; وفاق دولي لاحتواء الصحوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان وفاق دولي لاحتواء الصحوة الإسلامية

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989

مشاهدات 101

نشر في العدد 900

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 17-يناير-1989

 على هامش المؤشر الدولي لمكافحة الأسلحة الكيميائية يصرح وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز بأنه قدّم لنظيره وزير الخارجية السوفياتية إدوارد شيفاردنادزة معلومات مؤكدة عن قيام النظام الليبي ببناء مصنع للأسلحة الكيميائية، وأضاف أن نظيره وعد ببحث الأمر بصورة جدية... هذه اللقطة العابرة قد تبدو غير ذات أهمية فيما نحن بصدده... لكن عندما يثار تساؤل من مغزى هذا الاتصال العابر أو عن معنى تجاوز السكرتير العام للأمم المتحدة أو الأمين العام للجامعة العربية في إحاطتهما بتلك المعلومات الأمريكية؟ يأتي الجواب هادئا لا غرابة فيه مجسدًا ما آلت إليه مشاكل العالم بين فكي العملاقين.
إن هذا الاتصال العابر يعد لقطة من مداولات الأوصياء حيث يلفت أحد الفرقاء انتباه نظيره بأن شؤون الرعية عنده تجاوزت حد الالتزام وتحتاج إلى تأديب وتحجيم. فالوفاق الدولي في أبسط صوره يعني السعي لتحصين عالم الأقوياء على حساب مشاكل الضعفاء والفقراء والتضحية ولو بالمذاهب الفكرية والشعارات المثالية مقابل الهيمنة الاستعمارية تلك الهيمنة التي لا تلقي بالا أو احترامًا لعقائد الآخرين ولا تسمح بأي مجال لأيديولوجيات أخرى في ممارسة حقها الإنساني في العيش وفق عقيدتها وميراثها التاريخي أو التصرف فيما تملكه لخدمة قضاياها أو العمل على تحصين نفسها ضد تدخلات معادية.
المصلحة العليا في وجه الصحوة
إن الدعوة إلى أيديولوجيات جديدة -في نظر الوفاق الدولي- لم يعد في مصلحة العالم، ذلك أن المصلحة العالمية العليا تهددها مشكلات لا بد من أجل التصدي لها من تضافر في الجهود الدولية تتولى تنظيمه سلطة عالمية موحدة وأنه لا بد من إلغاء السيادة الوطنية للدول ما دامت الدول الصغيرة هي التي تشن الحروب مبادرة منها أو وكالة عن غيرها... لذا يرى الوفاق أنه من الضروري أن تتولى تلك السلطة العالمية احتكار الأسلحة النووية وحق الرقابة على حكومات كافة الدول من أجل حظر تملكها لهذه الأسلحة واتخاذ إجراءات عالمية النطاق لمعالجة مشكلات الانفجار السكاني، ويلاحظ أن العالم الإسلامي في مقدمة الدول التي تلح مطالب المسؤولين هناك على تحديد النسل، كما يهدف الوفاق الدولي إلى إيجاد الحلول لمشاكل الطعام وتوزيعه، ويبدو أن مسألة توزيعه ترمي في الأساس إلى ربطه بالقرار السياسي للدول الفقيرة، وأنه متى شاء الجنس البشري أن ينقذ نفسه من دمار شامل وأن ينقذ ثلثي سكان العالم من الموت جوعًا فعلى الشعوب أن توطن نفسها على قبول التخلي عن بعض جوانب سيادتها.
لذا سيعمل مهندسو الوفاق الدولي على تكبيل الصحوة الإسلامية وعرقلة اندفاعها وفقًا لنظرية الوفاق التي دشنها غورباتشوف وباركتها الإدارة الأمريكية في سبل رسم وإنتاج سياسة مشتركة حيال الدول الإسلامية وإنهاء النمط القديم للتنافس والتوازن، ولم يعد أي من الفرقاء على استعداد لمجابهة مع الآخر في المنطقة التي تشهد مدًّا إسلاميًّا ابتداء من الباكستان وحتى الصحراء الكبرى.                                                                                                                                                                                               سياسة احتواء الصحوة بدأت في الباكستان وتناور في أفغانستان

لا ينكر أحد أن الباكستان جاءت إلى حيز الوجود كثمرة لصحوة إسلامية ضد هيمنة الهندوس والقوى الكبرى، وأنها باقية على هويتها هذه ومتمسكة بعقيدتها وأنها تشهد مدًّا إسلاميًّا عارمًا كان على وشك أن يصبغ الحياة الباكستانية في كل مناحيها بالشريعة الإسلامية وفجأة تحدث تطورات مفاجئة في مقتل ضياء الحق؟ كيف مات ضياء الحق؟ وما سر توقيت المؤامرة؟ وتدفع الأحداث بأجوبة غاية في الصراحة والوضوح حين يبرز حزب علماني ليتسلم مقاليد الأمور ويقال ساعتها إن الانتخاب الحر جاء به في حين أنه لو حيل بين الشعوب الإسلامية في كل أرجاء الدنيا وبين اختيارها الأصيل بعيدًا عن أحابيل السياسة ودهاقنة الانتخابات لما ارتضت تلك الشعوب بغير الإسلام وشرعته منهاجًا، ناهيك عن دولة الباكستان التي حظيت في الفترة التي تولى فيها ضياء الحق بحماس واندفاع نحو تطبيق الشريعة على المستويين الشعبي والرسمي وظل الرجل يناضل ويدفع بالأحداث نحو غايته التي رسمها لدينه وينافح عن الشريعة ويهيئ الأوضاع لإصدار قرارات في تطبيق الشريعة ثم فجأة تغتاله يد الغدر لتفسح المجال واسعًا أمام خطى العلمنة التي لقيت مباركة من الشرق والغرب ومن هندوس الهند، ولِمَ لا؟ أليس المستهدف أن تفرغ العلمانية تلك القنبلة الإسلامية من محتواها؟ وهكذا تبدأ سياسة الاحتواء... احتواء الصحوة الإسلامية من الباكستان.
المناورة على أفغانستان
إن سياسة الوفاق حول أفغانستان تبدو للمراقبين على أنها أصبحت قضية سوفياتية بحتة؛ فالمتابع لرحلات المفاوضين السوفيات انطلاقًا من روما وهبوطًا من الطائف أو طهران أو في إسلام آباد للاجتماع بهذا الفصيل أو ذاك بينما المعسكر الغربي يراقب عن كتب، يدرك أن في الأمر ثمة اتفاق بين المعسكرين وأنهما يبيتان للمجاهدين شرًّا ولكن الله من ورائهم محيط...                                                                                                                                                                                                                                                              إن سياسة التحركات المشبوهة من وراء الظهر تهدف الى إحتواء  ثمرات الجهاد الإسلامي بالإصرار على توسيع قاعدة الحكم وإشراك الشيوعيين فيها .
الإعلام الغربي يصر على محاصرة واحتواء الجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة والتقليل من شأنه.
إن سياسة التحركات المشبوهة من وراء الظهر تهدف إلى احتواء ثمرات الجهات الإسلامي بالإصرار على توسيع قاعدة الحكم وإشراك الشيوعيين فيها، ويعني هذا في نهاية المطاف تشكيل حكم علماني أو إعادة الملكية العلمانية لكي تتلاءم مع تيار العلمانية الجديد في المنطقة...
إن خطر إقامة حكومة إسلامية في الأفغانستان على مسلمي جمهوريات آسيا الوسطى أمر لا يمكن للاتحاد السوفياتي أن يقبل به.... هناك خمسون مليونا من المسلمين بدأوا يفتحون أعينهم ويفيقون ويدركون ما يجري حولهم... والمتوقع إزاء رفض المجاهدين للحلول المطروحة وهي حلول على ما يبدو يقوم فيها الروس بدور المفاوض والمفوض عن أطراف الوفاق الدولي... المتوقع هو تفجير الخلافات بين مختلف الفصائل وإشعال حرب أهلية طائفية –لا قدر الله– يخطط لها أعداء الإسلام لإجهاض الجهاد الإسلامي وتكبيل الصحوة الإسلامية هناك واحتوائها... ومن ثم فواجب الفصائل المجاهدة وهي مدركة حقًّا لهذا الواجب أن تفوت الفرصة على هذه المشاورات الدولية وأن تعمل بجد على تمتين جبهتها وعدم الرضوخ أو المساومة على ثمرات الجهاد الإسلامي ودماء الآلاف من الشهداء الذين سقطوا باسم العقيدة ورفعة شأن الإسلام.
ومن أفغانستان – إلى الشرق الأوسط
يهدف الوفاق الدولي إلى منع تحويل الصراع العربي مع الصهيونية إلى حرب دينية لأن وقوع مثل هذه الحرب من شأنه أن يخرج المنطقة بشكل عملي من دائرة الانضباط الدولي.. كيف؟ لأن الجهاد في سبيل الله من سنن إلهية وقوانين سماوية غير تلك التي لدى دي كويلار في مكتبة الأمم المتحدة وجهاد أفغانستان خير شاهد على ذلك.                                                                                                                                       لذلك يصر الإعلام الغربي على محاصرة واحتواء الجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة والتقليل من شأنه وتسميته بالانتفاضة وتحليل عشرات الأسباب وراء هذه الانتفاضة دون أن يذكر الدافع الإسلامي من بينها، بل ويصر زعماء القضية على تجاهل الجهاد الإسلامي والقفز فوق هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي تقود نضال الشعب الفلسطيني والتبشير بكيان علماني تتهيأ له القوى الدولية كما فعلت في باكستان وتناور لفعله في فلسطين وأفغانستان والكل يراهن على وقف الانتفاضة... أمريكا لن تتحدث إلى الفلسطينيين ما لم تقف الانتفاضة وإسرائيل لن تتفاوض ما لم  تقف الانتفاضة... الدنيا كلها بكائناتها الصهيونية والصليبية والشيوعية تتابع الموقف وترصد. انظر كيف تلتقط كاميراتهم اللحية والحجاب من بين عشرات الشباب والشابات لكي تكرس الانطباع السائد لديهم والقناعة بأن الحرب التي تجري في مدن وقرى الضفة والقطاع هي حرب عقيدة وغيرة على دين خذله المسلمون طويلا.. فالمسألة التي ترعبهم ليست حجرًا في يد طفل فما أهون الحجر تحت جنازر الدبابات... ولكنها الصحوة التي يخافون وتعمل دوائرهم وذيولهم في الشرق والغرب على احتوائها والله من ورائهم محيط.
وتبقى لبنان كما يراد لها خارج الضرورة الإقليمية لدول المنطقة ووضعها داخل النظرة الإستراتيجية للقوى الأعظم في صراعها المستقبلي الحاد وتعاملها مع الصحوة على اعتبار أن الساحة اللبنانية يمكن أن تستمر بوتقة تجارب لتفجير الصراعات الطائفية وتعميمها فيما بعد لكي تشكل عامل احتواء وإجهاض لمسيرة الصحوة الإسلامية وتشويه معالم الإسلام وسماحته حتى لا يرى منه إلا صورة الدم والإرهاب والخطف والتقتيل فيزداد العالم له مقتًا وتتأكد مطالب المجتمع الدولي في محاصرة الإسلام وإخضاع شعوبه لوصاية الهيمنة الثنائية.                              

السودان ذلك الجرح النازف
سيظل جون قرنق ينعق في الجنوب كلما سمع أذانا للصلاة في مساجد الشمال ولن يدع سلاحه طالما ظل الشارع السوداني ينبض بالإسلام ويتنادى شبابه في الدعوة إليه... هكذا جيء بجون قرنق وهكذا اختلقت مشكلة الجنوب لتكون عقبة في وجه المد الإسلامي في السودان... وليس لجون قرنق أي موقف أو مشكلة ثابتة مع السودان سوی قوانین سبتمبر الإسلامية... وكأن منطقته التي يدّعي الوصاية عليها قد خلت من كل المشاكل الصحية والتعليمية والاقتصادية ولم يعد هناك شيء سوى القوانين الإسلامية والتي رغم أنها لا تنفذ الآن منذ حركة سوار الذهب عام 1980 إلا أن نعيق جون قرنق مستمر... لأنه يتابع مسيرة الصحوة الإسلامية ويرى مدها المتزايد.... وهذه هي التي يريد محاربتها سواء كانت هناك قوانين سبتمبر أو قوانين أي شهر آخر.. الصحوة هي الرأس المطلوب... لقد ظلت أجهزة الإعلام الغربية تتباكى على من قطع أو جلد في عهد نميري وتقدم الإسلام على أنه مناف لمبادئ حقوق الإنسان والرحمة والعدالة.. لكن ما يتعرض له السودان الآن من مآس فاقت كل حدود؛ فالعصابات المسلحة تروع الآمنين في الجنوب تحرق قراهم وتمثل بجثتهم وتهدد بغزو العاصمة.. هذا أمر يلتقي ومنطق الإعلام الغربي ولا يتنافى مع حقوق الإنسان والعدالة كما يفهمون.
إن السودان كما قلنا مهيأ لأحداث جسام قد تدفع بالقوى العلمانية والشيوعية المتحالفة مع الصليبية في الجنوب في مواجهة مسلحة مع التيار الإسلامي بقصد إزاحته عن الساحة وتصفيته نهائيًّا... لأن تلك القوى تلتقي جميعًا وأهداف الوفاق الدولي نحو هذا الهدف.. ومما يجدر ذكره أن ما تعرضنا له في هذا التحليل السريع لا يعطي من سياسة الاحتواء هذه إلا شيئًا من جانبها السياسي، أما ما تتعرض له الصحوة إعلاميًّا وتعليميًّا واقتصاديًّا فشيء يطول ذكره ويحتاج إلى لقاء آخر.

الرابط المختصر :