العنوان الحركة الإسلامية السودانية - آليات التغيير ودلالات الواقع
الكاتب محمد جميل أحمد همد
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000
مشاهدات 75
نشر في العدد 1412
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-أغسطس-2000
حاول د. حسن الترابي القفز من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة عبر إلغاء استراتيجية التربية.. فلم ينجح.
تصورت الحركة الإسلامية السودانية أن العمل الجماهيري غير المنضبط هو المخرج الوحيد للعمل الإسلامي.. ولم يكن ذلك صحيحًا.
إذا كانت تداعيات الأحداث في الرابع من رمضان الماضي هي الفصل الأخير لما كان مضمرًا من صراع الأجنحة في صفوف الحركة الإسلامية في السودان، فإنها وفي قراءة أخرى تطور طبيعي لمآلات المنهج الحركي الذي اختطته الحركة التي يتزعمها د. حسن الترابي عبر العديد من التجارب السياسية المتقلبة خلال العقود الثلاثة الماضية. وهي الثمرة المرة لتركيز الحركة على التغيير السياسي كأساس للتغيير الاجتماعي دون العكس.
وعلى الرغم من القراءات النقدية الجادة التي حاولت أن تتوصل لأسباب الأزمة وطرق علاجها، إلا أن أغلب هذه التحليلات لم يتجاوز النقد المباشر دون أن يستند إلى استقراء نقدي لتاريخ الحركة الإسلامية السودانية في تجارب التغيير السياسي أو يتكئ على المقدمات الفكرية والحركية لاجتهادات الدكتور حسن الترابي لهذا التغيير، ذلك أنه من الصعوبة بمكان فصل تجارب الحركة في الشأن السياسي عن المشروع الفكري والحركي للدكتور حسن الترابي.
ولقد كانت سنوات الإنقاذ العشر المناخ المهيأ لتطبيق آراء الدكتور الترابي وأفكاره السياسية حيث إنه تمكن من إنزال اجتهاداته الفكرية والحركية إلى الواقع العملي ووضعها موضع التنفيذ، ابتداء بمشروع الاستراتيجية القومية الشاملة، وانتهاء بصياغة مسودة الدستور عام ۱۹۹۸م.
ولأن أزمة الرابع من رمضان كانت العلامة الفارقة في فشل المنهج الحركي الذي أبدعه الدكتور الترابي فلا بد من إضاءة تاريخية تكشف طبيعة الخلل في هذا المنهج.
يكمن الإشكال الأساسي في مشروع الحركة «الجبهة الإسلامية سابقًا المؤتمر الوطني الشعبي حاليًا» في محاولة القفز على مراحل التسلسل الطبيعي للتغيير خلافًا لمفهوم الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11)، فهذه الآية القطعية الدلالة التي تضمنت مشمولات التغيير وفق التسلسل الطبيعي «الفرد- النفس- المجتمع- القوم ومن ثم الحالة السياسية أي الدولة» تقاطعت دلالتها تقاطعًا عكسيًا، مع منهج الحركة، أي لقد اختزل المنهج الحركي للجبهة الإسلامية مراحل التغيير في المرحلة الأخيرة «التغيير السياسي»، دون أي اعتبار لبقية المراحل الأساسية الأخرى.
ومن ثم نبعت كل الإشكالات الأخرى التي رافقت المسيرة السياسية للحركة من هذه الإشكال الأم وتعددت مظاهره في كل تجربة أو موقف سياسي اجتماعي اقتصادي.
ولإيجاد المسوغات النظرية في أولوية التغيير السياسي على حساب مراحل التغيير الأخرى لجأ الدكتور الترابي ومنذ أمد بعيد إلى إيجاد بدائل فقهية لمرحلة ما بعد الدعوة أي الدولة تحت غطاء التجديد، تمثلت هذه البدائل الفقهية في ابتداع صيغ فقهية تتجاوز الصيغ المعتبرة شرعًا تحت شعار الدولة الإسلامية العصرية، أي لقد استدعت حاجة التغيير السياسي هذه الصيغ الفقهية لتلافي تناقضات الواقع العملي بعد استتباب الحكم للحركة، ولذلك كانت الفتاوى الشاذة للدكتور الترابي من قبيل عدم قتل المرتد إلا في حالة حمل السلاح، والقول بإيمان أهل الكتاب، واستثمار نظرية المصلحة، واستخدام مصطلح القياس الواسع، والقول بشعبية الاجتهاد، وغير ذلك من الفتاوى الموجودة في كتاباته ومحاضراته، تلك الفتاوى والآراء كان الهدف منها إمكان تذليل صعوبات انتقال الحركة من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة عبر إلغاء استراتيجية التربية وتذويب الحواجز التي يمكن أن تشكل أي عقبة أمام التغيير السياسي المنشود.
بمعنى آخر، حاولت هذه الفتاوى تأكيد إمكان التعايش بين النظام الإسلامي الجديد من جهة والمجتمع السوداني بكل أطيافه الحزبية وأشكاله النمطية من جهة أخرى، هذا المجتمع بأحزابه: الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الأمة. الحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث العربي وغيرها، وبشكله النمطي بما فيه من أعراف وقيم متأثرة بالنمط الاستعماري ومنحرفة عن القيم الحقيقية لمفهوم المجتمع الإسلامي الحقيقي وقطاعاته الخدمية المدنية المنبثقة عن الإدارة الاستعمارية، إضافة إلى الانقطاع التاريخي لهذا المجتمع عن شكل الحكم والإدارة الإسلاميين بفعل الاستعمار الذي أسس شكلًا جديدًا لهذا المجتمع من خلال الإعلام وسياسات التعليم والتصورات العامة للحياة الاجتماعية الحديثة.
لقد كان على الدكتور حسن الترابي استقطاب كل التناقضات التي تنشأ من جراء الحكم الإسلامي الجديد في الواقع الاجتماعي بكل تعقيداته، مستفيدًا من مشاركاته السياسية المحدودة في فترات سابقة «عهد النميري ثم الصادق المهدي»، ومعولًا على حركة البشير باعتبارها انقلابًا إسلاميًا مائة بالمائة، وتأسيسًا على هذه الخلفية التاريخية يمكننا تفسير وقراءة أزمات الحركة، وحتى رمضان الماضي.
تتجلى الأزمة الحقيقية للحركة في طبيعة منهج التغيير الفكري وتطبيقاته في الواقع العملي، فما منهج التغيير الذي انتهجته الحركة؟ وما آثاره السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع والدولة؟
التغيير:
تجاهلت الحركة في حمى الصراع السياسي شروط التغيير الاجتماعي والتي دونها لا يمكن أن يتم أي تغيير حقيقي في المجتمع والدولة، وهي الشرط التاريخي والشرط الشرعي والشرط الواقعي:
1- الشرط التاريخي: بمعنى أن القراءة التاريخية لمجتمع ما يراد تغييره هي المقدمة الأساسية لهذا التغيير.
ولقد عانى المجتمع السوداني تاريخيًا انحرافًا عن الفهم الحقيقي للإسلام وانقطاعًا عن شكل الإدارة والحكم بفعل الاستعمار، وتخلفًا عامًا لأسباب ذاتية وموضوعية ضمن انحطاط شامل للمجتمعات الإسلامية أدى إلى إفراز واقع القابلية للاستعمار، إذ إن الجهل والتخلف العقدي أو الاجتماعي، والتقليد، وسلطة الولاء القبلي، وفساد ذات البين، كل ذلك كان سائدًا لقرون طويلة لا تقل عن خمسة قرون وأكثر.
إن إشكال التغيير كان إشكال تغيير حضاري، وليس تغييرًا سياسيًا، ثم جاء الاستعمار الذي هو نتيجة لهذا الواقع المتخلف وأعاد إنتاج الانحراف عن الإسلام، ولكن بخطط مدروسة في كل مجالات الحياة: التعليم والإعلام والثقافة، واستطاع تكوين نخب اجتماعية متنفذة في إدارة المجتمع والحكم والسياسة بعد خروجه من السودان. هذا الواقع الاجتماعي المتخلف يتقاطع تمامًا مع ما يجب أن تكون عليه الأمة الإسلامية، ويتناقض تمامًا مع الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55) وأصبح الأمر عكس ذلك. فتحول المجتمع المستخلف إلى مجتمع مستعمر وتحول تمكين الدين إلى إزاحة للإسلام عن واقع الحياة، وتحولت العبادة إلى مظاهر منحرفة وشعائر خاصة، كل هذا الانحراف الطويل والعميق كان يستدعي من الحركة الإسلامية دراسة جادة لتاريخ الانحراف والبحث عن تغيير شامل يوازي عمق الانحراف، ويبدأ من حيث بدأ الانحراف أي يبدأ بإبراز الصورة الحقيقية للإسلام عبر تصحيح التصور والسلوك من خلال القدوة العملية ضمن استراتيجية التربية التي هي المعادل الموضوعي لهذا الانحراف الشامل.
٢- الشرط الشرعي: وهو يتمثل في الالتزام المنضبط بالمرجعية الإسلامية في التغيير من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وحركية السيرة النبوية، فالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية والسيرة واضحة في منهجية التغيير وآلياته. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد: 11) وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: 53)، ووضحت آليات التغيير، قال تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164).
فالتربية هي استراتيجية التغيير الاجتماعي والابتلاء الشرعي هو مقياس التغيير، قال تعالى ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 141)، فالتمحيص الذي هو الابتلاء مقدم على محق الكفر، وتغيير النفوس عبر التربية والابتلاء هو المقدمة الأساسية والمعبر الحقيقي لتغيير الأحوال السياسية والاقتصادية.
والقرآن الكريم لم يكتف بتوضيح آليات التغيير، بل اعتبرها سننًا تاريخية واجتماعية أي قوانين لا تتخلف عن شروطها أبدًا متى ما توافرت.
وبدلًا من أن تنتهج الحركة السودانية آليات التغيير الإسلامي المنضبطة، اتجهت إلى آليات تكتيكية حسب الظروف المواتية كالتعبئة السياسية في مناخ الحريات، وإقامة التحالفات السياسية مع الأنظمة «عسكرية ومدنية».. والاتجاه إلى البدائل الاقتصادية «إقامة البنوك الإسلامية. تأسيس المنظمات والمشاريع ومحاولة إيجاد بدائل فنية لما هو كائن في المجتمع «الغناء والأناشيد». كل ذلك تحت دعوى العمل الجماهيري المفتوح في محاولة لاستيعاب طاقات المجتمع المتنوعة ضمن التوجه الإسلامي والتركيز على الإعلام المرئي والمسموع والمقروء كأنجع وسيلة للتغيير، ولقد رافق الحركة وهي تتجه نحو العمل الجماهيري تحت شعار «إسلامية الهدف شعبية الصف» خطاب نقدي حاد لحركة الإخوان المسلمين، ينعى عليهم صفوية التنظيم، وضبابية الرؤية السياسية، وكأن العمل الجماهيري غير المنضبط هو المخرج الوحيد للعمل الإسلامي.
3-الشرط الواقعي: ونقصد به استيعاب التصور الحقيقي لدراسة هذا الواقع قبل أن تتمكن الحركة الإسلامية من الحكم السياسي. ذلك أن هذا الواقع المعقد هو الصخرة التي تتبدد عليها جهود العمل الإسلامي عندما يهمل تغييره عبر استراتيجية التربية أو حينما يحاول ضبطه وتوجيهه بمعزل عن ذلك، ولقد عجزت البدائل الفقهية، والفتاوى السياسية للدكتور الترابي عن تكييف هذا الواقع مع طموحات الحركة، فهذا الواقع الاجتماعي بكل تعقيداته يخضع في تغييره لسنن اجتماعية لا تتخلف ولا تخضع في الوقت ذاته للأهواء والآراء وهذا الواقع المحلي والدولي كان أكبر التحديات التي أجهضت مشروعه من خلال عقباته المتجددة في كل خطوة من خطوات التغيير.
فالمجتمع السوداني «الواقع المحلي» بمختلف قطاعاته ابتداء من الشخصية النمطية للمواطن السوداني ومرورًا بالنخب الفاعلة فيه وانتهاء بمجموع العلاقات التي تتحكم في سيره مثل عقبة كأداء للحكومة الإسلامية، بما تحمله من تصورات عن الحكم والإدارة، في صراع مع متنفذي الإدارة والحكم السابقين، والكوادر الفنية والمهنية، بسبب عدم إمكان التناغم بين تلك النخب والكوادر مع الحكومة، ومن ثم كان تفضيل أهل الولاء على أهل الكفاءة هو المعيار في استخدام المتنفذين الجدد واستبقاء من يواليهم من السابقين، الأمر الذي أدى إلى حدوث فراغ في القطاعات الخدمية والمهنية بفعل النقص في الكفاءات نتيجة لمحدودية الكم العددي للحركة قياسًا بالمجتمع، مما حدا ببعض ذوي المصالح العاجلة لملء هذا الفراغ، وأفضى ذلك في النهاية إلى التخفف من الالتزام الشرعي تجاه هذه الخدمات، وأكبر دليل على أن التغيير لم يمس جوهر المجتمع نتائج أزمة الرابع من رمضان، إذ إن الأغلبية الصامتة من الشعب لم تتحيز لفئة دون فئة من طرفي الخلاف.
ونتيجة لإهمال استراتيجية التربية وتجاوز الشروط الأساسية للتغيير الاجتماعي التي ذكرناها آنفًا، دخلت حركة د. الترابي في سلسلة من الأزمات طيلة السنوات العشر، كانت هي الثمار المرة لمنهجية التغيير السياسي، ويمكننا تلخيص هذه الأزمات في ثلاثة محاور أساسية:
1- الأزمة الاجتماعية: فشلت الحركة في إيجاد قاعدة اجتماعية صلبة تتحمل تبعات الحكم الإسلامي ولو على مستوى الشعارات، ولقد نتج عن ذلك انقطاع المجتمع على مفترق الطرق ذلك أن الإعلان عن الشعارات الإسلامية كتطبيق الشريعة كان كافيًا لتكالب المجتمع الدولي على السودان بالحصار الاقتصادي والقطيعة السياسية والعزلة واستعداء بعض الدول المجاورة في المحيط الإقليمي.
ولقد كان لهذه الضغوط نتائج قاسية أدت إلى أزمات اقتصادية طاحنة وما تفرع منها من التفكك الاجتماعي وتعطيل مرافق الحياة العامة وانحسار مستوى المعيشة إلى ما تحت خط الفقر، وأدى ذلك إلى نتائج عكسية في القيم الأخلاقية التي جاءت الشريعة أصلًا لمحاربتها. هذا بالإضافة إلى الخلط المتعمد بين مصطلح الشريعة وبين القانون الجنائي كذريعة لاستقطاب عاطفة التدين في المجتمع من أجل تحمل المزيد من الضغوط لقد كان على هذا المجتمع أن يتحمل معاناة اجتماعية من أجل شعارات لم يتحقق بعضها، وفي الوقت ذاته، لم تحاول الحركة خلق توازن يقوم على المصالح ويسمح بأدنى التزامات العيش الكريم للمجتمع من خلال الحفاظ على المحيط الإقليمي والدولي، وهذا ما تم مؤخرًا بعد الرابع من رمضان، ولكن على حساب وحدة العمل الإسلامي وشعاراته.
2- الحرب والسلام: ورثت الحركة الإسلامية حربًا مزمنة في جنوب السودان، لها عمق تاريخي وامتدادات إقليمية من الصعوبة بمكان حسمها بالحل العسكري وتمشيًا مع تسهيلات الحل السلمي، أصدرت الحكومة بيانًا يستثني الجنوب السوداني من تطبيق أحكام الشريعة استئناسًا للقوى السياسية الجنوبية المحاربة، ورغبة في إمكان الحوار، ولكن سرعان ما استعرت الحرب بشدة في الجنوب، فيما عرف بعمليات صيف العبور، حيث حاولت الحكومة حسم المشكلة عسكريًا، وحررت الكثير من مناطق الجنوب إلا أن الدعم الإقليمي والدولي لحركة التمرد أطال أمد الحرب ثم دخلت الحكومة في اتفاقية سلام مع بعض القوى الجنوبية تضمنت حق تقرير المصير للجنوب في سابقة تخالف ثوابت السياسة السودانية تجاه جنوب السودان وتخالف ثوابت الأمن العربي والإسلامي، وذلك کرد فعل على مقررات المعارضة السودانية التي تضمنت حق تقرير المصير للجنوب، وأخيرًا لجأت الحكومة إلى القبول بمبادئ دول الإيقاد لحل مشكلة الجنوب، وهي مبادئ تتعارض مع مبادئ الحركة الإسلامية، ولا تزال مشكلة الجنوب تراوح مكانها بعد سنوات من تجارب الحرب والسلام، هذا فضلًا عن امتداد نطاق الحرب للشرق والغرب.
3-وحدة العمل الإسلامي: أدت منهجية التغيير السياسي للحركة إلى تعريض وحدة الحركة للانشقاق والانقسام كنتيجة للانهماك في العمل السياسي اليومي والذي بطبيعته لا يخلو من اختلاف الآراء. كما ألقت الضغوط الدولية بثقلها على مدى عشر سنوات، وأثرت في نخب القيادة السياسية للحركة فدب الخلاف الذي أدى إلى ازدواجية القيادة، وتعدد موازين القوى وانعكس ذلك على السياسات التي توجه عمل الدولة، وهذا بالإضافة إلى التنافس على المصالح العاجلة الذي ظهر كنتيجة لاستيعاب الحركة قواعد عريضة من الجماهير من ذوي المنفعة العاجلة، بعيدًا عن استراتيجية التربية التي هي الضمانة الحقيقية لشفافية الحركة ونزاهتها، حين تمارس مهام الحكم وإدارة الدولة.
وهكذا يتبين لنا أن ما حدث في الرابع من رمضان وما تلاه من انشقاق في صف الحركة الإسلامية السودانية كان ثمرة مرة للتجريب السياسي بعيدًا عن الالتزام بالمرجعية الإسلامية المنضبطة في التغيير الاجتماعي.