; البعد الاقتصادي للصوم | مجلة المجتمع

العنوان البعد الاقتصادي للصوم

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2013

مشاهدات 60

نشر في العدد 2063

نشر في الصفحة 66

السبت 27-يوليو-2013

البعد الاقتصادي للصوم

في كتاب المغني لابن قدامة يرحمه الله عرف الصوم بأنه الإمساك، يقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، قال تعالى ﴿فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ﴿٢٦﴾﴾ (مريم)، أي صمتًا، لأنه إمساك عن الكلام، قال أحد الشعراء

خيل صيام وخيل غير صائمة *****  تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما  

ومن ثم فالصوم الشرعي أي في عرف الشرع واصطلاحه هو عبارة عن الإمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص، كما قال بذلك علماؤنا.

والصوم له فضل عظيم، فهو سر وعمل باطن لا يراه الخلق ولا يدخله الرياء، وهو قهر العدو الله إبليس اللعين لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب وما دامت أرض الشهوات مخصبة فالشياطين يترددون على ذلك المرعى ويترك الشهوات تضيق عليهم المسالك. 

والصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدين القيم.. قال تعالى  ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ﴿١١٢﴾(النحل) وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (سورة القصص : ٧٦ - ۸۳) ، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله. 

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها، وهو عمل يذمه الإسلام ذمًا كبيرًا، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من أثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

إن للصوم أبعادًا اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلًا الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه.. فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد إن من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ 

من الضروريات الصيانة دينه ونفسه ونسله، والحفظ عقله وماله كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدودا لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إن الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيرًا، فالإنسان هو الذي يقرر مستوى رفاهته ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثريًا، وبإمكانه ان كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته. 

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الانتاجية عادوا ليقرروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبيًا، وقد قال كل واشرب والبس وتصدق ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة ...

وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله كل سرف فيإزانه حق مضيع لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بقوائد جسمية، فهل تتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف ؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالًا لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشركة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم ؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

409

الثلاثاء 31-مارس-1970

الكهرباء .. والمياه أولاً

نشر في العدد 17

106

الثلاثاء 07-يوليو-1970

الجوع علاج

نشر في العدد 42

107

الثلاثاء 05-يناير-1971

الظماء.. والري.. والتأمل