; متى يكون الأمر بالمعروف منكرًا..؟! | مجلة المجتمع

العنوان متى يكون الأمر بالمعروف منكرًا..؟!

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1972

مشاهدات 63

نشر في العدد 126

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 21-نوفمبر-1972

قالوا: زعمك باطل، دعواك مردودة.. قلت: وما وجه الرد والبطلان؟ قالوا: تثبط الهمم، وتحبب القعود إلى القاعدين عن الجهاد بلا تحرج ولا ندم. قلت: غفر الله لكم.. أو هذا مبلغ فهمكم؟ قالوا: نعم، وهل يحتمل قولك وجهين؟ فمرة تقول: «سلوا الله العافية» وأخرى تزعم «أن قومًا أمروا ونهوا فكفروا» وثالثة تنادي «كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة» ورابعة وخامسة.. إلى آخر ما هنالك مما لا يخفى عليك. قلت: ولكنه خفي عليكم، فرحم الله امرأ سمع مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، وقديمًا قال المتنبي: وكم من عائب قولًا سليمًا وعلته من الفهم السقيم. قالوا: فهل تنكر أنك فتحت باب الرخصة للمترخصين، ولم توجب الأمر والنهي إلا على القادرين، ثم لم تقنع بذلك، بل قيدته بالحكمة، وجعلته متوقفًا على عدم إحداث فتنة؟ قلت: ولذلك أتلو قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: ٢٦٩) وقال ابن عباس رضي الله عنهما «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» وما ذلك إلا لأن العابد أو الجهاد أو الآمر والناهي بغير فقه إنما يلعب به الشيطان، ويفسد به من حيث يظن صاحبنا أنه على صراط الله المستقيم. يا أخي.. ليست الدعوة إلى الله إلا طاعة لأمر الله، ولست أملك أنا ولا أنت بل ولا رسل الله أن يخطوا فيها خطا أو يبتدعوا لها وسيلة إلا ما شاء الله ﴿ قل إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾. (الأحقاف: ٩) فما كانت الدعوة يومًا موافقة لهوى النفس أبدًا، وإلا فكل واحد منا يود لو أعمل يده في أصحاب المناكير، وليكن بعد ما يكون، ولكنه الحق الذي لا يجوز خلافه، والحكمة التي يلزم علينا التقيد بها، والحرص على مقتضياتها، والباطل نقيض الحق، والسفه نقيض الحكمة، فإذا كانت الحكمة العملية تعني وضع الشيء في محله، فالسفه وضع الشيء في غير محله، فلو كلفنا الأطباء والمهندسين خوض المعارك الحربية لكنا سفهاء غير حكماء، إذ مكان الطبيب علاج الجرحى، والمهندس إقامة المنشآت، وربما اقتضت الحكمة الإبقاء على رجل معين والضن به في المخاطر، وتعريض من دونه للشهادة في سبيل الله، وادخاره هو لما يعلم عنه من أهلية رفيعة وكفاءة نادرة وحكمة بالغة، فمثله يحرص عليه ويبالغ في تأمين السلامة له، ومثال ذلك ما روي من رغبة الصديق- رضى الله عنه- الخروج للمبارزة في إحدى الغزوات، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «متعنا بنفسك يا أبا بكر»، وما ذاك إلا لعلم الرسول الحكيم صلى الله عليه وسلم بمكانة أبي بكر ومنزلته بين الرجال، إما ما رغب فيه فيكفيه منه كثيرون، أما الصديق فيدخر.. ولو عرضت هذه المسألة على أصحابنا العقلاء لقالوا: هذه تفرقة، والمسلمون سواسية كأسنان المشط، وهكذا تكون الحكمة عند هؤلاء وحسبنا الله ونعم الوكيل. أيها الأصحاب المحتجون: إن الدعوة كما هي في حاجة إلى السيف في مرحلة من مراحلها، هي في حاجة إلى الكلمة، والكلمة كذلك تتفاوت من «فقولا له قولًا لينا» إلى «واغلظ عليهم»، وهكذا لكل مقام مقال، ووضع السيف في موضع الندى معيب كوضع الندى في موضع السيف «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا». ولذا قال الفقهاء في باب السياسة الشرعية الأصل أن يكون الأمير مستوفيًا لشرطي القوة والأمانة، فإن تعذر الحصول على من هذه صفته وإنما تفرد بصفة واحدة منها، فإن كان المنصب يحتاج إلى القوة أمرنا صاحب القوة، وإن كان يحتاج إلى الأمانة أمرنا صاحب الأمانة، لذلك كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقدم خالد بن الوليد رضي الله عنه في المعارك، وهو حديث عهد بالإسلام ويقدمه على بعض السابقين الأولين؛ لما يعلمه عنه من كفاءة حربية نادرة، وصلى الله عليك يا رسول الله، ورحم الله عقلاءنا المتعجلين وآتاهم الحكمة لعلهم يفقهون. وأسأل الله ألا أكون جبانًا ولا مترددًا ولا داعية قعود أو انهزام، ولكني والله رأيت من مآسي سياسة من يزعمون الرشاد ويدعون الحكمة والسداد، ما يفجع القلوب المؤمنة، ويفتت الأكباد المشفقة، رأيت ما لا يبلغ القلم إلى وصفه، ولا يملك اللسان التعبير عنه، فما راءٍ كمن سمع.. ولكن حسبي أن أقول، إن أمثال هؤلاء الراشدين المتفقهين، كانوا أول من ولوا الأدبار عند اللقاء، وكانوا أسرع من نقضوا الوفاء بلا امتراء، بل وعاد الكثير منهم حربًا على من كانوا معهم في السراء والضراء، وليس هذا محض افتراء؛ فالأمر أظهر من أن يمارى فيه، وأوضح من أن نتناطح عليه، ولهف نفسي على إناس خیرین كانوا ملء السمع والبصر، وكنا نحسبهم كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا الفتنة الهوجاء السوداء التي تسببوا في إحداثها بعجلتهم واندفاعهم وتهورهم، وخلافهم لأمر إمامهم الحكيم بحق، هؤلاء الناس ذاقوا وبال خلافهم، وافتتن بعضهم، واعتزل البعض الآخر وهدى الله من شاء منهم إلى صراطه المستقيم، وفاءوا إلى الحق المبين والحمد لله رب العالمين. فيأيها الراشدون المحتجون، ليس الأمر كما تظنون، ولكنه الحق الذي تبين لي فلم أستطع عنه حولاً، والحقيقة التي سطعت لناظري فلم أملك لها ردًا، فحين أنادي بالحكمة والتريث، وأدعو إلى الكف وسؤال العافية، فإني إنما أخاطب طائفة من الناس، أعرف عنهم الخفة والرعونة، وألمس فيهم العجلة والطيش، واكتوينا بنار حمقهم وعجلتهم نسأل الله العافية.. أما لماذا لا أدعو إلى التضحية والثبات، وأنادي هلموا يا قومنا إلى الجهاد والاستشهاد، فما أنكرت ذلك يا صاح ولا ينبغي لي، ولكن «لكل مقام مقال» فما يليق اليوم قد لا يليق بالغد، وما يناسب شخصًا قد لا يوافق آخرين، وأنا رأيت داء قد استشرى، وفتنًا من آثار ذلك الدار تترى، فقلت الآن وجب الكلام، ولزم النذير والبيان، ولو كان الأمر على العكس من ذلك، لكان الكلام على العكس أيضًا، ومن هنا نستطيع أن نفهم بعض نصوص الشرع التي تبدو متعارضة أحيانًا، والحقيقة أنه لا تعارض ألبتة ولكنا قوم جاهلون. والأخذ بالرخصة قد يكون أولى من الأخذ بالعزيمة، أحيانًا باعتبار الشخص وأحيانًا باعتبار الحال، أما بالنظر إلى الشخص فكما كان الحال مع عمار بن ياسر رضى الله عنه حين أُكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقل له لو صبرت لكان خيرًا لك وإنما قال: «إن عادوا فعد». وأما باعتبار الحال فكما حدث في بعض الغزوات التي وقعت في رمضان، أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه ليتبعوه وقال لهم: «إنه أقوى لكم على لقاء عدوكم» وحدث أن صام طائفة من الصحابة وأفطر آخرون في بعض الغزوات، فلما نزلوا للراحة وقع الصائمون على الأرض إعياء وقام المفطرون فنصبوا الخيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». وهكذا تكون الحكمة.. حكمة الرسل لا حكمة العقلاء الراشدين في أيامنا، نسأل الله أن يقينا شر حكمتهم ويجنبنا مساوئ فقههم إنه ولي ذلك والقادر عليه. حكمة الإمام الغزالي ولعل من المناسب في هذا المقام أن أنقل هذا النص عن الإحياء لعله ينفع إخواننا الصادقين: قال الإمام الغزالي -رحمه الله- في الإحياء ج ۲ ص ٣١٥: «فان قيل: فما قوله تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥) قلنا: لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل وهذا ربما يظن أنه مخالف لموجب الآية وليس كذلك فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما «ليس التهلكة ذلك بل ترك النفقة في طاعة الله تعالى» أي من لم يقل ذلك فقد أهلك نفسه، وقال البراء بن عازب: «التهلكة أن يذنب الذنب ثم يقول: لا يتاب عليّ» وقال أبو عبيدة: «هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيرًا حتى يهلك» وإذا جاز أن يقاتل الكفار حتى يُقتل جاز أيضًا له ذلك في الحسبة «يعني الأمر والنهي» ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز، فذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يُقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله؛ فتنكسر بذلك شوكتهم، فكذلك يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر، أو في كسر جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إن رأى فاسقًا متغلبًا وعنده سيف وبيده قدح وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجهًا وهو عين الهلاك، فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرًا، ويفديه بنفسه، فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له، بل ينبغي أن يكون حرامًا، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكؤ، أو ظهر لفعله فائدة، وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه، فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه فلا تجوز له الحسبة بل تحرم» انتهى بنصه.
الرابط المختصر :