العنوان وطنية «التدمير الذاتي» أمريكياً.. دحر النظام العراقي واحتلال العراق بداية الحرب لا نهايتها
الكاتب أسامة أبو رشيد
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003
مشاهدات 59
نشر في العدد 1545
نشر في الصفحة 34
السبت 05-أبريل-2003
دشنت الولايات المتحدة تهديداتها بشن الحرب على العراق محولة الكلمات والتهديد والوعيد إلى أفعال وصواريخ وقذائف، ومعلنة في الوقت ذاته نبأ نقل الأمم المتحدة إلى «غرفة العناية المركزة»، جراء فشل وظيفي جوهري في مهامها، بحيث شكل هذا الحدث مفارقة صارخة، فالأمم المتحدة التي تلقت شهادة ميلادها أمريكياً بعد الحرب العالمية الثانية، تنتظر الآن شهادة نعيها أمريكياً أيضاً، خصوصاً بعد أن فشل الجراح الأمريكي في استئصال الأورام الخبيثة التي تعاني منها، بسبب المناخ اللا صحي الذي فرضته الولايات المتحدة عليها. أما النظام الرسمي العربي، فهو ليس بحاجة إلى شهادة نعي أمريكية، ولا حتى إلى نقله إلى غرفة العناية المركزة، فهو في حالة غيبوبة تامة منذ أن تشكلت بناه الأساسية في مرحلة ما بعد الاستعمار القديم.
قد تنجح الولايات المتحدة في قلب نظام الحكم في بغداد، واعتقال أو قتل الرئيس العراقي، كما أن رغباتها قد تتحقق في العراق، خصوصاً إن قامت بعض القيادات العسكرية بانقلاب أو استسلام جماعي كما قد يصمد العراق لأسابيع، لا لأيام ويكبد القوات الأمريكية - البريطانية المتحالفة خسائر غير متوقعة، حتى وإن كان سينهار بعد ذلك، فالعالم يعرف ذلك التفاوت الصارخ في موازين القوى.
نعم، قد تنجح الولايات المتحدة، في هزيمة نظام متداع، يمثل جزءاً من النظام العربي الرسمي الجاثم على صدور الشعوب منذ أكثر من خمسين عاماً. ولكن ما تفشل الإدارة الأمريكية في فهمه واستيعابه أن الحرب الحقيقية لا تتمثل في هزيمة نظام الرئيس صدام حسين وقلبه، كما أنها لا تتمثل في السيطرة على العراق.. كلا، الحرب الحقيقية ستبدأ عندما تقرر القوات الأمريكية البقاء في العراق كمستعمر بذريعة حفظ الأمن وإعمار العراق، أما التداعي الآخر بعد قلب النظام العراقي، فسيتمثل في تكثيف وتصعيد مشاعر الحقد والغضب بين شعوب المنطقة ضد الولايات المتحدة، والتي ستخلق بدورها بدل «قاعدة» واحدة عشرات إن لم تكن مئات منها.
أما الأخطر من هذا وذاك على مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية وأمنها، فسيتمثل في تلك «الثقافة الجديدة» التي تشيد أمريكا الآن أساساتها إن لم يكن بنيانها في المنطقة، فالشعوب العربية وصلت إلى مرحلة الإيمان المطلق بأن أنظمتها قامت لتستمر، واستمرأت الشعوب عبر آليات الإخضاع النفسية المعنوية هيمنة النظام، وآمنت بالإطلاق بأن بركاناً لن يهز ثبات هذه الأنظمة ويزعزع هيبة کراسيها. أما الآن وهي ترى سقوط نظام دكتاتوري قمعي، ووقوع عاصمة عربية كبغداد، بمكانتها التاريخية والدينية كعاصمة لخلافة الإسلام زمن الدولة العباسية، فإنه سيضيف إلى غضبها على أمريكا ذات المعايير المزدوجة، صدمة على صعيد الوعي الجمعي لها، سيترجم حنقاً آخر تجاه أنظمتها وسيزيد من جرأتها عليها، خصوصاً وهي تتابع الصواريخ تنهمر على بغداد من سمائها العارية من الدفاعات في ظل صمت عربي رسمي. لقد عرت أمريكا بنفسها أنظمة قمعت شعوبها برضاها ودعمها، وأظهرتها أمريكا على حقيقتها أمام شعوبها، عاجزة، فاقدة الهيبة، تستجدي العطف للحفاظ على العمل المنوط بها أمريكياً، في مرحلة ما بعد تطويع العراق، وبروز الحاجة إلى التخلي عن كثير من الحمولات الزائدة أمريكياً في المنطقة.
الشعوب العربية سنمت تجرع كأس الصبر وهي ترى ما يجري على أرض فلسطين الطاهرة من عدوان وإرهاب صهيوني على شعب شقيق. الشعوب العربية ضاقت بكأس الصبر وهي ترى أمريكا تثبت لهم يوماً بعد يوم أن لها ثأراً مع العالم الإسلامي، جراء فشل هذه الإدارة اليمينية المتعمد في توضيح أهدافها، والفصل ما بين رؤى متطرفيها وعمى الألوان الذي يعانون منه من ناحية، وسياساتها الخارجية من ناحية أخرى.
هناك شعوب عربية وصلت إلى مرحلة الكفر بأنظمة ظنتها يوماً قدراً وجانباً مهاباً، فإذا بها تظهر كمجموعة دمى تحركها أصابع أجنبية، حتى وصل الأمر إلى حد تهديد هذا النظام أو ذاك بتغييره وإعادة رسم خريطته السياسية أو الأيديولوجية أو الجغرافية. إسقاط أمريكا للنظام العراقي سيؤكد لهذه الشعوب أن عشرات المليارات التي تقتطع من أقواتهم، وعلى حساب برامج التنمية الشراء سلاح بزعم أنه لتعزيز الأمن الوطني ما هي إلا كذبة كبيرة.
لو سأل أي عاقل اليوم عن أنجح مجند ومروج لتنظيم القاعدة عدو أمريكا الأول، لأجاب أمريكا! كيف؟ ببساطة، فإن أي مواطن عربي سيفهم جراء السياسات الأمريكية الخارجية غير المحسوبة وغير الموزونة أن تنظيرات القاعدة في محلها، وأن هجماتها في كل من نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱ هي الطريق أليس غريباً أن جل الشعوب العربية كانت ضد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ثم ما لبثت استطلاعات الرأي في العالم العربي أن أنبأت بأنه لو جرت انتخابات حرة ونزيهة فيه، لتربع أسامة بن لادن على عرش ذاك العالم بأصوات ٧٩% من شعوبه.. لماذا تحول بن لادن إلى رمز في العالم العربي والإسلامي بعد أن كان شخصاً يعيش على الهامش؟ أليس السبب في ذلك سياسات الإدارة الأمريكية الخارجية وخلطها المقصود وغير المبرر بين الإسلام والإرهاب بين أفغانستان وطالبان بين العراق والقاعدة؟
سياسات غير محسوبة تروج لها الإدارة الأمريكية تدفع الناس في العالمين العربي والإسلامي إلى صفوف المتشددين على حساب التيار العام المعتدل الراغب في الحوار والتعايش المشترك.
الشعوب العربية تتساءل اليوم: كيف تريد أمريكا العدالة واستقرار المنطقة، وهي تؤيد وتمول وتحمي العدوان الصهيوني على شعب فلسطين وتجرنه على مقدسات قرابة مليار ونصف مليار مسلم؟
كيف يعقل أن تسوق أمريكا خطورة النظام العراقي على المنطقة بزعمها امتلاكه أسلحة دمار شامل، في حين أن «إسرائيل» لم تتردد في التهديد بها علناً وتتفاخر بامتلاكها؟
أكثر من ذلك كيف سيقبل العالم العربي الذرائع الأمريكية بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وأنه استخدمها وسيستخدمها ضد شعبه، وهي نفسها تهدد باستخدام قنابل نووية محدودة ضد العراق، والتي لن تكون نتائجها أقل من عشرات أضعاف ما حدث في حلبجة، التي بدأت أمريكا فجأة في التباكي عليها؟ كيف يقبل العالم العربي المسوغات الأمريكية وهو يرى أطفال العراق وشعبه مبتلين بأمراض السرطان بكل أنواعه جراء اليورانيوم المنضب وغير المنصب الذي تقصفهم به الولايات المتحدة صباح مساء؟ نعم، قد تنتصر الولايات المتحدة بهذه الحرب بسهولة أو بعد صراع قصير أو طويل، ولكن هذا النصر لن يكون نتيجة هذه الحرب النهائية، بقدر ما أنه سيكون إعلان بدئها، وفي هذه المرة لن تجد الولايات المتحدة دولة تضربها كما العراق، فهي ستقاتل جماعات غاضبة، لا ترهب الموت ولا تأبه بحسابات الربح والخسارة السياسية، ثم في مرحلة تالية بعد سنوات قد تجد نفسها في مواجهة ثورات في العالم العربي هنا ستبدأ المعركة الحقيقية، وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة، وهذا هو التحدي الاستراتيجي الحقيقي لأمنها القومي ومصالحها في المنطقة.
ونعود مجدداً إلى بعض الأنظمة العربية وموقفها من العدوان على العراق، فهي بعد أن فشلت في دبلوماسيتها «الزائفة» لتجنب الحرب، وبعد أن بانت سوءاتها في القمتين العربية والإسلامية، أقول بعد فشلهم ذاك، وتقديمهم الاستقالة، لا من مناصبهم، لا سمح الله، بل من مسؤولياتهم التاريخية، نجدهم الآن يلقون اللوم على العراق في فشله تجنب الحرب!. سبحان الله.
نحن نعلم أنهم ليسوا مغيبين عن الحقائق، ونعلم أنهم يعلمون أن العراق لم يكن يملك قرار الحرب من عدمه، ولكنهم يدارون فشلهم بإلقاء خطابات ييحون بها أصواتهم لإخلاء الذمة.
مرة أخرى هذه الحرب غير المشروعة وغير المبررة، لن تكون بداية الحرب الحقيقية بالنسبة للولايات المتحدة، بقدر ما ستبدأ هذه الحرب فعلياً بعد دحر النظام العراقي واحتلال العراق، كرامة الأمة لن تسمح ببقائها في موقع المتفرج إلى الأبد، وأسامة بن لادن ومنطقه سيشهدان ازدهاراً كبيراً على حساب تيار التعقل والاعتدال، وستعيش الولايات المتحدة تهديدات جديدة لم تعهدها من قبل جراء هذه السياسات التي تحكم عقول المتطرفين في هذه الإدارة هذا ما حاول العاقلون في هذه البلد (أمريكا) التحذير منه قبل انطلاق شرارة الحرب، ولكن صيحاتهم ضاعت في أجواء مصطنعة ترى في دعم حرب على بلد لا يمتلك أسلحة تؤهله للدفاع عن نفسه أمام جيش صغير، فضلاً عن الصمود أمام قوة الولايات المتحدة جزءاً من الوطنية «الزائفة»، في حين تمت مصادرة رأي الأغلبية بأن حرباً ظالمة لا تمت للوطنية بحال إن معارضي الحرب هم الوطنيون وهم الغيورون على مصلحة بلدهم أمريكا، فها قد استعدت أمريكا العالم من أجل طموحات شخصية مريضة وبترول تحصل عليه بشروطها في كل الأحوال، وأيضاً من أجل مصالح دولة أجنبية ثالثة يعلم الجميع أنها «إسرائيل».
أيقتضي تعريف الوطنية أمريكياً - واتكلم الآن كأمريكي عربي ومسلم - أن نعرض أمن هذه البلد ومصالحها للخطر في المرحلة المقبلة، وإدخالها في معارك استنزاف قد تكسبها، ولكنها في كل الأحوال ستستنفدها في أفق ضعضعة مكانتها عالمياً بل وحتى انهيارها على المدى الطويل أو حتى المتوسط أهذه هي الوطنية الأمريكية؟ وطنية التدمير الذاتي؟
الرابط المختصر :