; الشيخ يعلن عزل الملك لتعاونه مع الأعداء | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ يعلن عزل الملك لتعاونه مع الأعداء

الكاتب أبو هالة

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1972

مشاهدات 92

نشر في العدد 94

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 04-أبريل-1972

الشيخ يعلن عزل الملك لتعاونه مع الأعداء     

الأوضاع في المنطقة العربية من بلاد المسلمين تموج بأحداث جِسام! وهدير أمواج الخلاف بين حكام المنطقة يشتد في قوة وعنف، حتى تعلن الحروب الأهلية بين أبناء الأمة الواحدة التي أراد الله لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس يوم أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، ويستعين الحكام بالجيوش التي فرضٌ فيها أن تكون حامية للبيضة وحارسة للثغور من أعداء الله.. في حرب مع أبناء جلدتهم وعمومتهم وإخوان عقيدتهم! مستغلين في ذلك بيعة معقودة لهم وطاعة مفروضة فيهم نحو حكامهم..

وبدلًا من أن يجهزها للفتح وإقامة العدل وإحقاق سلطان شريعة الله في الأرض.. وجهودها نحو بغي مزعوم وفتنة مصطنعة من إخوانهم على أطراف المملكة.. وحفاظًا على الكرسي واتقاءً لزلزلته من تحتهم، تحرك جيش الشام ليرى نفسه وجهًا لوجهٍ مع جيش مصر!

يوم الكريهة!

· وكان يوم الكريهة والنزال مظللة سماؤه بالغيوم السوداء تحمل حمام الموت لكل محارب، وتسجل الملائكة مئات القتلى الذين خرجوا على تعاليم الإسلام التي أوضحها رسوله عليه الصلاة والسلام «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بالُ المقتول؟ قال: لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه».

متى حدث ذلك؟!

· في القرن السابع الهجري، أي منذ حوالي ستمائة عام.. كان يحكم بلادَ الشام التي تضم «شرق الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان» أحدُ السلاطين الذي لُقب زورًا وبهتانًا «بالملك الصالح إسماعيل»! وكان يحكم مصر في ذلك الوقت أيضًا ابن عمه «الملك الصالح نجم الدين أيوب».

أسباب الخلاف!

· وإن كان التحقيق لم يصل إلى الأسباب الحقيقية للخلاف الذي نشب بين بني العم.. إلا أن ظاهرة الأطماع البشرية التي تجعل من «الكرسي» منصبًا مقدسًا يحرص عليه ولو بالدماء وإزهاق روح الأخوة وتمزيق عُرَى المودة والمحبة، وإلهائه في حرب أهلية تصدّه عن الفتوحات، وتشغله بنفسه عمّا سواه، فأعلنت الحرب بين الملكين!

موقف الأعداء!

· وكان طبيعيًّا أن يهتبلَ الفرصة أعداء الإسلام الذين دوّختهم مهارة الجند الإسلاميين وإيمانهم واستماتتهم أعوامًا طويلة، والذين عرفوا من منطلقهم أنهم لا يُهزمون وإن تكالبت عليهم قوى الأرض جميعًا، ما دام قرآنهم يحكم بوحدة العقيدة والسلوك والمنهج والزعامة الواحدة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، فما كان من نتائج الرصد والترقّب التي ظلت طَوَال سبعمائة عام تعمل جهدَها في صبر دون كلل.. إلا أن ترقب الأحداث في المنطقة التي تراها مقدسة عندها، وتود يومًا أن يكون لها سلطانٌ عليها يرفع الصليب على دور حكمها ومجالس شعوبها.. إلا أن تغتنم الفرصة وتُذكي نار الفتنة وتشارك بالسلاح والعتاد والخبرات والكفاءات في فنون القتل والخديعة والمكر والقتال.. حيث قد عجزت عن المواجهة المباشرة فتَتَرَّسَت بمن يحملون «يافطة إسلام»!

وكان الموقف مناسبًا جدًّا حينما أعلنت الحرب بين الملكين المسلمين وساهمت قوات «الفرنجة» مساهمة فعلية مباشرة وغير مباشرة في مساعدة الملك إسماعيل على الملك نجم الدين حتى تم للأول الانتصار في المعركة على ابن عمه!

المكاسب!

وتأتي نتيجة المساعدات العسكرية التي أمد بها «الفرنجة» إسماعيل في شكل معاهدة سرية.. يوقع عليها بأن يمتلك هؤلاء الصليبيون مواقع «استراتيجية» على ساحل البحر الأبيض المتوسط، تكون لهم مناطق نفوذ مستقلة تصلها الإمدادات من بلاد أوروبا التي أكل قلبها حقد دفين وظاهر على الإسلام ومعتنقيه، هذه المواقع هي قلعة صفد، وقلعة الشقيف وبلادها، ومناصفة صيدا، وطبرية وأعمالها وسائر بلاد الساحل، أليسوا هم الذين وقفوا بجواره سياسيًّا وعسكريًّا؟ والمثل يقول «أطعم الفم تستحي العين».. لذلك لم يجد الملك الصالح إسماعيل غضاضة في أن يُقطِعَهم هذه المناطق.. ما دام سيادته «بعون وإخلاص جنده وأصدقائه» ظَل متربعًا على عرش المملكة محروسًا بقوات الأعداء!

انكشاف الخديعة!

· ولكن الله الذي يعلم السر وأخفى، أوصل بقدرته العلية أنباء ما دُبِّرَ بليل إلى الفئة المخلصة التي خُدِعت طويلًا بمظاهر الإخلاص التي تُدَبَّجُ مراسيمها في سراديب القصر الملكي.. فكان لا بد أن تتحرك!

خلع السلطان!

· وكان تحركها سريعًا خاطفًا أخذ بالألباب، وجريئًا جرأة أصحاب الحق الذين باعوا أنفسهم لله، فلا يَثنيهم عرض من الدنيا زائل سواء كانوا في مناصب السيادة أو مراكز العبيد، فعبوديتهم لله وحده! وكانت خشيتهم فقط من جبّار السموات والأرض ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا (آل عمران: ٣٠)

واختاروا يوم «جمعة» حيث المؤتمر الجامع لأفراد الأمة مع سلطانهم، وتقدَّم شيخ الجامع الأموي ليصعد المنبر كعادته في موقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعظُ الناس ويُرسي قواعد العدل، وينصح لأئمة المسلمين دعامتهم! ووقف الشيخ «عز الدين بن عبد السلام» الذي فصمت عرى علاقته الطيبة بالملك خيانة للأمة، وخلعت من رِبْقته طاعته انكشاف حقيقة خداعه ودهائه.

فخاطب جموع المصلين -والملك حاضر!- بشرح وافٍ لدستور الحكم الإسلامي الذي لا يمنح الحاكم حق موالاة أعداء الإسلام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (الممتحنة: ١) وندَّد بالفعلة الشنعاء التي فعلها «إسماعيل» والجرم الكبير الذي اقترفه في حق الله والناس الذي لا يوصف بأقل من الخيانة! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (الأنفال: ٢٧)، وأنه ليس لخائن بيعة ولا عهد ولا سمع ولا طاعة، ولا ولاية ولا إمارة!

حتى كانت نهاية خطبته: «اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشدٍ، تعز فيه أولياءك، وتذل فيه أعداءك، ويُعمل فيه بطاعتك، ويُنهى فيه عن معصيتك».

اعتقال الشيخ

· وبُهِت الملك وبطانته، وصُرِع رجاله وحاشيته، وفور صلاة الجمعة ألقوا القبض على الشيخ وأودعوه السجن!

الاضطرابات..والمفاوضات

· وهاج الناس، وضجَّ العلماء واختلَّ الأمن في البلاد، وبدت نُذُرُ ثورة تجتاح العرش الملكي من قواعده! لكن الملك الذي يدير أمر دولته أبالسةُ الإنس، سوَّلوا له مفاوضة الشيخ وإغراءه.. فجاءه في سجنه من يتلطّف الحديث ويستظرف فعلته وغيرته، ويمد له في حبائل الإغراء قائلًا: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك ما كنت عليه وزيادة، أن تنكسر للسلطان، وتقبّل يده لا غير!

فنظر إليه «عزّ الدين» بإشفاقٍ وأسى! وردَّ عليه في عُنف الذي اشترى ما عند الله بما عند الناس: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (الأنعام: ١٥).
«واللَّهِ يا مسكين! ما أرضاه أن يقبِّل هو يدي، فضلًا أن أقبِّل يده! أنتم في وادٍ، وأنا في وادٍ آخر، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به».

معتقل خاص

· وكانت النتيجة أن أُودع معتقلًا خاصًّا أُنشئ له بجوار مركز السلطان «بالقدس» ليرى بعينيه ويسمع بأذنيه أن الأمور عادية ويسير على غير ما كان يهوى الشيخ ويظن، فيَفُتُّ ذلك في عضده، ويراجع موقفه! لكن الشيخ جعل من معتقله خلوة يراجع فيها آي الذكر الحكيم، ويُسمع «السلطان» آيات الله البيّنات لعله يرعوي! وأحال سجنه معتكفًا لله يأوي فيه إلى ركن شديد!

 لو كان هذا قسيسنا؟!

· وجاءت الملك وفود «الفرنجة» ملوكًا وقادة، يباركون المعاهدة يتسلّمون المواقع، وطرق آذانهم صوت الشيخ يرتل القرآن.. فقال لهم الملك في استرضاء خانع.. هذا أكبر «قسوس» المسلمين قد حبسته لإنكاره على تسليمي لكم حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق، وعن جميع مناصبه ثم أخرجته! فجاء إلى القدس، وقد جددتُ حبسه واعتقاله لأجلكم، فقالوا للملك: «لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه، وشربنا ماء الغسيل!».

انتقام الله!

· ولم يمضِ عامان على اعتقال الشيخ حتى كانت مصر أعلنت تعبئة عامة في سبيل الله، وتقدمت الجيوش المصرية مؤازرة بنصر الله، تجتاح البلاد حتى وصلت «القدس» وهزمت «إسماعيل» وحلفاءه، وارتفعت راية المسلمين من جديد على بلاد الشام وثغورها، وارتدّ «الفرنجة» على أعقابهم خاسرين، وحُمل الشيخ «عز الدين بن عبد السلام» إلى مصر ليتولى رئاسة القضاء هناك ويباشر تطبيق شريعة الله على الحكام والمحكومين على سواء، ويتصدى لكل انحراف يتراءى له عن صراط الله المستقيم..

· رحمة الله عليك يا «عز الدين» وفي مثوى الخالدين! 

أبو هالة

 

الرابط المختصر :