; بلا حدود.. كوسوفو.. تنتظر دورها بعد البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود.. كوسوفو.. تنتظر دورها بعد البوسنة

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

مشاهدات 65

نشر في العدد 1169

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

«إن الوضع الراهن في كوسوفو خطير للغاية، وإن القوانين والإجراءات العربية بلغت حد تقويض المعالم الثقافية للسكان الألبان المسلمين.. إن حقوق الإنسان تُنتهك في كوسوفو بصورة فظّة فيما يتعلق بالألبان المسلمين، ولا وجود هناك لأي تطبيق للمعاير الأساسية للقوانين الدولية بهذا الشأن».

كان هذا ما أدلى به تادیوش مازوفييسكي - رئيس وفد الأمم المتحدة في نوفمبر ۱۹۹۲م بعدما قام مع ۱۹ موفدًا دوليًا بتقصي الحقائق عن أوضاع المسلمين الألبان قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، بعدها قامت صربيا التي تفرض سيطرتها على كوسوفو بطرد ممثلي لجان حقوق الإنسان الدولية ومندوبي مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، والمراسلين الصحفيين من كوسوفو، وفرضت طوقًا أمنيًا وحصارًا إعلاميًا على المسلمين فيما واصلت مسيرة القمع والاضطهاد، والاعتقال، والتعذيب، والطرد، والتهجير، وفي الوقت الذي كانت تقوم فيه بحملات الإبادة العرقية ضد المسلمين في البوسنة بدأت بحملات التطهير العرقي ضد مسلمي كوسوفو في مجالات العمل كلها، حيث طرد خلال السنوات الثلاث الماضية 95% من العمال المسلمين من وظائفهم بتهمة الدعوة لانفصال كوسوفو عن صربيا، وتم إحلال موظفين وعمال صرب في أماكنهم، وأصبح مئات الآلاف من مسلمي كوسوفو لا يملكون المقومات الأساسية لاستمرار الحياة، وقد واكب التطهير العرقي للمسلمين في مجالات العمل تطهير ثقافي وديني وسكاني، حيث قام الصرب بمحو بقايا أثار المسلمين الثقافية والدينية، خاصة المساجد، والمدارس، والمكتبات، والقلاع، والجسور.

تقع كوسوفو في الجانب الجنوبي الشرقي لصربيا، ويبلغ عدد سكانها مليوني نَسَمة، ونسبة المسلمين منهم 90%، فيما لا يزيد الصرب عن 7%، إلا أنهم يحكمون قبضتهم على كافة مقاليد الحكم والإدارة في كوسوفو.

وقد دخل الإسلام إلى كوسوفو على يد الفاتحين العثمانيين عام ١٣٨٩م، وكان سكان ألبانيا، وكوسوفو، والسنجق، والبوسنة والهرسك من أبرز سكان البلقان الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، وهذا ما جعلهم طيلة القرون الماضية هدفًا رئيسيًا لحملات التصفية العرقية والاضطهاد الديني، سواء كان ذلك على أيدي الكاثوليك أو الأرثوذوكس، إلا أن الاضطهاد الذي وقع للمسلمين على أيدي الصرب، كان هو الأقسى والأفظع، حيث إنه لم يقف عند حد التطهير العرقي، وإنما تناول كافة أشكال التطهير التي تمحو هوية الإنسان، وتذيب كيانه، وليس هناك شيء أقسى على المسلم من أن يجد نفسه بلا هوية ولا كيان، خاصة مسلمي البلقان الذين انتزعوا أنفسهم من كافة هوياتهم العرقية السابقة، التي ينتسب لها سكان البلقان، وأصبح الإسلام هو هويتهم الرئيسية وصاروا هُم «المسلمون».

ويعتبر مسلمو كوسوفو امتدادًا طبيعيًا لمسلمي ألبانيا من حيث اللغة أو الثقافة أو التقاليد، وبالتالي فقد مروا بمراحل تذويب الهوية الثلاث التي تعرّض لها مسلمو ألبانيا، والتي بدأت في عام ١٨٩٧م، حيث فصلت المؤامرات الأوروبية ألبانيا وكوسوفو عن دولة الخلافة العثمانية، واستمرت هذه المرحلة حتى عام ١٩١٧م، ثم تلتها مرحلة التغريب التي استمرت حتى العام ١٩٤٥م، ثم مرحلة الإلحاد التي وصلت ذروتها عام ١٩٦٦م، حينما أعلن أنور خوجه أن ألبانيا أصبحت دولة ملحدة، فهدم المساجد والمكتبات، وأحرق المصاحف والكتب الإسلامية، وما قام به خوجه في ألبانيا مارسه تيتو في يوغسلافيا على مسلمي كوسوفو، إلا أن ذلك لم يصل إلى جذور الهوية الإسلامية التي سعى مسلمو كوسوفو إلى إحيائها بعد موت الديكتاتور تيتو في عام ١٩٨٠م، لكن أحقاد الصرب الدفينة كانت لمسلمي كوسوفو بالمرصاد، حيث بدأ الصرب عمليات التطهير والقمع ضد مسلمي كوسوفو بتخفيض درجات الحكم الذاتي الذي كانوا يتمتعون به، وراهن الرئيس الصربي الحالي سلوبودان ميلوسوفيتش حينما رشح نفسه لرئاسة صربيا بأنه سيجعل ألبانيا قطعة من صربيا، ولن يسمح للمسلمين فيها بأي نوع من أنواع الاستقلال أو حتى الحكم الذاتي، وبدأت مراحل القمع تزداد شيئًا فشيئًا، حتى وصلت اليوم تحت سمع العالم وبصره إلى مرحلة وجود أكثر من مليون مسلم من سكان كوسوفو لا يجدون قوت يومهم، بعدما شردوا من وظائفهم، وفصلوا من أعمالهم، وأصبح كل مسلم في كوسوفو لا يأمن على نفسه من الاضطهاد والبطش الذي تقوم به المليشيات الصربية المسلحة الآن في شوارع كوسوفو، حيث يتم اعتقال الآلاف بشكل عشوائي واحتجازهم فترات طويلة بتهمة التحقق من هوياتهم، وأنهم من سكان كوسوفو وليسوا من الألبان، وقد وصل الأمر إلى درجة اعتقال الدكتور إبراهيم روغوفا - الذي اختاره مسلمو كوسوفو رئيسًا لهم في انتخابات أجروها في عام ١٩٩٢م عدة مرات على أيدي الصرب بدعوى التحقق من هويته، وقال روغوفا في حديث نشرته له «الحياة» في 6/9/1993م: «قد يكون صعبًا أن تصدق أنهم اقتادوني شخصيًا عدة مرات إلى مراكز الشرطة الصربية، وهناك قضيت ساعات حتى يتأكد المسؤولون فيها بأني لست أجنبيًا... في الوقت الذي يعرفونني فيه حق المعرفة، فيراقبون كل تحركاتي وحتى أحاديثي، وعلى الرغم من أن ما يحدث في كوسوفو للمسلمين يعلم به كافة المسؤولين الأوروبيين والأمريكيين ومسؤولي الأمم المتحدة وجمعيات ولجان حقوق الإنسان التي قام مسؤولون فيها بزيارات لكوسوفو، ونشروا تقارير دامية وإنذارات للمجتمع الدولي بالتحرك قبل انفجار الوضع هناك في أية لحظة، بما يُنذر بمذابح دموية ربما تكون أفظع مما حدث للمسلمين في البوسنة لسبب رئيسي هو أن مسلمي كوسوفو لا يملكون أية وسيلة للمقاومة، فيما يرسخ الصرب وجودهم العسكري بشكل يومي قوي إلا أن أحدًا لم يتحرك لإنقاذ مسلمي كوسوفو حتى الآن بل إن فتيل الاشتعال قد وصل إلى مرحلة الخطر بعد قيام الصرب بترحيل آلاف الأُسر الصربية التي طردها الكروات من إقليم كرابينا إلى كوسوفو، وذلك لتعديل التوازن السكاني لصالح الصرب، حيث يتكاثر المسلمون في كوسوفو خمسة أضعاف تكاثر الصرب، وهو ما يعتبر أعلى معدل نمو سكاني في أوروبا، وهذا الأمر يهدد بانفجار الوضع هناك في أية لحظة.

إن أي تحرك لإنهاء الصراع في البوسنة يجب أن يكون وضع المسلمين في كوسوفو والسنجق ومقدونيا واليونان على رأس أولوياته، وإلا فسوف يظل المسلمون في البلقان يدفعون الثمن.. ثمن أنهم مسلمون يعيشون في قلب أوروبا.

الرابط المختصر :