العنوان النخبة هم سبب النكبة
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
مشاهدات 75
نشر في العدد 1072
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
صراع التيارات وتبدل الولاءات
منذ نصف قرن من الزمان والأمة العربية والإسلامية تقودها في مختلف
المجالات الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية نخبة من المثقفين الذين تلقوا
تعليمهم في الغرب، أو على نهج الغرب في مختلف المجالات، وانقسموا إلى يمين ويسار،
فتارة يسيطر اليمينيون على مراكز التوجيه، وتارة يسيطر اليساريون، وتارة يتقاسمون
حسب اتجاهات الحكومات وقربها من الشرق أو الغرب أو محاولة الوقوف على الحياد
بينهما، ويقوم هؤلاء المثقفون في مجال الصحافة والإعلام التي يسيطرون عليها بتوجيه
الجماهير نحو ما يعتقدونه من أفكار، فاليمينيون يشيدون بما في الغرب من ديمقراطية
وتحرر اقتصادي واجتماعي، واليساريون يشيدون بما في الشرق من اشتراكية، وإنصاف
للعمال الكادحين، ورجال الحكم كل منهم يحاول تطبيق ما يعتنقه من أفكار في مجاله،
ويؤيده من هم في أجهزة الدولة من موظفين أو عاملين في قطاعات أخرى، أو اتحادات
مهنية أو منظمات ثقافية أو إعلامية، وتمر السنون والأمة في انتظار ذلك المستقبل
المشرق الذي سيغير حياتها، وينقلها من حالة الفقر والتخلف إلى حالة التقدم
والازدهار على أيدي أولئك المثقفين الذين يتعاقبون على القيادة، فماذا كانت
النتيجة، لقد أوجز أحد الكتاب في دولة عربية هذه الأزمات التي أصابت الأمة فيما
يلي:
1- أزمة سياسية تتعلق بتصلب شرايين المشاركة في صنع القرارات الكبرى.
2- أزمة اقتصادية تتعلق بمحدودية قاعدة الموارد وتنميتها وتنويعها. 3- أزمة ثقافية
تتعلق بالمواءمة بين ثوابت الأصالة ومتطلبات الحداثة. 4- أزمة اجتماعية تتعلق
بعدالة توزيع الفرص والأعباء. 5- أزمة قومية تتعلق بالدور العربي والإقليمي. 6-
أزمة خارجية تتعلق بالقدرة على المواءمة بين الحفاظ على الاستقلال الوطني ومتطلبات
الانفتاح على العالم.
المدهش أن أناسًا من القيادات الفكرية والإعلامية كانوا إلى وقت قريب
ضد الهيمنة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وكانوا يحرضون الجماهير ضد
الغرب ومشاريع الغرب وثقافة الغرب ويشنون حملات شعواء على ما يسمونه بالرجعية
العربية، وعملاء الإمبريالية، وحتى صحف الخليج كانوا يسمونها بالصحف النفطية
ويعيرون من يكتب فيها، فأين هم الآن؟ لقد انبطحوا أمام الغرب، ومشاريع الغرب
وأصبحوا يبشرون بالعالم الجديد الذي تقوده أمريكا، وأصبحت عندهم (إسرائيل) دولة
مسالمة في المنطقة يجب التعامل معها إلى أقصى الحدود ونفتح صدورنا وقلوبنا لليهود
إخواننا في الإنسانية والسامية، أما من يقف ضد (إسرائيل) ويطالب بتحرير فلسطين
وعودة أهلها إليها فهو غير واقعي ومتخلف ورجعي، وإذا حمل السلاح فهو إرهابي.
النظرة إلى الإسلام ومصطلح الإسلام
السياسي
أما الأمر الذي لم يغيروا نظرتهم إليه ولم يراجعوا أفكارهم حوله فهو
الإسلام، فلا يكتبون شيئًا عن فضل الإسلام على العرب، ولا عن مبادئ الإسلام
الأخلاقية والإنسانية، بل الإسلام في نظرهم رجعي، ومن يدعو إليه متخلف يريد أن
يرجع عقارب الساعة إلى الوراء، بل وإرهابي حتى لو دعا إلى الوسطية والاعتدال.
ثم ما معنى ما يرددونه دائمًا عن الإسلام السياسي، فهل هناك إسلام
سياسي وإسلام غير سياسي؟ إن مصطلح «الإسلام السياسي» يخفي وراءه فكرة لا يستطيع
حاملها أن يبوح بها لأنه يعلم كل العلم أنه إذا باح بها سيكشف أوراقه كلها
وبالتالي سيخسر ما يراهن عليه، وسيكون مرفوضًا من كل جماهير المسلمين الذين يؤمنون
بأن دينهم شامل لكل نواحي الحياة، وأن شريعتهم الإسلامية يجب تحكيمها في
مجتمعاتهم، وأن القول بغير ذلك يتعارض مع نصوص القرآن الواضحة المتمثلة في بعض
الآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44)، ﴿وَمَنْ
لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:
45)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
(المائدة: 47). وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ
يُحكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
فشل الأنظمة العلمانية واليسارية
أحدهم يكتب: أن ما تعانيه بلاده من أزمات اقتصادية لا يسمح بقيام دولة
على أساس الإسلام، لأن الإسلام سيحرمها من الفن والسياحة التي تدر العملات الصعبة،
وكذلك سيحرمها من مساعدات أمريكا والغرب، وأن الشعب المرهق بالآلام طيلة السنين
الماضية لا يتحمل قطع هذه المساعدات، أليس ذلك اعترافًا منهم بأنهم فشلوا؟ وإلا ما
سبب هذه الآلام التي تعانيها شعوبهم والإسلام الذي يخشونه لا يحكم في شؤون
مجتمعاتهم.
لقد أقيمت أنظمة علمانية في بعض البلاد العربية والإسلامية استمرت
سنين طويلة فكانت الأوضاع كلها إلى انحدار في كل المجالات، وفي إحدى البلاد
العربية أقيم نظام يساري ماركسي لمدة ربع قرن من الزمان، كانت البلاد خلالها تعيش
في حالة من الإرهاب، فالكثير من الناس قضوا نحبهم تحت التعذيب في السجون، وبعضهم
يغتال في الشوارع بواسطة جهاز المخابرات، وتردت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية
إلى أدنى مستوى، وعم الفساد كل أجهزة الحكم، وكانت نتيجة الصراع بين أجنحة الحزب
الحاكم أن قتل الآلاف في الاصطدامات المسلحة، وذهب ضحيتها كثير من المدنيين في
الشوارع، وفي مجال الصراعات فجرت طائرة في الجو وهي تحمل عددًا كثيرًا من
السياسيين غير المرغوب فيهم، فلقوا مصرعهم جميعا ومع ذلك نسمع هؤلاء في أجهزة
إعلامهم وتصريحاتهم يرمون غيرهم بتهمة الإرهاب، يا له من تضليل مفضوح «رمتني
بدائها وانسلت».
الفساد المستشري وغياب المحاسبة
ومع أن الفساد ضارب أطنابه في أكثر من بلد عربي وإسلامي، فإنه يقال
تبريرًا لهذا الفساد أن هناك فسادًا أيضًا في إيطاليا، وفسادًا في فرنسا، كما نسمع
في الأخبار، ولكننا ننسى أن في إيطاليا من قام في وجه الفساد، وكشف أصحابه حتى
أبعدوا عن الحكم والشعب في فرنسا أسقط الحزب الذي استشرى فيه الفساد، ولكن الأنظمة
المستبدة تتستر على الفساد، وهو فساد لا مقارنة بينه وبين ما هو في إيطاليا
وفرنسا، ولكنه لا يظهر إلا بعد أن يقضي على الأخضر واليابس. ولا يسعنا إلا أن
نقول: «ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا» فمع شديد الأسف والألم فإن النخبة هم
سبب النكبة وحسبنا الله ونعم الوكيل.
انظر أيضا:
النخبة.. وأثرها الريادي في المجتمع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل