بين المثلين، فإنجيل المحبة لا يرى مانعًا من اللواط أو السحاق، أو الشذوذ الجنسي.

وهكذا تصبح الديانات ملعبة وخاضعة للأهواء والرغبات، تتحكم فيها كما تشاء، ويسيرها البشر، وليست هي التي تسيرها، أو تحكم تصرفاتهم، وهذا كان شأن الديانات المحرفة من قديم، وفي هذا يقول: «ول ديورانت»: إن بعض المبادئ الدينية والأخلاقية الرواقية، انتقلت من البيئة المدرسية في «طوس» إلى المسيحية عند بولس، وكما كان في طوس كان في معظم المدن اليونانية، أتباع لعقائد انتقلت معتقداتهم وتصرفاتهم إلى المسيحية «فالأرفية»، وغيرها من العقائد الخفية، الذين يعتقدون أن الذين يعبدونه قد مات من أجلهم، ثم قام من قبره، وأنه إذا دعي بإيمان وحق، وصحب الدعاء الطقوس الصحيحة، استجاب لهم وأنجاهم من الجحيم، انتقلت هذه العقائد إلى المسيحية.

ثم إن الأخلاق دائمًا هي القوام الحقيقي للأديان، وهي الفضيلة العملية التي تتناول حياة الإنسان في نفسه، وفي مختلف علائقه مع الخلق ومع الرب، والقانون الأخلاقي الكامل، هو الذي يرسم طريق المعاملة الإلهية، كما يرسم طريق المعاملة الإنسانية، والفكرة الدينية الناضجة، هي التي تجعل من الألوهية مبدأ تدبير ورعاية، ومصدر تشريع وصياغة خلقية ونفسية، بحيث يصبح اتباع الفضائل الفردية والاجتماعية نوعًا من الطاعة لأوامر الدين، وبابًا من أبواب القربات والعبادات الإلهية، فضلًا عن كونها تحقق العدالة الإنسانية، وتلبي دواعي الفطرة السليمة للإنسان المؤمن؛ فكلمتا الدين والخلق من التوائم المتلازمة، فلا دين بغير خلق، ولا خلق بغير دين، فإذا قلنا: فلان ذو دين، يعني أنه صاحب خلق، والعكس صحيح، في القياس الأمثل.

فإذا رأينا اليوم ديانات رغم ما فيها من شطحات في العقائد، واختراقات للتعاليم وتهميشات للمبادئ، قد سمحت لنفسها أن تجعل الأهواء ديانة، والفساد عبادة، والشذوذ والانحراف قربى إلى الله، وطقوسًا يتعبد بها، وتعاليم مقدسة، يجبر الناس على تعظيمها وتبجيلها، قلنا إن هذه هي مذبحة تلك الديانات، وآخر سوءات تلك الخرافات، ويزيد الطين بلة أنهم يعدون الاستمساك بشيء من الفضيلة عيبًا كبيرًا، يتهمون الإسلام بتصديره إلى المسيحية، ويصفون ذلك بالاختراق الإسلامي، وبأسلمة المسيحية، وهذا شرف لهم، لو كان يعلمون، نسأل الله الهداية والتوفيق، آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

164

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري

نشر في العدد 497

121

الثلاثاء 16-سبتمبر-1980

يا سيد.. ما نسينا أنت قد علمتنا

نشر في العدد 1119

90

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

العمى الشرقي.. هل له من علاج؟!