العنوان العقيدة وأثرها في بناء الجيل (4)
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1975
مشاهدات 96
نشر في العدد 234
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 28-يناير-1975
العقيدة وأثرها في بناء الجيل
والآن أين وصلت البشرية بعد أن أفلتت من ربقة الدين ولم تتقيد بعقيدة ثابتة ونادت بالتطور في الأخلاق والأديان والأفكار والتقاليد لقد ظهرت آثاره في أشد الدول رخاء من حيث المادة ظهرت آثاره فكانت
1- سوء في التوزيع، ثراء فاحش من ناحية وفقر مدقع من ناحية ترف من ناحية يقابله حقد وغيظ في قلب الفقير مما يجعل المجتمع على شفا بركان مهدد بانقضاض طبقة على طبقة
2 - الكبت والقمع والخوف في الأمم التي ادعى بعض حكامها أنهم يريدون عدالة التوزيع، وقامت المجازر على الطريق وسالت الدماء، حتى تناقص عدد المسلمين في الاتحاد السوفييتي (٢٦) مليونا في مدة ربع قرن بمعدل المليون ونيف سنويا، وفي يوغسلافيا مليون مسلم
3 - الانحلال النفسي والخلقي الذي يؤدي إلى تدمير الحياة المادية ذاتها لأن الحضارة لا بد لها من ضمان يحميها ومؤيدات تحفظها فإذا غرقت الأمة في وحل الجنس وعفن النزوات الحيوانية في المستنقع الآسن والتاريخ خير شاهد لقد اندثرت أثينا عندما عبدت الشهوة وكذلك ذهبت الإمبراطورية الرومانية التي استغرق بناؤها ألف عام وسقطت روما على يد ضربات من قبائل متوحشة همجية من الوندال والهون وذلك بعد أن ألهت روما فينوس الزانية كإلهة للجمال وباخوس السكير كإله للخمر وكيوبيد الذي تقول أساطيرهم الموروثة عن اليونان إنه ابن أفروديت إلهة الحب التي زنت من ثلاثة آلهة فأصبح كيوبيد إلها للحب
4 - القلق العصبي والتمزق النفسي والأمراض النفسية والعصبية والجسدية والقرح المعدية والشذوذ الجنسي وانفصام الشخصية والانتحار الذي أصبح ظاهرة خطيرة في المجتمعات المترفة خاصة في قطاعات التمثيل والسينما والمسارح والأمراض الجنسية حتى خصصت مئات المستشفيات للأمراض الجنسية كالزهري والسيلان ففي أمريكا مثلا كما تقول دائرة المعارف البريطانية يخصص للأمراض الجنسية أكثر من الأمراض بمجموعها عدا السل وذلك لأن ۹۰٪ من الشباب الأمريكي مصاب بالزهري و٦٠ % مصابون بالسيلان و ٤٠ % مصابون بالبرود الجنسي، ويموت سنويا ثلاثون إلى أربعين ألفا من الأطفال سنويا بمرض الزهري الموروث (۱)
وهذا يؤدي إلى عدم صلاحية كثير من الشباب للجندية فقد ردت فرنسا في الحرب الأولى سبعين ألفا لهذا السبب، وكذلك مليون من بين ستة ملايين في أمريكا لا يصلحون للجندية.
وهذا يؤدي إلى هبوط مستوى الذكاء وقلة الاحتمال وبالتالي قلة في الإنتاج وبالتالي
5- الخوف العالمي من الدمار الشامل في هذا العالم المضطرب وشبح الحرب الرهيب يضغط على أعصاب الكثيرين ويقض مضاجعهم.
6- ميل بعض الشعوب إلى الانقراض (۲) فمثلا في فرنسا عدد الجاليات ثلاثة وثلاثون مليونا من بين اثنين وأربعين مليونا من سكان فرنسا الأصليين
7 - بعض المظاهر التي تعبر عما تعانيه البشرية من حيرة وقلق وتعب، مظاهر الخنافس والهيبيين الذين أصبحوا يشكلون خطرا كبيرا على أمن أمريكا وأوروبا ويعقدون الاجتماعات التي قد تعد بالملايين فهم من جميع الطبقات الاجتماعية، في الشارع العام «أكلهم وشربهم وبرازهم ونكاحهم في مكان واحد ووسط الشارع»
والآن دعني أنقل إليك فقرة من كتاب الشهيد سيد قطب «خصائص التصور الإسلامي» (۳) وهو من أنضج ما كتب سيد قطب رحمه الله إذ يقول »والعاقل الواعي الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة، يراها تتخبط في تصوراتها وأنظمتها وأوضاعها وتقاليدها وعاداتها وحركاتها كلها تخبطا شنيعا، يراها تخلع ثيابها وتلقيها كالمهـــــووس، وتتشنج في حركاتها وتتلبط كالممسوس. يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد كما تغير أزياءها في الملابس وفق بيوت الأزياء!...
يراها تصرخ من الألم وتجري كالمطارد، وتضحك كالمجنون وتعربد كالسكير، وتبحث عن لا شيء؟ وتجري وراء أخيلة! وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار لعنة! لعنة كالتي تتحدث عنها الأساطير إنها تقتل الإنسان وتحوله إلى آلة لتضاعف الإنتاج! إنها تقضي على مقوماته الإنسانية وعلى إحساسه بالخلق والجمال والمعاني السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات ومنتجي الأفلام السينمائية ودور الأزياء.
وتنظر إلى وجوه الناس ونظراتهم وأزيائهم وحركاتهم وأفكارهم وآرائهم ودعواتهم، فيخيل إليك أنهم هاربون مطاردون لا يلوون على شيء ولا يتثبتون من شيء وهم هاربون فعلا هاربون من نفوسهم الجائعة القلقة الحائرة التي لا تستقر على شيء ثابت، ولا تدور حول محور ثابت. وحول هذه البشرية المنكودة زمرة من المستنفعين بهذه الحيرة الطاغية، وهذا الشرود القاتل.. زمرة من المرابين، ومنتجي السينما وصانعي الأزياء والصحفيين والكتاب.. يهتفون لها بالمزيد من التخبط والصرع والدوار، كلما تعبت وكلت خطاها وحنت إلى المدار المنضبط والمحور الثابت، وحاولت أن تعود.
زمرة تهتف لها: التطور، الانطلاق، التجديد بلا ضوابط ولا حدود.. إنها الجريمة. الجريمة المنكرة في حق البشرية كلها.. وفي حق هذا الجيل المنكود» (۱)
والآن تعال معي لأريك في الصورة المقابلة الشخصية المسلمة والمجتمع المسلم
الشخصية المسلمة التي بنتها العقيدة فتجد صاحبها مطمئن النفس هادئ البال قرير العين ليس بالقلق ولا بالحيران حتى كان يقول أحدهم «نحن في سعادة لو علمها الملوك لقاتلونا عليها» وقيل للعالم عبد الله بن المبارك «من الملوك؟ قال الزهاد، ثم قيل فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون بدينهم، ثم فمن سفلة السفلة؟ قال: الذين يصلحون دنيا غيرهم بتضييع دينهم»
ولعلك تتذوق معي حلاوة الأبيات التي كانت تتغنى بها رابعة العدوية
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب
وفي هذا المعنى يروي صهيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم »عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له. وإن اصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (۱)
والمسلم الذي استقرت العقيدة في أعماقه لا يقلق لأسباب منها
1 - ليس هنالك أسئلة في الكون تحيره، فهو يعلم أن الله واحد، وأن هذا الكون كله من خلق الله «الله خالق كل شيء» وهو يعلم أن الإنسان قبضة من طين ونفخة من روح، خلقه رب العالمين بيديه، وبدأ رحلته من الجنة ونزل إلى الأرض وأن له طريقا مستقيما توصله إلى منازله الأولى.
فحي على جنات عدن فإنها
منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى
نعود إلى أوطاننا ونسلم (۲)
هذا الطريق المستقيم هو اتباع القرآن والسنة، وأن له عدوا عنيدا سبب إخراجه من الجنة وهكذا كل الأسئلة التي تحير الفلاسفة والمفكرين أخبره عنها ربه فأراحه وطمأنه وصدر موثوق صادق يجيب له عن جميع استفساراته
2 - إنه يعلم أن هذه الدنيا ليست النهاية والجزاء ليس في هذه الأرض وأن إلى ربك المنتهى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ (النجم:39-41) (٣)
فما فاته في الدنيا سيعوض عليه في الآخرة والحياة الدنيا بالنسبة للآخرة كساعة من نهار، ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة:٣٨)
وهذا كله يسكب الطمأنينة في قلبه والسعادة في أعماقه وهذا يجعله يترفع على الصغائر وسفساف القول والعمل ويهتم بما عظم من الأمور
وهذا يربي عنده التضحية والبذل حتى أنه ليبذل روحه في سبيل الله طمعا فيما هو أكبر من النفس والأرض وهو الجنة، ولعلك تذكر ما قاله خالد بن الوليد رضي الله عنه لملك الروم «جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة»
وهذه التربية الإسلامية العالية هي التي جعلت المرأة من بني عبد الدار عندما أخبرت باستشهاد زوجها وأخيها وأبيها تقول: ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هو بخير قالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل، أي هيئة.
وهذه العقيدة التي ربت أمينة قطب الكاتبة الإسلامية المعاصرة شقيقة المرحوم الأستاذ سيد قطب، هذه المرأة التي تقدم لخطبتها أمير فرفضت وتقدم سفير فأبت وآثرت أن تخطب أحد المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة سنة ١٩٦٣ وانتظرته عشر سنوات أطول خطبة في التاريخ كما نظن وفي هذا العام ١٩٧٣ خرج زوجها من السجن وتزوجت.
3- وهو مطمئن لأنه يعلم أن الرزق محدود والأجل مقدر ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ﴾ (آل عمران:145) ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون ﴾ (الذاريات: 22)
والاطمئنان إلى أن كل شيء في هذا الكون بقدر. وأن الله عز وجل وراء كل حدث وفوق كل نفس وهو (فعال لما يريد) وغالب على أمره ولا معقب لحكمه، وإليه يرجع الأمر كله ط، ولله خزائن السماوات والأرض يعز من يشاء ويذل من يشاء.
وهذا الاعتقاد يجعل الإنسان أعز من على الأرض ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ﴾(فاطر: 10)
وهذا الاعتقاد الذي أخرج أمثال ابن تيمية الذي تحدى حكام زمنه الذين زجوا به في سجن القلعة قائلا: ماذا تصنعون بي؟ إن قتلي شهادة وإن سجني خلوة وإن نفيي سياحة. ولهذه العقيدة أبناؤها البررة في كل زمان فليصغ إلى العز ابن عبد السلام من وراء القرون وهو يرد على رسول الملك الصالح إسماعيل الذي أرجاه أن يعتذر للسلطان ويقبل يده حتى يعيد إليه مناصب القضاء فقال: «والله لو قبل يدي ما قبلت، يا قوم أنتم في واد ونحن في واد، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به».
وفي هذا العصر كان من أبنائها البررة الأستاذ سيد قطب الذي كانت تعرض عليه مناصب الدنيا من وراء القضبان ولكنه آثر الزنزانة على البريق الخادع واللألاء الكاذب وكان يقول: إن أصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفًا واحدا تقر به حكم طاغية»
وكان يقول: لماذا أسترحم؟ إن كنت محكوما بحق فأنا أرتضي حكم الحق وإن كنت محكوما بباطل، فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل»
الرابط المختصر :