العنوان «أجل.. لقد فقأت عينه..»
الكاتب رضوان عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1989
مشاهدات 73
نشر في العدد 934
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 26-سبتمبر-1989
–
السلام عليكم.
نظر عمر إلى
أرتال الحجارة الصغيرة التي صفها يوسف بانتظام، لتُشكل مخطط بيت كامل بحديقة
وغرفة، ورغم أنه أُعجب بهذا الانسجام بين الحجارة وما أريد لها من تصميم، إلا أنه
قال وببراءة ابن العاشرة، منتهرًا:
– الحجارة ليست
لمثل هذا اللعب يا يوسف.
ورمقه بنظرة
استصغار، بينما أصدقاؤه ينظرون إليه جميعًا باهتمام، وكأنه قائد مجموعة حربية. ثم
قال بثقة أكبر، وبصوت أكثر ارتفاعًا:
– نحن نستعمل
الحجارة يا يوسف في رمي اليهود... أجل اليهود... ولا نضيع وقتنا في العبث بها مثلك
أيها الطفل الصغير.
يوسف مغتاظًا:
أنا لا أسمح لك أن تقول لي «طفل صغير»، فسني كسنك.. أنسيت أننا في مدرسة واحدة،
وفي صف واحد؟ ثم «باستغراب»: كيف ترمون اليهود بالحجارة وهم يحملون بنادق وقنابل؟!
عمر: وهل تتصور
- أيها المغفل - أنهم يستطيعون مقابلة حجارتنا برصاصهم؟
– وما الذي
يمنعهم؟
– الذي يمنعهم
أنهم كبار ونحن صغار... وأنهم فوق ذلك جبناء.
يوسف بدهشة:
اليهود جبناء!! يا إلهي... إذًا كيف قتلوا أبي عندما كنت وليدًا؟
عمر باهتمام
وتركيز: ربما غدروا به، أو كانوا مجموعة كبيرة، وكان وحيدًا... ألم تجرب رميهم
بالحجارة وتلمس جبنهم؟
يوسف بارتباك:
لا.. لم أجرب.
عمر بحدة:
ولماذا؟ أتخاف منهم؟
يوسف: أنا لا
أُجيد رمي الحجارة.. ألا تذكر عندما كنا نذهب إلى النهر كيف أن حجارتي كانت تسقط
دائمًا في مائه، بينما حجارتكم تصل إلى ضفته الأخرى؟
– هذه ليست
مشكلة.. تعال واذهب معنا، لترى كيف تصل حجارتك إليهم.
– أشك في ذلك..
– حتى لو لم تصل
إليهم، يكفي أن يرونا كُثرًا، ويروا حجارتنا جميعًا حتى نبعث في نفوسهم الخوف
والاضطراب.
يوسف بخوف واضح:
وإذا رمونا بالرصاص؟
– نموت شهداء...
– وأمي؟
– لا تخبرها
الآن حتى لا تمنعك.. وعندما نعود تحكي لها كل التفاصيل، وستبارك لك ذلك..
– ولكن كيف ستصل
حجارتي إليهم؟
– قلت لك هذه
ليست مهمة.. المهم أن تقول «الله أكبر» عند كل حجر ترميه، هيا معنا بسرعة.. هيا..
فلقد سبقنا أطفال الحي المجاور...
وفرط عقد
البيت... فقد تخاطف الأولاد حجارته وانصرفوا...
– أحس عيناي
تدمعان كثيرًا يا عمر، ماذا أفعل؟
– اصمد يا يوسف؛
فهؤلاء الأوغاد يرموننا بالقنابل المسيلة للدموع، حاول أن ترمي حجارتك بسرعة..
– ولكنني لا أرى
جيدًا...
– كُن رجلًا يا
يوسف... وارمِ حجارتك..
ولكن يوسف لم
يدرِ ماذا يفعل، عيناه تدمعان، ورفاقه يهربون تارة، ويكرون أخرى وهو معهم
كالببغاء، لا يملك إلا أن يقلدهم.. ولكنهم بين الفينة والأخرى كانوا يرشقون جنود
العدو بالحجارة كلما دنوا منهم، ثم يهربون كالبرق الخاطف... وكان يستعد لرمي
حجره... وينظر إلى جنود العدو من سيرمي منهم؟ وكيف سيرمي؟ ولكن أقرانه يكونون قد
رموا وانسحبوا... فينسحب معهم دون أن يرمي... وضاق ذرعًا بذلك... وأحس بأنه أضعف
من أن يكون حتى طفلًا مثلهم... وماذا عليه أن يفعل إذًا؟
– أأعود
بحجارتي؟ يا خجلتاه من أصدقائي.. أأتركهم وأعود لأمي؟ لا.. فلن يكون مكاني بين
النساء.. أأتقدم؟ وقلبي المرتجف؟
ونظر حوله
بإمعان.. إلى أصدقائه.. ثم إلى جنود الكفر الذين يكرههم.. إلى الشارع الذي هو
فيه... وفجأة لاحت له تلك الشجرة الكبيرة، والتي تقبع في ضفة الشارع اليمنى...
وأبصر جنديًا يهوديًا يُسرع بالعدو تجاهه، وهو يستعد لرمي قنبلة جديدة.. فما كان
من يوسف إلا أن عدا هو الآخر تجاه الشجرة، وجعلها الفاصلة للرؤيا بينه وبين ذاك
الجندي، وعمر من خلفه يناديه.
– ارجع يا
يوسف.. ارجع... أين أنت ماضٍ؟ الجندي أمامك... يوسف... يوسف... ولكن يوسف لم يأبه
بالنداء... بل تناول حجره، وقد سبق الجندي باحتضان تلك الشجرة، وصاح: بسم الله...
الله أكبر... وسمع الأولاد صوت تأوه شديد، وجندي يتلوى على الأرض، ويوسف يعدو
إليهم فرحًا: لقد فقأت عينه... لقد فقأت عينه... لقد فقأ... وارتطم الصوت
بالأرض... فقد تبعته رصاصة غادرة، أصابت ساقه…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل