العنوان مداد القلم: ضرورة الثقة في الأزمات
الكاتب علي عبد العزيز
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1013
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 25-أغسطس-1992
ثقة الصالحين وحصن الكلمات النبوية
يُرْوَى أن بعض الصالحين قيل له: إن بيتك قد احترق، فقال: ما احترق،
فقيل له: كل البيوت التي بجوار بيتك احترقت، فقال: ولكن بيتي لم يحترق. فلما ذهبوا
وتَبَيَّنُوا أن البيت فعلاً لم يحترق، عادوا إليه ليتبينوا وجه هذه الثقة،
فأخبرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم علمهم كلمات من قالها صباحًا لم يمسه سوء
حتى يُمْسِي، ومن قالها مساءً لم يمسه سوء حتى يصبح، وهي: «اللهم أنت ربي لا إله
إلا أنت، عليك توكلت وأنت رَبُّ العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله
قد أحاط بكل شيء عِلْمَاً. اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وأعوذ بك من شر كل دابة
أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم».
نعم، هي الثقة في الخبر، والثقة في المخبر، والثقة في المصدر، والثقة
في الأثر لهذا الخبر، الأمر الذي جعل صاحبه يصدر عن ثقة، ويتصرف عن ثقة، وينطق عن
هدى، ويخبر عن إيمان. وصدق الله إذ يقول: ﴿مَا
أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ
قَلْبَهُ ۗ﴾ (سورة التغابن: 11). هكذا شأن الإيمان يبعث على الثقة ويشيع
الأمان، ويعين على الاطمئنان.
صور الإيمان: من مشهد الغار إلى
التضحية
إن لهذه الثقة صورًا يشَدُّ لها الخاطر ويُدهش لها اللُّبُّ، وتجعل
الإنسان يقف أمامها شاردًا ذاهلًا غائبًا عن النوع والكون والحياة والأحياء، لما
يعاينه من جلال وكمال وجمال وما شابه ذلك من أمور، إن دلت على شيء فإنما تدل على
صدق في التلقي وعمق في التعامل وبعد في النظرة وتمام في الإيمان. وتتمثل في هذا
الأسلوب رقابة الله كما جاء في الحديث عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ
كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (البخاري: 50).
ومن أبرز هذه الصور ما تراه في مشهد الغار يوم الهجرة، حين كان يبكي
أبو بكر رضي الله عنه والرسول صلى الله عليه وسلم إلى جواره مطمئن هادئ البال. هنا
مفارقات: رجل يكاد يتفطر قلبه خوفًا وقلقًا لا على نفسه بقدر ما هو على حبيبه،
ورجل إلى جواره عليه السكينة والثبات والثقة في موعود الله. ما هذا الأمان؟ ما هذا
الاطمئنان؟ وما هذه الثقة؟ وما هذه القوة؟
قد يقول قائل: إنها النبوة... إنها النفخة الروحية... ولكن فليعلم هذا
القائل أن رسولنا جاءنا وتعامل معنا بالممكنات وما هو في طاقة البشر.
إن رجلًا من المؤمنين أوقفه مسيلمة الكذاب أمام الملأ من الناس، وطلب
منه أن يقول كلمة ينجو بها من قتله، وهي الشهادة لمسيلمة بالرسالة، فَأَبَى عليه
إيمانه أن يكذب رغم ما لديه من رخصة في ذلك، ولكنه آثر العزيمة وقال كلمته الشبيهة
ببصمات على سجل التاريخ، قالها على مرأى ومسمع من أناس من المؤمنين ومن غير
المؤمنين، لا تزال كلمته راية خفاقة في كل جيل وقَبِيل: «أشهد أن محمدًا رسول الله
وأن مسيلمة هو الكذاب».
الثقة في الأزمات طريق العلو على
الأحداث
إن صور الرجال ذوي الثقة في الله كثيرة في المؤمنين، حكاها القرآن
منيرة ومضيئة في أحلك الأوقات، رغم إيمانهم بنتيجة مواقفهم وهي الهلاك أو الموت
المحقق، ومع ذلك لم يثنهم ذلك عن الإقدام دون الإحجام وعن الفناء دون البقاء، كما
جاء ذلك في القرآن الكريم عن مؤمن آل فرعون، وعن مؤمن القرية، وعن غلام الأخدود،
وكما جاء في السنة عن رجل قام لإمام جائر فأمره ونهاه فقتله.. فصار صِنْوَ حمزة بن
عبد المطلب أفضل الشهداء عند الله تعالى.
إن أمر الثقة في الأزمات يجعل الإنسان يعلو فوق الأحداث، ومن هنا
يستطيع الإمساك بزمام الأمور، فيتحكم فيها ويسيطر على دَفَّتِها، فلا يفلت منه
زمام الأمر. فإذا لم يكن هكذا، تقاذفته الأحداث ولعبت به النوازل، وصار بيدها
كالريشة في مهب الريح، كما كان الشأن مع الصحابة يوم أحد، حين أعلن عن قتل الرسول
صلى الله عليه وسلم، وكذا يوم وفاته... إذًا، لا بد من وجود الثقة وتنمية مواردها:
من صدق في التلقي، وإيمان بالمشروع، والإخلاص في العمل، والاتباع في السلوك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل