; الأقلية القبطية في مصر الحاضر والمستقبل | مجلة المجتمع

العنوان الأقلية القبطية في مصر الحاضر والمستقبل

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1987

مشاهدات 58

نشر في العدد 826

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 21-يوليو-1987

كمْ عدد الأقباط في مصر؟ هل هم ثمانية ملايين نسمة أم خمسة؟ أم ماذا يقول التعداد الرسمي الأخير الذي أجري في ديسمبر ١٩٨٦ عن حقيقة هذا العدد، وما هو وضع الأقلية القبطية بين الشعب المصري؟ ما هي اتجاهاتهم السياسية؟ وما هو واقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟ وما هي المهن التي يركزون عليها؟ وماذا عن قيادتهم الدينية؟ وما هي علاقاتهم بالجاليات القبطية في أوروبا وأمريكا وغيرها؟ ثم ماذا عن المستقبل في ضوء الواقع الحالي؟
بداية فإن من مفاخر الإسلام التي لا ينكرها أحد أنه صان الأقليات غير المسلمة، التي تعيش في أرضه، وحافظ على معابدها وكنائسها وتراثها وعاداتها، ولم يسع المسلمون في وقت من الأوقات إلى امتهان الأقليات أو إذلالهم أو العمل على إهلاكهم، كما حدث مثلًا في أكبر الدول تحضرًا، حينما أباد الأمريكان الهنود الحمر أهل البلاد الأصليين، وحينما سعى الروس لإفناء المسلمين هناك في مذبحة القرم المعروفة، لم يكن هذا هو سلوك المسلمين مع مخالفيهم في الدين، وهذا هو السر في أن غالبية الدول العربية والإسلامية تعيش فيها أقليات سواء نصرانية، أو يهودية، أو غيرها- تتمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن المسلم تمامًا، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه في أكثر تلك البلدان تتمتع الأقليات غير المسلمة بامتيازات وأوضاع تفوق ما يتمتع به السواد الأعظم من الغالبية المسلمة، من حيث الوضع السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، والواقع المعروف هو خير شاهد على ما نقول، فمنهم نواب لرئيس الوزراء ووزراء ومن كبار الموظفين، وغير ذلك من المناصب الهامة والحساسة.
حديث ذو طبيعة خاصة:
وعلى العكس من ذلك نجد الأقليات المسلمة في البلدان التي تسيطر عليها أغلبية نصرانية أو يهودية أو شيوعية أو وثنية، تعاني الاضطهاد وانتهاك الحقوق، وتذوق المر في صبحها ومسائها، والأمثلة كثيرة لا تحتاج إلى تعريف بها، بل إن الأقليات الإسلامية هي أكثر الأقليات في العالم إهدارًا للحقوق والكرامة، وامتهانًا وإذلالًا، والمرء منا نحن المسلمين، يقلب بصره في الأرض شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ليرى ويتألم ويقول: ليت العالم «المتحضر» يعامل المسلمين في أرضه، مثلما نعامل نحن غير المسلمين في أرضنا، إلا أن هذا الموقف لا يجعلنا أبدًا نجور على حريات أحد، أو ننتقص من حقوق فرد، فغير المسلمين على أرضنا لا بد وأن نعاملهم بالإسلام، وآداب الإسلام وتعاليم الإسلام وأخلاق الإسلام: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8).
والحديث عن الأقلية القبطية في مصر هو حديث ذو طبيعة خاصة، فليست هناك حدود جغرافية أو ثقافية أو سياسية أو اجتماعية تفصلها عن المجتمع العام، وليست هناك مناطق تتركز فيها أعداد الأقباط بصورة تفوق أعداد المسلمين، بل إن أكبر المحافظات المصرية من حيث تعداد الأقباط فيها، وهي محافظة أسيوط عاصمة الصعيد- لا يزيد عدد الأقباط بها عن (20%) من جملة السكان، أي أن النسبة في أكثر المحافظات عددًا من الأقباط هي (٥:١)، يليها محافظة المنيا ونسبة الأقباط فيها (19,4%) ثم سوهاج (١٤,٢٪) جميعها من محافظات الصعيد، وبالفعل ترتفع نسبة الأقباط في الصعيد حيث تبلغ (١٠٪) من جملة السكان، بينما تنخفض هذه النسبة بصورة حادة في محافظات الوجه البحري حيث تبلغ (٢٪)، وتبلغ نسبة الأقباط في مهنة الطب والصيدلة (18,2٪)، وفي التجارة (١٥,٨٪)، وفي العلوم الطبيعية والمحاسبة والإحصاء والرياضيات والهندسة (13%)، وجميعها نسب مرتفعة، ولا تنخفض إلا في مهنة الزراعة حيث تبلغ (٧٪).
أقل من ثلاثة ملايين نسمة:
    ولكن كم عدد الأقباط في مصر الآن؟ إن آخر تعداد تم إجراؤه في ديسمبر من العام الماضي (١٩٨٦)، وأعلنت نتائجه منذ أسابيع فقط، أشار إلى أن عدد الأقباط لم يصل إلى ثلاثة ملايين، وبالتحديد فإن عددهم بلغ في ديسمبر ١٩٨٦ حسب التعداد الرسمي: (۲٫٨٢٩,٣٤٩) نسمة، بنسبة (5,87%) من مجموع السكان المسلمين، وكان تعدادهم في عام ١٩٦٠ هو (۱,۸۲۹,۱۸۲) بنسبة (٧,٣٣%)، وفي عام ١٩٦٦ وصل إلى (٢,٠١٨,٥٦٢) بنسبة (6,74%)، وفي عام ١٩٧٦ وصل إلى (٢٫٢٨٥,٦٢٠) بنسبة (6,24%)، ووصل في العام الماضي إلى نسبة (5,87%)؛ أي حوالي (۲,۸) مليون نسمة، فأين إذن الادعاءات التي وصلت بالرقم إلى ثمانية ملايين، وتلك التي تقول بأنه خمسة فقط، والرقم الصحيح لا يصل إلى ثلاثة ملايين، والأرقام التي ذكرناها جميعًا، والتي يرد ذكرها في هذا الموضوع مستقاة من كتاب «المسح الاجتماعي الشامل للمجتمع المصري من ٥٢-1980»، والذي صدر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، بالإضافة إلى بيانات التعداد الأخير للسكان الذي تم في العام الماضي.
 ويبلغ عدد الكنائس في مصر حتى عام ۱۹۸۰ (١٤١٣) كنيسة، ويبلغ عدد الأديرة حوالي (٣٧) ديرًا، ولهم صحيفة أسبوعية تصدر يوم الأحد باسم «وطني»، بالإضافة إلى مجلة «الكرازة»، وكانت كلتيهما قد سحب ترخيصها مع الصحف والمجلات التي أصدر السادات في سبتمبر ۱۹۸۱ قرارًا بسحب تراخيصها، ولكنهما عادتا للصدور مرة ثانية، وجريدة «وطني» هي جريدة تهتم بالجانب السياسي والروحي معًا، وللأنبا شنودة مقال أسبوعي في الروحانيات عند الأقباط في «وطني»، أما مجلة الكرازة فتركز في الأساس على الموضوعات الدينية والروحية وانتشارها أقل من «وطني».
طائفة الأرثوذكس:
وغالبية الأقباط في مصر ينتمون إلى طائفة الأرثوذكس، وقائدهم الأنبا شنودة الثالث، بینما توجد طائفة الكاثوليك وطائفة البروتستانت بأعداد أقل، والأنبا شنودة الثالث تولى رئاسة الكرسي البابوي بقرار جمهوري في عام ۱۹۷۱، وظل رئيسًا للطائفة القبطية حتى نحاه السادات، وأبعده إلى دير وادي النطرون بعيدًا عن القاهرة وحدد إقامته هناك، متهمًا إياه بأنه يعمل على إذكاء الفتنة الطائفية، وقد قدمت أجهزة الأمن تقارير عديدة أدانت الأنبا شنودة، واتهمته بتحريض الأقباط على إثارة المشاكل والاتصال بالدول الغربية وأمريكا لوقف ما أسموه اضطهاد الأقباط في مصر، وبناء على ذلك رفضت محكمة القيم الإفراج عنه وعودته إلى مهام منصبه، ولكن الضغوط السياسية استطاعت أن تصدر قرارًا جمهوريًا في أول يناير عام ١٩٨٥ بعودة الأنبا شنودة إلى رئاسة الكرسي البابوي مرة أخرى.
 وليس للأقباط تنظيم سياسي محدد، بل إنهم يتوزعون في غالبية التنظيمات السياسية سواء في حزب الحكومة، أو في أحزاب المعارضة، ولا يستطيع الأقباط في أي منطقة من مصر أن يرشحوا فردًا منهم ويفوز بعضوية مجلس الشعب، ولذلك فقد أباح قانون مجلس الشعب لرئيس الجمهورية تعيين عشرة نواب، فجرت العادة أن يكونوا جميعًا من الأقباط، ولكن بعد إجراء الانتخابات في الفترة الأخيرة بالقوائم الحزبية استطاع عدد منهم أن يرشح نفسه، ويفوز ضمن قائمة الحزب، ففي الدائرة الأولى بأسيوط مثلًا فاز أحد الأقباط على رأس قائمة تحالف الإخوان والعمل والأحرار، وفي القاهرة فاز بعضهم على قوائم الحزب الوطني، وفي الانتخابات يسعى كل حزب لإثبات أن الأقباط سيعطونه أصواتهم وخاصة حزب الوفد الجديد، وفي حزب الوفد مثلًا فإن السكرتير العام للحزب هو الأستاذ إبراهيم فرج وهو قبطي، وفي حزب الحكومة نجد بطرس غالي في منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية وعدلي عبد الشهيد وزير الدولة لشؤون الهجرة والمصريين بالخارج، ويبدو أن هذين المنصبين، وقف على الأقباط في مصر، وفي مجال الصحافة نجد موسى صبري وسعيد سنبل على رأس صحيفة الأخبار، وعمومًا فالعناصر القبطية تنتشر بصورة ملفتة في مجال الإعلام ، وفي مجال النقابات المهنية نجد د. عدلي رمسيس نقيب الصيادلة.
التعايش والتوحد:
 والأقباط في مصر لا يتميزون بشيء عن بقية السكان لا من حيث اللون، أو المظهر، أو اللغة، والوضع المألوف أن تجد الأسرة المسلمة تجاور الأسرة المسيحية في المسكن أو في المتجر أو في العمل، ولا غرابة في ذلك، ولا حساسية، والمشكلات التي قد تنشأ بين أسرتين أو شخصين هي في الأغلب مشكلات مادية، وليست لها علاقة بالدين، ولذلك فكثير من المثقفين الأقباط يرفضون تعبير «التعايش» بين المسلمين، والأقباط، ويطلقون لفظًا آخر وهو «التوحيد» بين المسلمين والأقباط؛ لأن لفظ التعايش معناه وجود صراع بين طرفين، ثم اتفقا على معاهدة سلام، بينما لفظ «التوحد» يعني عدم الاختلاف على الأهداف العليا للوطن.
 والأقباط المصريون لهم علاقات بالجاليات القبطية في الخارج، ومن المألوف أن يجد عندما يزور الرئيس المصري حملات ضد مصر إحدى الدول التي توجد فيها جاليات قوية من الأقباط إذا كانت الشائعات تتحدث عن اضطهاد الأقباط، وهذا ما حدث مع الرئيس السادات في أكثر من زيارة له في الخارج في أمريكا وغيرها.
والحديث عن الأقلية القبطية هو حديث دائمًا مفرط في الحساسية لدى البعض، وعندما ننادي بتطبيق الشريعة الإسلامية ترى الخبثاء يتساءلون والأقباط، ومن هنا فوجود الأقباط في مصر يتخذها البعض نكأة لرفض أو تأخير أو تعطيل تطبيق الشريعة، بينما أعلن زعماء الأقباط أنهم لا يعارضون تطبيق الشريعة الإسلامية، وأنهم كانوا في ظلها في أمن وأمان وسلام.

الرابط المختصر :