العنوان النظام الأسري الإسلامي والغربي
الكاتب يحيي ابو زكريا
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004
مشاهدات 102
نشر في العدد 1598
نشر في الصفحة 60
السبت 24-أبريل-2004
يختلف النظام الأسري من مجتمع إلى آخر، وتلعب العادات والتقاليد دورًا كبيرًا في تحديد مفاهيمه، كما أن الدين يؤدي أكبر الأدوار في صياغة بنيوية النظام الأسري، وهذا ما يفسر التمايز الكبير بين النظام الأسري في الإسلام ونظيره الغربي، ومن واقع معايشة للغربيين وإطلاع على المعادلة الإجتماعية الغربية تأتي هذه الرؤية لملامح النظامين.
أدى خروج الدين من المعادلة الإجتماعية الغربية إلى إيجاد أنماط حياتية جديدة ومسلكيات إجتماعية لا علاقة لها البتة بالقيم الدينية أو الفلسفية، وتحولت الأسرة من كيان إجتماعي قوامه التداخل الروحي والمادي بين رجل وإمرأة يجمع بينهما عقد شرعي يتم توقيعه في الكنيسة أو بحضور رجل دين، إلى مؤسسة تجارية أو شركة قوامها المنفعة والقيم المادية دون غيرها.
والنقلة الملحوظة التي حدثت في الغرب هي انهيار النظام الأسري الذي كان يقوم على مباركة الكنيسة، إذ أصبح يكفي أن يطلب الرجل من المرأة أو العكس المعاشرة في بيت واحد دون أن يقيدا هذه المعاشرة، وقد يلجأن إلى إنجاب الأولاد، وهنا يحثهما النظام المدني الغربي على ضرورة تسجيل الأبناء بأسم الأم أو الأب- لا فرق- بل يتم ذلك بتوافق الطرفين وقد يحلو لهما أن يلجأ إلى الزواج الكنسي بعد إنقضاء سنين على عشرتهما وبعد أن يكونا قد أنجبًا الأطفال! يحدث ذلك بإستمرار.
وقد أدى خروج الدين من النظام الأسري الغربي إلى التحلل الكامل من كل الإلتزامات، فالرجل يعيش مع زوجته بمنطق الشراكة وكثيرًا ما يتقاسمان كل شيء في حياتهما، يدفع الإيجار، مقابل أن تدفع هي فواتير الكهرباء والهاتف، بل يتم تقييد الحياة بدقة تخضع للمنطق الرياضي في أدق التفاصيل، وحتى في البيت يجري تسجيل الممتلكات بأسم مشتريها، وكثيرًا ما يحدث أن تكون الأدوات الكهربائية للرجل والأرائك على سبيل المثال للمرأة، وهذا ما يفسر سهولة الإنفصال حيث يكون معلومًا أن هذه الأشياء للرجل وتلك للمرأة!
وكثيرًا ما تحب المرأة رجلًا غير عشيرها وقد تخبره بذلك، ويقع الإنفصال، ويتوافقان على أمر الأولاد وإذا تم رفض رعايتهما من الجانبين تقوم المحاكم بالتدخل لتوزّع الأولاد على الرجل والمرأة وفق حصص متكافئة، وإذا لم يكونا أهلًا لرعاية الأولاد يتم توزيعهم على العوائل الراغبة في رعاية الأطفال بإشراف من المؤسسات الإجتماعية التي تحظى بسلطة كبيرة.
ويقضي المنطق العائلي الغربي أن الرجل ليس مكلفًا بإعالة زوجته إقتصاديًا، لأنه يجب عليها- كالرجل- الخروج للعمل والبحث عنه، وإذا كانت محتاجة فهناك مؤسسات تقدم مساعدات إجتماعية.
ولا شك أن خروج المرأة إلى أسواق العمل وقضاءها وقتًا طويلًا في الخارج يعرض الأولاد إلى الضياع، حيث أصبح هذا الوضع محفزًا باتجاه تعاطي الأولاد للمخدرات وغيرها من المفاسد.
وكثيرًا ما يلجأ الأبناء إلى ترك ذويهم إذا بلغوا الثامنة عشرة وعندها يستقل الأبن بنفسه ماديًا وسكنيًا وحياتيًا وإجتماعيًا، ولا تصبح له أي علاقة بوالديه ويحدث أن يتوفى أحد والديه، فيكلف الابن إحدى مؤسسات الدفن لتتولى نقل الميت إلى قبره، وسبب ذلك يعود إلى أن الطفل ينشأ وسط قيم مادية خالصة ويعيش بين أبوين يحاسب الواحد منهما الآخر على قطعة خبز، وإن مفهوم الحب في نظر كثير من الغربيين هو جنسي محض، أو فعل بيولوجي مادي لا علاقة له بالوجدان.
وهذا لا يعني أن النظام الأسري في الغرب كله على هذه الشاكلة، بل إن هناك عوائل مازالت محافظة تطالب بضرورة العودة إلى شرعنة مؤسسة العائلة بالقيم، وتطالب بطرد كل دخيل شهواني على الحياة الغربية، وهذا ما أشار إليه بوضوح الباحث الإجتماعي الأمريكي «لاسليت بيتر» في كتابه العالم الذي فقدناه، و«وليتل مارتن» في كتابه إنكسار العائلة.
أما النظام الأسري في الإسلام فهو يختلف جملة وتفصيلًا عن نظيره الغربي، حيث العقد الشرعي شرط للزواج، وهناك مجموعة شروط يجب أن تتحقق فيه، ومن شأن هذه الشروط أن تحصن مؤسسة العائلة في الإسلام، وتحفظ الحقوق والواجبات، ولم يسهب الإسلام في شيء مثلما أفاض في بناء الأسرة وآلياتها، وقد خصص علماء الإسلام كتبًا مفصلة في فقه الزواج، والطلاق، وتربية الأولاد، وغيرها.
والذي يجمع بين الزوج وزوجته هو الإسلام، هذه البوتقة التي تحوي كمًا هائلًا من القيم والمبادئ النبيلة والرائعة الكفيلة بصيانة العائلة من التدهور أو مجرد الخطأ، كما أن الزوجين ليسا عضوين في شركة ذات حصص، بل هما مكلفان بتقديم نشء مستقيم للمجتمع، الذي إذا تكاملت خلاياه الأولى تكامل تمامًا، كخلايا الجسد التي إذا إستقامت إستقام الجسد كله، ولذلك فإن واجب الأب في المؤسسة الأسرية الإسلامية أن ينفق على زوجته وأولاده، بالإضافة إلى أنه من شروط الزواج تقديم مهر للمرأة لإشعارها بكرامتها ومكانتها.
ويفصل النظام الأسري الإسلامي في العلاقات التي تحكم مسار العائلة، وتأتي حكمة ربط الزوجين بعقد شرعي لتكون المرجعية في حياة العائلة للشرع الإسلامي الذي يضمن لكل ذي حق حقه.
وعندما بدأت المؤسسة الأسرية في العالم العربي والإسلامي تنحو المنحى الغربي، دب فيها الوهن وأصبحت عرضة لكل العواصف التي تعصف بها، لأنها تخلت عن الحصن الذي يحصن الأسرة من كل عوامل الإنهيار والتعرية.
وتكفي إطلالة واحدة على نسبة الطلاق والحوادث العائلية في المحاكم وصفحات الجرائد، لنكتشف بسهولة أن تقليد النظام العائلي الغربي والتخلي عن القيم الإسلامية الحضارية من شأنه أن يؤدي إلى تدمير الأسرة في عالمنا العربي والإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل