العنوان السودان الوحدة الوطنية ومسألة الاتحاد الفيدرالي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 928
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 15-أغسطس-1989
- الشيوعيون السودانيون روجوا للنظام الإقليمي تحت شعار تنمية
الثقافات المحلية من أجل ضعضعة الثقافة الإسلامية وتحطيم سيادة اللغة العربية
في الجنوب
- تجربة الحكم الإقليمي السابقة شابتها استبدادية نظام النميري
وأفسدها حب التسلط تحت مزاعم السيادة المركزية.
- التنوع الثقافي لا يشكل حاجزًا أمام مرتكزات الهوية الوطنية في
إطار الدولة الاتحادية المركزية.
على مدى الثلاث سنوات الماضية كانت جلُّ
تطلعات الجماهير في السودان تتمركز نحو إمكانية نجاح الحكومة في تحقيق هدف الوحدة
الوطنية ولم الشمل القومي الذي انفرط عقده إبان استبداد الدكتاتورية النميرية،
ويأتي الاهتمام بقضية الوحدة الوطنية على رأس سلم الأولويات بعد أن ازدادت حمى
الدعاوى الانفصالية، وأنفلت زمام الأمن في دارفور وكان القتال القبلي خبرا يوميًّا
وبات قاموس السياسة السودانية يسمح بظهور الوحدات الانقسامية ضمن التشكيلات
المجازة قانونًا دونما أدنى تحرج من خطورة الدوران في فلك التورمات الإقليمية
والعشائرية التي ستؤدي بدورها حتمًا إلى شرذمة الدولة لدويلات متنافرة... فقد شهدت
الساحة السودانية في فترات متقدمة تجمعات باسم اتحاد جبال النوبا والذي انبثق عنه
فيما بعد الحزب القومي السوداني (المتعنصر ضد العرب باسم الزنوجة) واتحاد أبناء
البحر الأحمر وجبهة أبناء دارفور «سوني» هذا في الوقت الذي تعاملت فيه
الحكومات الوطنية المختلفة بصورة شرعية مع الأحزاب الجنوبية التي كرست وتكرس
الانقسام بين الشمال والجنوب.
الاتحادية المركزية:
بقيام ثورة ٣٠ يونيو رفعت القيادة الجديدة
شعار الوحدة الوطنية، ودعت إلى نبذ أسباب الفرقة سواء تلك المتدثرة بأثواب الحزبية
أو القائمة على مرتكزات الإقليمية والعشائرية الضيقة... وقد أبدى الفريق عمر حسن
البشير رغبة الثورة تلك في تصريح دعا فيه إلى إقامة نظام اتحاد مركزي «فيدرالية
مركزية» يستجيب لتطلعات الأقاليم السودانية المختلفة في التنمية وصياغة الأساليب
الإدارية المحلية كل بحسب التحديات الموضوعية للإقليم، وهو ما يخلق توازنا
إيجابيًّا بين المركزية الصارمة الإقليمية الطامحة... والدعوة للاتحادية
المركزية... تأصيلًا للنظام الإداري الذي ظلت الحكومات السابقة تدعو لتطبيقه وقد
تجنبت الحكومات الحزبية في الفترات الماضية من الخوض في تجربته باعتبار أن
فلسفتها لتكريس الحزبية المركزية لا تقبل القسمة على خمسة أقاليم ولهذا لم تكن
الأحزاب تطرح موضوع نوعية الحكم الإداري إلا في صورته التقليدية التي تؤول فيها
الإدارة المحلية إلى زعماء العشائر ونظام القبائل، وهو نظام أقل ما يمكن أن يقال
فيه أنه يساعد في تفتيت الشعور الوطني ويستبدله بالدوائر العرقية الضيقة وأما
الحكومة الوحيدة التي أرادت أن تخطو صوب تطوير الإدارة في الأطر الإقليمية فهي
حكومة المخلوع جعفر نميري وقد شاب تلك التجربة التفكير المصلي الذي خلعه نميري على
كل مؤسساته مما صبغ تجربة الحكم الإقليمي بما يشبه الصورة التكميلية للنظام
المركزي.
الوحدة الاتحادية:
إن الدعوة للاتحادية المركزية لها عدة
مبررات كما أن لها منزلقات خطيرة.. فالاتحادية المركزية في دولة شاسعة المساحة
مترامية الأطراف تغدو نمطًا مفروضًا تحتمه المعايير الجغرافية بالإضافة إلى التنوع
المجتمعي ثقافة وسلوكًا ومن العنت أن تساس كل تلك الأقوام على سلك واحد ينتظم تحركهم
دونما مراعاة للاختلافات النوعية الشاخصة في سلوكهم الحياتي و... غير أن المنزلقات
تبدأ من المدخل المتصل بالتنوع الثقافي والوجودي وهنا يجب أن تراعي الدولة ضرورة
التأطير القانوني والتربوي والإداري في صياغة الأسس الضابطة المساحة التحرك
الإقليمي فإنه من غير المعقول أن تصاغ الإقليمية على أنظمة تكرس الانعزالية
الثقافية فتغدو الدولة وكأنها تقدم على الانتحار الجزئي.... فلا تمس الثوابت
الرئيسية في الدولة فالتنوع ينقسم إلى قسمين من حيث دلالته القومية أحدهما يمارس
في نطاق الأطُر العامة للثقافة الوطنية والآخر ينزع إلى إقامة أسس بديلة وهذا
الأخير هو الذي يزيد من أسباب الفرقة فلابد أن يكون التنوع منضبطًا بالأسس العامة
للثقافة السائدة، ومن هنا فإن الدعوة لإحياء العادات والتقاليد المندثرة باسم
التنوع الثقافي ليس لها مكان في الوحدة الاتحادية، كما أن الدعوات إلى شرذمة اللسان
الوطني باستنهاض اللهجات الإقليمية المختلفة والتي لم يسبق بها العهد أن خرجت عن
نطاقها القبلي الضيق... وهو سعي يتبناه الحزب الشيوعي السوداني منطلقا بذلك لهدم
اللغة العربية والثقافة الإسلامية كما يجد بعض الرواج لدى قلة من العلمانيين
المستلبين للثقافة والتاريخ الغربي... والأغرب من ذلك أن فئات من العروبيين جذبتهم
مفردات الدجل الإقليمي باسم التنوع الثقافي وانطلت عليهم خطورة المساعي الهادمة
للغة العربية والثقافة الإسلامية إذا ما فكت طلاسم تلك اللهجات المحلية المنعزلة.
الجنوب والفيدرالية:
إن كبرى الحقائق الموضوعية في الحكم
الاتحادي المركزي يقدمها الوجود المميز الجنوب السودان وهي حقائق كرستها الأوضاع
السياسية الاستعمارية قديمًا وألهبت استمراريتها غير المبررة أهداف غامضة لحركات
التمرد التي ظلت تتعاطى القضية حينا باسم الدولة الانفصالية في الجنوب كما هو
الحال في مرحلة التمرد الأولى والتي قادتها منظمة أنانيا بزعامة جوزيف لاقو، وإفرى
جادين، ووليم ديتف والتي انتهت باتفاقيات أديس أبابا ۱۹۷۲، وحينا آخر تحت شعار تحرير السودان من الشعوب غير الزنجية كما هو
مرفوع في حركة التمرد الحالية والتي تقودها إحدى فروع قبيلة الدينكا تحت زعامة جون
قرنق، ولام أكول غير أن الأغلبية العظمى من سكان جنوب السودان وزعمائه يرون أن
الحل يكمن في تثبيت حكم اتحادي مركزي يعطي الجنوب السوداني حرية أوسع في تنفيذ
مشاريع التنمية وتطوير العلائق الداخلية للإدارة المحلية وإفساح المجال أمام
التنوع الثقافي والفكري لينحو في أجواء أكثر رحابة وهو موقف يجد تمنيته لدى
القيادة السودانية الجديدة، كما يجد تقديره لدى جمهرة واسعة من الإداريين
السودانيين غير أن تثمين نظام الاتحادي المركزي لا يجعل التصور الوطني والقومي
ينسى هامشيات الانعزالية التي يمكن أن تتشعب وتتجذر في غفلة، إن هي لم تقنن في
إطار الدولة السيادية، وهو أمر يمكن أن يعالج من خلال المرحلية الإدارية والتطور
النوعي الذي يمكن أن يرعى بصورة طبيعية خالية من القفزات وتجاوز الحقائق الموضوعية.
إطار لازم:
ويبقى أن النظام الفيدرالي «الاتحادي
المركزي» نظامًا قابلًا للتطبيق في ظل دولة تحفظ الحقوق وتراعي العدل في أحكامها
ومنطلقاتها ولا تؤثر على إقامة حقائق مواضعها شهوات في السيطرة والتحكم وفي
ذات الوقت تبقى الهوية ومقوماتها شاخصة ونابضة في كل مرفق وركن من الدولة وخاصًة
فيما يتعلق باللغة العربية التي يتكلمها ٧٠% من السودانيين كلغة أصيلة و٩٥% منهم
كلغة تعامل حضاري.. كما تبقى راية الثقافة الإسلامية مرتكزًا أساسيًّا للدولة
ويعبر عن الإسلام دين الأغلبية الساحقة حيث نسبة المسلمين تقارب ٨٤% من مجموع
السكان ويأخذ التعبير عن ذلك في القوانين المختلفة للبلاد وفي التصورات العامة
للحياة دون الإخلال بحقوق الأقليات هنا وهناك، والحق يقال إن الأقليات غير المسلمة
في السودان لا تملك ضمنًا توجهه للمسلمين خاصة دون غيرهم وهو منطق يعززه التاريخ
فحينما قامت الثورة المهدية انخرط أبناء جنوب السودان مثلهم في ذلك كمثل سائر
العرب والمسلمين في الشمال وما عرف الجنوب وضعه ذاك إلا في ظل الاستعمار ونظامه
البغيض، وإذا كانت حكومة الأحزاب تبنت في بعض أطروحاتها إقامة أحكام الشريعة
الإسلامية في الشمال دون الجنوب، فإن الوضع الجديد يمكن أن يستثمر الوحدة الوطنية
ووحدة الصف في عدم التفريق بين الشمال والجنوب في الأحكام الأساسية على أقل تقدير
وبالطبع فإن الشريعة الإسلامية أو الحكم الإسلامي لا يعني الحدود والقوانين
الجنائية والجزائية، وإنما هو إطار مرجعي جامع يصبغ الحياة في شتَّى مناحيها
بالحكمة الإسلامية والمثل والقيم الحضارية المتفردة في إسلام النفس والحياة لله رب
العالمين... فهي قائمة في النظام التربوي والسياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي
والقضائي كما أنها تؤطر العلاقات الدبلوماسية والدولية وما إلى ذلك... فهل تطرح
حكومة الإنقاذ الوطني الاتحادية المركزية في إطار الموضوعية الوطنية وتقنن ذلك ضمن
دستور يحدد نقاط التلاقي ويركز عليها ويحذر من سلبيات الانقسام ويمنع تورماتها؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل