العنوان لعلك ترضى
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 09-مايو-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1851
نشر في الصفحة 50
السبت 09-مايو-2009
توفي الزوج، وترك زوجته وطفله الرضيع، ولم يترك لهما سوى غرفة صغيرة فوق سطح أحد البيوت، وما إن انتهت عدة الزوجة إلا وبحثت عن عمل فيسر الله لها فرصة عمل في أحد المستوصفات الخيرية وعاشت مع طفلها حياة متواضعة، وتحملا الظروف الصعبة، ولكن رحمة الله دائما تظلل عباده وتحيطهم، لقد رزقت هذه المرأة نعمة الرضا، وأرضعت طفلها تلك النعمة، فربته ونشأته راضيًا بما قسم الله له.
كانت الأم تعمل ألف حساب لدخول فصل الشتاء، فقد كان المطر يزعجها، وذلك أن سقف الغرفة كان قديما مهترنا، وكان المطر يسقط عليها وعلى طفلها من سقف الغرفة ولم يكن لديها مال تسقف به الغرفة.
مر على ولادة الطفل أربع سنوات، كان المطر فيهن خفيفًا وقليلا، وفي إحدى ليالي العام الخامس كانت الأم تحكي لطفلها قصة قبل النوم، وإذا بها تسمع رعدًا قويًا، وترى سنا البرق يخترق فتحات الغرفة المتهالكة ويقتحمها على الأم وطفلها، وسرعان ما فتحت أبواب السماء بماء منهمر، فاحتمى الطفل بحضن أمه وصدرها، لكن ذلك لم يمنع سقوط المطر بغزارة فوقهما، من خلال سقف الغرفة، فأسرعت الأم إلى باب الغرفة فخلعته، ووضعته مائلا على أحد جدران الغرفة، واختبأت وطفلها خلف الباب، لتحميه من المطر المتهاطل المنهمر، وإذا بالطفل يبتسم ابتسامة السعادة والرضا، وينظر إلى أمه ويقول الحمد لله، نحن عندنا باب نحتمي به من المطر، فماذا يصنع الفقراء الذين لا يملكون مثل هذا الباب؟!!
ما أحلى الرضا!!
ما أعذب الرضا لا تلك النعمة التي أشعرت هذا الطفل البريء بأنه ثري غني لأن في بيته بابا، إنها نعمة الرضا التي تضفي على صاحبها سعادة لا مثيل لها، وتجعله يشعر براحة البال، وطمأنينة القلب، وسكينة النفس.. تلك النعمة التي رققت قلبه فجعلته يشعر بالفقراء ويرفق بهم، إنها النعمة التي تشعر الإنسان بأنه في استراحة الرحمن وجنة دنياه. يقول ابن القيم رحمه الله عن الرضا هو باب الله الأعظم ومستراح العابدين، وجنة الدنيا.
علماء النفس والرضا
يقول علماء النفس، إن كثيرًا من الهموم والضغوط النفسية - التي تنعكس سلبًا على صحة الإنسان وحياته - سببها عدم الرضا ذلك أن الإنسان في حياته تواجهه المشقة والعنت والمعاناة، وذلك واضح في قوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾(البلد: 4) أي في معاناة والإنسان بطبعه لديه تطلعات دائمة، وطموحات طائلة، وأحلام هائلة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سمعت النبي ﷺ يقول، لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف. وفي رواية عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، (رواه البخاري).
فقد يحصل الإنسان على ما يريد وهنالك لا يقنع، بل يطلب المزيد والمزيد وحتى لو حصل الإنسان على ما يريد فإنه - إذا لم يرزق نعمة الرضا - يرى أن الذي حصل عليه أقل كما ونوعا مما كان يعيش في هم بسبب خوفه من زوال تلك النعم التي منحها الله إياه، ومن ثم رأى أهل الحكمة أن متاع الدنيا مهما زاد فهو متاع مؤقت زائل لا محالة، ومن هنا كان الدعاء المأثور اللهم عرفنا نعمك بدوامها لا بزوالها..
الرضا علاج لهموم الحياة
ان هموم الحياة كثيرة ثقيلة، فالإنسان يعاني هموم العمل ومشكلاته، ويواجه مشكلات البيت ومتطلباته، من مرض الأبناء والآباء، وربما الخلافات الزوجية، والأقساط والديون المالية، وهموم الامتحانات والمقابلات وغير ذلك كثير، ربما يبعث القلق في النفس ومن المحتمل أن يفقدنا شهيتنا للطعام ويحرمنا لذة النوم، ويرفع لدينا ضغط الدم. ويورثنا الأمراض، كارتفاع السكر، وأمراض القلب والشرايين والقلق، ولا ينجو من ذلك كله إلا من رزق نعمة الرضا.
يقول ديل كارنيجي عشت في نيويورك أكثر من سبعة وثلاثين عاما، فلم يحدث أن طرق أحد بابي ليحذرني من مرض يُدْعَى القلق هذا المرض الذي سبب - في السنين السبع والثلاثين الماضية من الخسائر ما سببه الجدري بعشرة آلاف ضعف.. نعم لم يطرق أحد بابي ليحذرني من أن شخصا من كل عشرة أشخاص من سكان أمريكا معرض للإصابة بانهيار عصبي، مرجعه في أغلب الأحيان إلى القلق.
ويستطرد كارنيجي، قائلًا: لو أن أحدًا ملك الدنيا كلها ما استطاع أن ينام إلا على سرير واحد، وما وسعه أن يأكل أكثر من ثلاث وجبات في اليوم، فما الفرق بينه وبين المزارع الذي يحفر الأرض؟
لعل المزارع أشد استغراقًا في النوم، وأوسع استمتاعًا بالحياة من رجل الأعمال ذي السلطان والسطوة!!
ولله در المتنبي، إذ يقول:
والهم يحترم الجسيم مخافة ويشيب ناصية الصبي ويهرم
وما أطيب قول الإمام الشافعي. يرحمه الله في الرضا:
دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذا حكم القضاء
ولا تجزع الحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء
لا شك - إذن - في أن علاج الهموم يكمن في رضا العبد بقدر ربه، والصبر على الابتلاء، واحتساب ذلك عند الله عز وجل واليقين بأن الفرج آت لا محالة، فقد قال رب
العزة سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَ مع العُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 6,7).
إن الرضا نعمة ربانية روحية عظيمة لا ينالها إلا المؤمن الذي آمن بربه، ورضي عنه، ووثق به وبرحمته وعدله وفرجه وأدام الاتصال به وعبادته وطاعته، وتجنب إغضابه وعصيانه، وصدق المولى سبحانه إذ يقول ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُل شيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التغابن: 11).
ولما بلغ الغم بالسيدة عائشة رضي الله عنها مبلغه - عندما تطاول الأفاكون عليها في حديث الإفك، وجدناها تقول، ظننت أن الحزن فالق كبدي.
وكانت النتيجة ذاتها عندما بلغ الحزن مداه عند يعقوب على ولده يوسف عليهما السلام، كما أخبر القرآن الكريم، ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾(يوسف).
والقناعة هي طريق الرضا، إنها كنز لا يفنى ولو تدبر الإنسان حال الدنيا، وتأمل حال من امتلكوا الدنيا وذهبوا وفنوا جميعا... لعاش قانعًا مرتاح البدن والروح، ولله در من قال:
هي القناعة فاحفظها تكن ملكًا لو لم تكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن؟!
توجيهات ربانية في الشكر والرضا
ثمة توجيهات في الرضا والشكر من الله عز وجل لرسله وأنبيائه، وفيما يلي بعض هذه التوجيهات ه توجيه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى، ﴿بل اللهَ فَاعْبُدُ وَكُن مَنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر: 66).
ولموسى عليه السلام: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وكُن من الشاكرين﴾(الأعراف: 144).
وثمة توجيهات بالشكر لسائر بني الإنسان، منها: ﴿أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ. الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14).
وثمة توجيه للحكماء، ومن ذلك قوله تعالى، ﴿ولقد آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرُ لله ومن يشكر فإنما يَشْكُرُ لنفسه﴾ (لقمان: ١٢).
ثناء الله على الراضين الشاكرين
لقد أثنى الله عز وجل على نوح عليه السلام لأنه كان من الشاكرين، قال تعالى: ﴿وذُريَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (الإسراء: 3).
كما أثنى على إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِنَا لَلَّهِ حَنِيفًا ولم يك من المشركين. شاكرًا لأنعمه اجْتَبَاهُ وهداه إلى صراط مستقيم﴾ (النحل: 120,121).
كما أعلن رضاه سبحانه عن المؤمنين الأنصار الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى الله ﴿۞ لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾(الفتح: ١٨).
موقف مؤثر
كان - رحمه الله - خبيرًا تربويًا وأستاذًا فاضلا، وكان صديقا عزيزا برغم فارق السن بيننا.. قبل تقاعده بخمس سنوات عدته مريضًا في مستشفى المعلمين على ضفاف نيل مصر العظيم، كان الرجل قد بلغ الستين من عمره، وكان يعيش في حي من أرقى أحياء القاهرة، توفيت زوجته التي أحبها من أعماق قلبه، وقد رزق منها بنتين تخرجتا في كلية الطب، وتزوجتا، وسافرت كل منهما مع زوجها خارج مصر، تلك مرحلة من حياة الرجل التي حكاها لي عندما زرته في مرضه.
وكان مما حكاه لي أن المرض الذي أصابه - هو السرطان، ولم يكن الطب تقدم آنذاك كما نرى الآن كلتا البنتين عرضتا على أبيهما أن يسافر معهما خارج مصر للعلاج، لكن الرجل آثر أن يعيش بوطنه، كانت لديه عزيمة وإرادة، كان راضيًا متفائلا ترى على وجهه وتلمح في تعبيراته روح الإيمان ولا أزكيه على الله.
قال لي: لقد أخبرني الطبيب منذ خمس سنوات، وصارحني بمرضي وقال لي: إنك لن تعيش سوى أسابيع، أو على الأكثر ستعيش شهورًا، لأن حالتك متأخرة، فرد صديقي على الطبيب قائلا: لو كان الأمر بيدي لمنعتك من ممارسة هذه المهنة لأن الطبيب إنسان قبل أن يكون طبيبًا، يبعث الأمل لا الجزع ويعالج المريض معنويا كما يعالجه جسديا.
يقول صديقي هذا - رحمه الله: لقد خرجت من عند هذا الطبيب وقد قررت أن أتزوج، وبالفعل هاتفت ابنتي كلتيهما، وفاتحتهما في الأمر، فأكدت لهما وفائي. لأمهما رحمها الله، وحاجتي إلى زوجة تؤانس وحشتي، وتشاركني حياتي وافقت ابنتاي وقررتا الحضور لمساعدتي في الأمر، ومن الله علي بزوجة صالحة حباها الله بما يرغب فيه الرجل في المرأة، ونظمت حياتي، وكان دوائي الأساسي الرضا، لقد قلت في نفسي: هب أنك ستعيش شهرًا واحدًا أو أسبوعًا أو يومًا أو حتى ساعة واحدة، أنت أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تعيش تعيسًا قلقًا مهمومًا مغتما تنتظر الموت، وإما أن تعيش. وإن كانت الحياة ساعة واحدة - في راحة بال ورضا وسعادة، فكان الاختيار الثاني، فمن الله علي بالرضا!!
أتدري عزيزي القارئ كم عاش صديقي بعد ذلك؟ لقد عاش إحدى عشرة سنة بعد حديثه معي، وكان قد عاش بمرضه خمس سنوات قبلها، أي إنه عاش ستة عشر عامًا راضيًا بمرضه، شاكرًا لربه.
ما أجمل قول أسامة بن منقذ:
انظر إلى حسن صبر الشمع يظهر للرائين نورًا وفيه النار تستعر
كذا الكريم تراه ضاحكا جدلًا وقلبه بدخـيـل الهـم منفطر
توجيهات نبوية للفوز بالرضا
لنبينا الرحيم توجيهات، إذا ما فقهناها وعملنا بها حققنا الرضا في أنفسنا، ومن أهم هذه التوجيهات:
ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، (رواه أحمد ).
من جعل الهم واحدًا كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك، (رواه الحاكم).
انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله، (رواه مسلم).
من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأنته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، (رواه الترمذي).
ولله در المعري الشاعر المشهور، حيث يقول:
قضى الله فينا بالذي هو كائن فتم وضاعت حكمة الحكماء
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء؟
فارض - أيها القارئ الكريم. بما قسم الله لك، ووطن نفسك على الرضا واعلم أن الساخطين لا يذوقون للسرور طعما، ولا يعرفون للسعادة طريقا، فحياتهم ظلام حالك، وليل دامس، واعلم أن الأمور تجري بقدر الله تعالى، وأن بين غمضة عين وانتباهتها يأتي ريك بالفرج، كما قال الشاعر:
دع الأمور تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل