العنوان البعث الحضاري.. من رمضان لما بعده من شهور العام
الكاتب عبد الباري محمد الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1434
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 16-يناير-2001
رمضان كان -وسيظل- شهر البعث الحضاري المتجدد للأمة الإسلامية إن هي أحسنت الإفادة منه، وفهمت مغزى هذه الفريضة الكريمة التي تكفل الحق -سبحانه وتعالى- بالجزاء عنها لمن أقامها على وجهها، وأحسن صحبة رمضان، وأدرك أنه شهر الانتصارات والخيرات والبركات والعطاءات الربانية التي تبدأ بالرحمة، ثم بالمغفرة، ثم تختم بالعتق من النار، و اتقاء غضب الجبار.
أول ملمح للبعث الحضاري المتجدد في رمضان هو انتصار المسلم الصائم على نفسه، فهو في هذا الشهر يغير عادات استمر عليها أحد عشر شهرًا، فيترك ما كان يشتهي، ويبتعد عن الموبقات والمحرمات، ويرتبط بكتاب الله تعالى صباح مساء، ويتصبر على الطاعة والعبادة، ويصبر عن شهوة بطنه وفرجه، ويتحمل ألم الجوع والعطش، مستعذبًا ذلك كله في الله تعالى، وابتغاء رضوانه وهذا هو أصل التغيير في النفس البشرية، وهو أن تغير عاداتها العادات أخرى، وتحتمل هذا التغيير الجديد إلى أن يصبح هو العادة.. ولا شك أن الذي ينتصر في ميدان النفس قادر على الانتصار في ميادين أخرى أرحب وأوسع.
وصدق الله العظيم القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
فتغيير النفس إلى الأحسن يؤدي إلى الفلاح والخير مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(الحشر: 9)، وتغييرها إلى الأسوأ يؤدي إلى عاقبة وخيمة، اسمع معي قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ: 15-17).
وإذا كان الحق سبحانه قيد أخبر أمة الإسلام بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:۱۱۰) فإن هذه الأدوات التي ينبغي على المسلمين استخدامها للتغيير هي بحق مفاتيح النصر المبين على أعداء الله تعالى، وأعداء هذا الدين والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع صحة العقيدة، وصدق الإيمان ما سيؤدي كضرورة حتمية إلى النصر، لأن هذه الأدوات تعني نصرة الله تعالى في أرضيه، وقد قال عز من قائل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ (محمد: 7).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل