; الاقتصادي الإسلامي د. منذر القحف: الأولى بالمسلمين استثمار أموالهم في بلاد المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان الاقتصادي الإسلامي د. منذر القحف: الأولى بالمسلمين استثمار أموالهم في بلاد المسلمين

الكاتب د. منذر القحف

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1989

مشاهدات 57

نشر في العدد 926

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 01-أغسطس-1989

الدكتور منذر القحف أمريكي الجنسية، عربي الأصل، خبير في الاقتصاد الإسلامي... عاش في الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية مدة طويلة، التقت به المجتمع وطرحت عليه ما يتعلق باهتماماته هذه الأسئلة... وكان الحوار التالي معه:

المجتمع: باعتباركم من المتخصصين في المجال الاقتصادي هل تعتقدون أن الاقتصاد القائم على «السوق الحرة» قد نجح في تأمين الحياة الرغيدة للشعوب الغربية؟ 

د. القحفأرغب قبل أن أجيب على سؤالكم الأول في أن أشكر مجلة المجتمع على إتاحة فرصة هذا اللقاء، وأن أتمنى لها استمرار النجاح واستمرار تقديم الفكرة الطيبة الثرية لجميع القراء

ثم إن لي تعديلًا طفيفًا على صيغة السؤال وهو استبدال كلمة «القائم على السوق الحرة» بكلمة «الرأسمالي» لأنها أكثر دقة في التعبير عن السمة العامة للنظام الاقتصادي المشار إليه.

أما إجابتي على السؤال فهي بكلمة واحدة: نعم، والأمر يحتاج إلى تفصيل. أمَّا أن الاقتصاد الحر قد حقق للمجتمعات التي تبنته حياة رغيدة فهذا أمر نلاحظه ونراه بأعيننا. انظر إذا شئت إلى جميع المنتجات الصناعية والزراعية وأنواع الخدمات التي تتمتعون بها في الكويت مثلًا وفي كثير من البلدان العربية والإسلامية، أليست كلها من منتجات النظام الاقتصادي الحر استعيرت في المجتمعات الإسلامية؟ ثم انظر إلى التقدم التقني «التكنولوجي» الذي حققه ذلك النظام الحر أليس شيئًا كبيرًا حقًّا يعمل على تحقيق معنى تسخير الأرض وما فيها من موارد والجو وما فيه من طاقات؟ ثم أعمل فكرك أيضًا في كثير من المعاني الثقافية التي حققها التقدم المادي من جد في العمل ودقة في المواعيد واحترام للكلمة وغير ذلك. ولكن هذه الإنجازات الكثيرة والمهمة لم تكن بدون منغصات أي إن فيها غبشًا غير قليل، ففي الوقت الذي ارتفع فيه مستوى الدخل ومستوى الإنفاق ومستوى استهلاك السلع والخدمات في ظل الاقتصاد الحر ارتفعت أيضًا الجريمة وتفككت الأسرة، واتخذت العلاقة بين الرجل والمرأة منحى فقدت فيه الكثير من السكن والطمأنينة وفقدت الشقة والمحبة بين الجيران وتكاثرت الهموم والمشكلات النفسية مما زاد في معدلات الانتحار والحالات العصبية كما وجدت أنواع من الأمراض الجسمية والنفسية والاجتماعية

ينبغي أن يلاحظ أن النظام الاقتصادي القائم على السوق الحرة- بشكل من أشكاله الأولى- موجود أيضًا في كثير من البلدان خارج أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية ولكنه في هذه البلدان إما أنه حديث فيها أو أنه مترافق بظروف أخرى لم تمكنه من تحقيق ما حققه في بلدان أوروبا الغربية وشمال أمريكا بالإضافة إلى مشكلات في البطالة والتضخم النقدي والدورات الاقتصادية إلخ.. إذن فما هي المشكلة؟ 

إن بعض هذه المنغصات يرتبط بطبيعة النظام الاقتصادي القائم على حرية السوق ولكن كثيرًا منها ناشئ عن أسباب أخرى وقيم أخرى تعيشها مجتمعات أوروبا الغربية وشمال أمريكا «وقد تشاركها في جوانب كثيرة منها مجتمعات أخرى» ثم أعود إلى ما يلتصق بنظام حرية السوق نفسه. عاشت المجتمعات الغربية قيمًا فكرية واجتماعية ناشئة عن ميراثها العقدي. من هذه القيم كثرة التركيز على الحياة الدنيا وضعف معاني الآخرة في الفكر الأوروبي الأمريكي.. أسباب ذلك معروفة في عمق العقائد الرومانية اليهودية النصرانية. ولكن نتائجه ترافقت مع نتائج الحرية الاقتصادية بتوافق زمني مكاني بحت حيث إن نظام الحرية الاقتصادية ترعرع في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية في ظل عقائد معينة. ومن هذه النتائج الخواء الروحي الذي رافق نظام الاقتصاد الحر، ومن نتائجه أيضًا عدم التوازن بين زيادة استهلاك السلع والخدمات من جهة في مقابل تلبية الحاجات الروحية للإنسان من ارتباط بالخالق سبحانه وتعالى وإحساس بالامتداد عبر الزمن-الحياة بعد الموت- وما لذلك من آثار مباشرة على السلوك الإنساني الاقتصادي وغيره، ومن نتائج هذا النوع من القيم أيضًا ما يسمى بالمنافسة الفتاكة بين الصناع والتجار والتعلق الكبير- الذي ليس له ما يعوضه- بالمنافع المادية

ومن القيم التي أوجدها النظام الاقتصادي الحر في الغرب فارتبطت آثارها بآثاره قضية الاصطفاء وهي المقولة التي ترى أن الرجل الأوروبي الأشقر هو أفضل من غيره، وعندما يتحدثون عادة عن الإنسان والمساواة والحرية فالمعني ما يتعلق بالرجل الأوروبي الأشقر، فالمرأة ليست مساوية للرجل وغير الأوروبي ليس مساويًا للأوروبي والأسمر والأسود ليسا مساويين للأشقر أو الأبيض. هذا أفرز تطبيقًا محدودًا ضيقًا لمسائل الأخوة والحرية والديمقراطية والمساواة. ونشأ عنه جميع قضايا الاستقلال الاقتصادي والاستعمار السياسي للأنثى وللشعوب الأخرى ولغير البيض. مما أدى بطبيعة الحال إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية على مستوى كل بلد وحده والدولية على مستوى العلاقات بين الدول والشعوب.

أكتفي بهذا القدر لأن الأمر طويل ويحتاج إلى بيان كثير لعلنا نجد له موضعًا في غير هذا المجال، وأنتقل إلى المنغصات التي نشأت عن طبيعة النظام الاقتصادي القائم على السوق الحرة. وهنا أريد الإشارة إلى مسألتين أساسيتين هما مسألة الاتساق الداخلي للنظام ومسألة مفهوم المنفعة فيه.

أما الاتساق الداخلي فإنه يقوم على نظرية أنه لو ترك كل إنسان يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية فإن مصالح الجميع سيتم تحقيقها. وهذه نظرية معروفة في الاقتصاد الحر. ولكن التجربة الواقعية على مدى ما يقرب من القرنين من الزمان أكدت عدم صحة هذه المقولة وأنه لا بد من وسيلة أصيلة من داخل النظام نفسه لإعادة توزيع الثروة والدخل فهناك من لا تستطيع قدراته أن تصل به إلى تلبية حاجاته ومن تقصر به هذه القدرات رغم بذلها لأسباب أخرى خارجة عن سعيه وعمله وغير ذلك. ولقد توصلت التجربة الواقعية في الاقتصاد الحر في الغرب إلى هذه النتيجة بعد معاناة طويلة اضطر بعدها إلى إدخال بعض أدوات التغيير والتعديل في النظام نفسه ولكن هذه الأدوات لم تصل إلى أن تشكل جزءًا من طبيعة النظام مما يجعلها عرضة للتغيير والتبديل حسب إرادة السلطة السياسية في المجتمع

وأما مفهوم المنفعة في النظام الاقتصادي القائم على حرية السوق فإنه يقوم على اعتبار كل ما يمكن تسويقه نافعًا وكل ما يؤدي إلى ربح في السوق وسلعة تباع وتشترى وكل ما يمكن أن يطلب في السوق نافعًا دون معيار أخلاقي، وكما لخص بنجامين فرنكلين النظام الحر بكلمتين هما كسب المال

TO MAKE MONEY OUT OF MAN

ويقتضي ذلك أن القيمة السوقية لا علاقة لها بالقيمة الأخلاقية، فالقيمة السوقية يحددها وجود طلب وعرض لها في السوق منفصلًا عن أي عامل خارجي. فكل ما له قيمة سوقية يعتبر حسنًا من وجهة نظر النظام الاقتصادي القائم على حرية السوق.

هذا المفهوم أدى إلى مفارقة ملحوظة بين قضايا العدل والحسن والصواب وحركة السوق، فأية علاقة اقتصادية أو مالية طالما أن لها عرضًا وطلبًا في السوق يصبح لها سعر. وقد نشأ عن ذلك وجود علاقات اقتصادية في نظام حرية السوق يمكن أن توصف بمنافاتها لمبادئ العدل والصواب من ذلك مثلًا تداول أنواع من السلع هي بنفسها ضارة كالخمور، ووجود بعض علاقات اقتصادية هي بنفسها غير عادلة كالريا.

المجتمع: هل تعتقدون أن النظرية الاقتصادية الإسلامية قابلة للتطبيق في المجتمعات الغربية؟

د. القحف: نعم، إن النظام الاقتصادي الإسلامي قابل للتطبيق في المجتمعات الغربية بل قد تتوفر له بعض الأرضية الضرورية في المجتمعات الغربية أكثر مما تتوفر في مجتمعات أخرى. ولكن ينبغي أن يلاحظ أن للنظام الاقتصادي الإسلامي ارتباطًا كبيرًا بجوانب أخرى من النظام الإسلامي فمثلًا المواريث في الإسلام لها تأثير على توزيع الثروة وما ينشأ عنها من توزيع الدخل والزكاة لها من الحوافز والدوافع الدينية والأخلاقية ما له تأثير كبير في كيفية تطبيقها.

ولكن ذلك ينبغي ألّا يعني أنه لا يمكن تطبيق النظام الاقتصادي إلا بتطبيق جميع الإسلام إذ من المعروف أن جوانب من نظم الإسلام قد طبقت تاريخيًّا دون جوانب أخرى، وبنفس الوقت ينبغي ملاحظة أن التطبيق الجزئي للإسلام لا يجعل المجتمع مسلمًا ولكنه يجعله أحسن من عدم التطبيق مطلقًا على كل حال.

المجتمع: نشأت مؤخرًا في بعض الأقطار الأوروبية بنوك إسلامية، فهل لديكم اطلاع على مدى نجاح هذه البنوك؟ ثم هل هناك عقبات تواجهها؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

د. القحف: البنوك الإسلامية في الغرب أثبتت نجاحها فهي كبنوك ناجحة وكمبادئ للعمل المصرفي فإنها تقوم على مبادئ عملية تمكنها من النجاح. وما تعانيه بعضها من مشكلات ليس سببه المبادئ التي تقوم عليها ولا القواعد التي تعمل بموجبها، وإنما هي نوع المشكلات الإدارية والإجرائية التي تتعرض لها جميع المؤسسات الاقتصادية من كفاءة الإدارة وخبرتها ووجودها في ظروف ملائمة لنوع نشاطها وغير ذلك

المجتمع: هل تنصحون باستثمار رؤوس الأموال الإسلامية في ديار الغرب؟

د. القحف: الأولى للمسلمين أن يجدوا السبل والوسائل لاستثمار أموالهم في بلاد المسلمين التي تحتاج كثيرًا إلى هذه الاستثمارات والتي يوجد لديها فرص كثيرة للاستثمار والأولى لهم أن يعملوا على تذليل العقبات والصعوبات التي تعترض الاستثمارات في البلدان الإسلامية

المجتمع: حتى لا تعتمد الدعوة الإسلامية في أوروبا عمومًا على المساعدات المالية من الدول الإسلامية فإن المطلوب مشاريع اقتصادية (وقف إسلامي) تؤمن المال لاستمرارية الدعوة، فهل تقترحون إنشاء مشاريع هناك؟ 

د. القحفإن أهم مصدر لتمويل المراكز الإسلامية في أوروبا وأمريكا هو جيوب أبنائها. فالمسلمون في الغرب هم- في الواقع وكما ينبغي أن يكون أيضًا- المصدر الأول لتمويل مشروعاتهم وأنشطتهم ويقتضي ذلك أن يتنبه المسلمون في الغرب إلى التأكيد على رفع مستوياتهم الاقتصادية وزيادة نشاطهم الإنتاجي مع وعيهم لقضيتهم الأساسية وهي أن الوجود الإسلامي في الغرب هو نفسه يتعرض للخطر إذا لم يقم المسلمون في الغرب ببذل الجهد والمال في سبيل الدعوة؛ أي إن الدعوة الإسلامي هي في الواقع أهم وسيلة للحفاظ على النفس والمستقبل بالنسبة للمجتمعات الإسلامية في الغرب.

ومن جهة أخرى ينبغي أن نلاحظ أن المجتمعات الإسلامية في أوروبا وأمريكا مجتمعات حديثة النشوء؛ وهذا يعني أنها لا تزال لينة طرية تحتاج إلى الكثير من الجهد والبذل حتى يشتد عودها ويقوى ساعدها وهذه مسؤولية يشترك فيها جميع المسلمين شرقًا وغربًا.

المجتمع: ما مدى أبعاد التغلغل الصهيوني في الدوائر الاقتصادية في الغرب؟ 

د. القحف: جوابه معروف وللصهيونية تأثير اقتصادي كبير في البلدان الغربية، ولا شك أن الوجود اليهودي في ميادين المال والاقتصاد يفوق كثيرًا نسبة اليهود إلى مجموع السكان في هذه البلدان.

ولكن ذلك ينبغي ألّا يعني أن نبحث عما نعلق عليه عيوبنا ونعلل به أسباب نواقصنا وضعفنا؛ فإن لدى المسلمين في الغرب مجالات كثيرة يستطيعون النشاط فيها والعمل على التأثير على منحى الاتجاهات الثقافية والسياسية في بلدانهم ولن يطول الوقت بإذن الله تعالى الذي سنرى فيه الوجود الإسلامي في الغرب ذا تأثير في دوائر اتخاذ القرار في تلك المجتمعات.

 

الرابط المختصر :