العنوان التلوث الفكري والتلوث البيئي
الكاتب د. إبراهيم محمد أبو الليل
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997
مشاهدات 91
نشر في العدد 1258
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 15-يوليو-1997
مع بداية النصف الثاني من هذا القرن تعددت أساليب الغزو الاستعماري وبات الغزو الفكري والثقافي خطرًا داهمًا على مستقبل الأمة
موضوع تلوث البيئة من الموضوعات التي تشغل الكثير من المهتمين بالبيئة في هذه الأونة. لما له من أثار سيئة في شتى المناحي، وتتعدد مصادر التلوث البيئي في عصرنا هذا، فهي لا تقتصر على الملوثات التي نراها أو نلمسها مثل تلوث الماء والهواء والتربة والتي تعرف بالملوثات المادية، بل هناك مصادر أخرى للتلوث تعرف بالملوثات الحسية، لكن هناك أنواع من الملوثات قد تغيب عن ذهن الكثير من المهتمين بشؤون البيئة، وتتمثل هذه الملوثات في مصادر مختلفة مثل التلوث الإعلامي والثقافي والفكري والأخلاقي.
ويعيش العالم اليوم عصر تقنية المعلومات أو تكنولوجيا صناعة المعلومات، وبما أننا تشكل جزءًا لا يتجزأ من هذا العالم، فعلينا أن نتفاعل مع هذه المتغيرات العالمية بشكل أكثر واقعية، وذلك لأننا أصبحنا وليس لدينا القدرة على إثبات الذاتية الأستقلالية في وقت ليس لدينا القدرة فيه على الأنتقاء الجيد فيما يحدث من حولنا، بحكم أن كل شيء بات مفروضًا علينا وليس لدينا الخيار في وقتنا الراهن سوى أن نسعى لمواكبة هذه الطفرة العالمية مع الأخذ بعين الأعتبار المواسة بين المحافظة على الذات ومواكبة الحضارة ومواجهة التحدي للعصر الحضاري، وحتى هذا ليس باليسير على أمة أنهكتها الخلافات والفرقة حتى أصبحت كأنها تعيش في العصور الوسطى بالنسبة للأمم الأخرى.
ولكن هل هناك خطة استراتيجية عربية إسلامية لمواجهة هذه التحديات الحضارية بهدف تنشئة جيل صالح يدرك جيدًا كيفية التعامل مع الواقع من حوله، ومن ثم التعامل مع هذه المتغيرات العالمية بنوع من الإيجابية والسلبية في أن واحد. فلا نتعامل معها بشكل إيجابي كلي ولا سلبي كلي، ولكن التعايش معها من خلال واقعنا العربي ومبادئنا الإسلامية.
حضارة غير متزنة
الحضارة الغربية التي هي ماثلة أمامنا اليوم حضارة مادية بحتة قطعت شوطًا علميًا متقدمًا، إلا أنها تخلفت في الجانب الروحاني للإنسان حضارة غير متعادلة وغير متزنة، ومن منطلق عقيدتنا الإسلامية فإن نظرية «الإيبستمولوجي» التي تنص على أن الارتقاء في المادة يصحبه أرتقاء روحاني مرفوضة شكلاً وموضوعاً، فالتوجه الليبرالي العربي المشغوف بالحضارة الغربية والمؤمن بأن السبيل إلى نهضة شاملة يكمن في محاكاة قيم المجتمع الغربي دون أي اعتبار الخصوصية المجتمع العربي غير صحيح، وصناعة الإعلام في وقتنا الراهن شأنها شأن أي صناعة أخرى تسهم بدور إيجابي في بناء اقتصاد الكثير من الدول، فضلاً عن الأهداف الأخرى غير المباشرة الرامية إليها، ويمكن أن يتضح ذلك من خلال القنوات الفضائية والإنترنت التي تبث ثبت على مستوى العالم بما فيها من مساوئ أو مزايا أما بالنسبة للقنوات الفضائية العربية فإنها تفتقر إلى خطة استراتيجية هادفة في الوقت التي يمكن وصفها بالإسفاف في حق المشاهد العربي، حيث أصبحت وسيلة تجارية أكثر منها إعلامية.
الإعلام بشكل عقول البشر ويوجه أذواقهم وأخلاقهم ورؤيتهم للحياة، ولم يعد ينحصر في إطاره الضيق المعروف من ذي قبل.. وأصبح يشكل جزءًا كبيرًا من ثورة المعلومات أو ما يطلق عليها حديثاً بالمظلة المعلوماتيةInformation umbrella التي أجتاحت العالم خلال العقدين الأخيرين والتي أحدثت تطورًا كبيرًا كما أحدثت خللًا رهيبًا في الواقع الفكري والثقافي في العالم، فقد تواكب كل من الثورة المعلوماتية والثورة التكنولوجية، الأمر الذي أثر تأثيرًا مباشرًا على حياة الإنسان.
ولقد كان الغزو الاستعماري في القرن الماضي وحتى منتصف القرن الجاري يتمثل في أستيلاء دولة قوية على دولة ضعيفة واحتلالها بالقوة وإخضاعها لسلب أموالها وخيراتها، لكن مع بداية النصف الثاني من هذا القرن تغير المفهوم الاستعماري شكلاً وموضوعاً؛ حيث أصبح أكثر شمولية وتعددت أساليبه لتشمل الغزو الإعلامي والغزو الثقافي والفكري والغزو الاقتصادي والغزو السياسي، أي التبعية السياسية، وفي ظل الثورة المعلوماتية التي نمر بها الآن بات الغزو الثقافي والفكري خطرًا دائمًا لمستقبل الأمة في ضوء الإعلام الذي يبتعد كل البعد عن الواقعية وأحترام الذات، ليشكل أمتدادًا للإعلام الغربي أو بمعنى آخر للغزو الثقافي الغربي داخل مجتمعنا وفي عقر ديارنا.
وهكذا أصبح العالم الآن يطلق عليه اسم القرية الفلكية نظرًا لضالة حجمه وسعته أمام التطور الرهيب في الأتصالات سواء كانت سلكية أو لاسلكية أو من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة نعيش في عصر الأقمار الصناعية، بكل بساطة ونحن جالسون أمام التلفاز يمكن التنقل من دولة إلى أخرى بمجرد الضغط على زر جهاز التحكم، لنتعرف على أبعادها الثقافية والأجتماعية والسياسية، والعادات والتقاليد وغير ذلك من الأمور التي تشكل حياة الشعوب بما فيها من مزايا ومساوئ أصبحنا. نتعرض لغزو إعلامي رهيب يجتاح عقولنا ووجداننا ويتسلل إلى أخص خصوصياتنا، لاسيما ان شبابنا وأطفالنا يقضون معظم أوقاتهم أمام هذه الشاشة الصغيرة
هل يمكن أن: في الواقع نرى نقول إن الإعلام العربي ادی دوره أو رسالته كما ينبغي له مسموعًا ومرتبًا ومقروءًا ؟في الواقع نري أن بعض وسائل الإعلام العربي. لاسيما الإعلام المصري الذي يعد رائدًا للإعلام. العربي - سقط في مجموعة من السلبيات أثرت في بي دوره بدرجة كبيرة، وقد أفتقد في كثير من الأحيان المنهج الفكري الواضح الذي يحدد مسيرته في إطار من الالتزام بأمانة العرض وموضوعية الموقف. وفي فترات من تاريخنا مال الإعلام إلى الشطط في حالات كثيرة، بل إنه مارس نوعًا من أنواع غسيل المخ وتضليل الناس، ولا يزال في ظل سياسة التبعية التي ينتهجها، وإذا ما تأملنا هذه السياسة في خلال السنوات الأخيرة نجد أنه سار عبر
مسارين هما:
المسار الأول: سلك النموذج الأمريكي الذي جاء بمسلسلاته وبرامجه وأفلامه وسلوكياته وإعلاناته، وبات يمثل ضغطًا على عقول الشباب بالانخراط نحو الجانب المادي أيًّا كانت الوسيلة، ثم انتشرت أفلام المخدرات والجنس والجريمة والعنف والسطحية واللامبالاة، وقد أثر ذلك بالفعل في تشكيل عقول الشباب الذي أصبح يتسم بالسطحية وعدم الموضوعية، كما أدخلهم في دائرة من السلوكيات الغريبة على عادات وتقاليد المجتمع الشرقي العربي والإسلامي، ومكوناته الثقافية والحضارية والإنسانية والدينية.
المسار الثاني: تمثل في كثير من الإنتاج الإعلامي الهابط الذي تبنته بعض الشركات الإنتاجية التي قدمت أعمالًا فنية خاوية الموضوع يهدف الربح المادي مهما كانت النتائج السلبية لهذه الأعمال ومردودها السيئ على المواطن العربي.
إن كثيرًا مما نراه اليوم على شاشات القنوات الفضائية مهزلة إعلامية بكل ما في الكلمة من معنى.. وربما يتساءل الكثير من أصحاب العقول المستنيرة لهذا الحد وصل الاستخفاف بعقول البشر من قبل السادة القائمين على بث هذه البرامج.
فقد أقتصرت نسبة كبيرة من البرامج في التركيز على المطربين والمطربات وخصصت لهم ساعات وساعات من البث المباشر لنتعرف على خصوصياتهم والتي نحن في غنى عنها.. وعلى ملا من أعين الناس يتلقون كلمات الإطراء والإعجاب والمدح والثناء وكأن لم يكن هناك أدنى حياء.. والمذيعات اللاتي يتمتعن بقدر من الجمال يطرين لسماع كلمات الغزل ناهيك عن أسلوب: العرض الإغرائي، وكأن هذا الإعلام جعل لمثل هذه الفئة كي يحققوا ماربهم على حساب الغير.. فكم يتكلف هذا البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية، وكم يتقاضى القائمون على هذه الأمور من رواتب ونسوا أن هذه الأموال في أموال المسلمين تهدر هباء وهناك الآلاف من المسلمين لا يجدون ما يقتاتونه.
إن الفنون الهابطة قدمت لنا شبابًا مسطحًا مشوهًا لا يدرك مسئوليته، فقد تدنى المستوى الإعلامي خلال العقدين الماضيين إلى درجة تشمئز منها النفس، لاسيما الإعلام المصري الذي تبنى الكثير من النماذج وأدخلها الوسط الفني، وقدمها على أنها نماذج فريدة وأحاطها بالدعايات الإعلامية ليلًا ونهارًا، ومن العجيب أن أحدهم يدلي بتصريح أنه انفق نصف مليون جنيه لتصوير إحدى أغنياته ..إذن فكم يبلغ رصيده وأين موقع الشباب خريج الجامعات المثقف العاطل عن العمل بالنسبة لهذه الفئة؟.
لیست مسؤولية الإعلام الترفيه فقط عن الناس ولكن من أهم واجباته أن يقدم لنا شبابًا واعيًا يدرك دوره ومسؤولياته في بناء المستقبل في ظل عالم جديد من التحديات لا ندري إلى أين سيحملنا، إلا أن الواقع نراه على نقيض ذلك. فالسياسة الإعلامية وضعت الناس على مفترق الطرق وفي متاهات اللهو والعبث في أمور لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد انقسموا بين أنفسهم ما بين فئة تولي اهتمامها بالفن والفنانين، وأخرى بالكرة واللاعبين، وهناك فئة ثالثة تدرك تمامًا ماذا بدور وراء الكواليس وتعي جيدًا ما تهدف إليه هذه السياسة العقيمة، ومن ثم فهي لا تنجرف ضمن التيارات إلى الهاوية أو بمعنى آخر لا تلوث فكريًا. لذا فهي توصف بالتطرف أو بالتخلف أو الرجعية.
التطرف ...
إن مفهوم التطرف بمعناه الواسع هو الخروج على ما أصطلح عليه المجتمع من أفكار ومعتقدات أو معايير في السلوك، وهو من الموضوعات السيكولوجية التي تناولتها العديد من الدراسات وأسفرت عن أنها سمة نفسية لها علاقة بأبعاد أخرى بعضها نفسي وبعضها اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي وهناك أسباب عديدة للتطرف، فقد يكون هذا الشخص متاثرًا بعوامل اجتماعية كالبيئة الأسرية والاجتماعية وما تمليه عليه من عادات وتقاليد وقيم وأساليب في الفكر والسلوك، فقد تكون هذه العوامل غير قادرة على ضبطه مما يجعله فريسة سهلة الوقوع في براثن الأفكار غير السوية، ومن أسباب التطرف:
غموض المستقبل المهني والبطالة.
التفاوت الحاد في المستويات الاقتصادية
التعرض المواد إعلامية متناقضة ومن مصادر متباينة، مما يصيب الفرد بما يعرف بالتناقض المعرفي، ويهيئ الفرصة للوقوع تحت تأثير الدعايات.
ونقول لكل من يهمه أمر التلوث البيئي إن تلوث أفكارنا وعقولنا وأخلاقنا أشدُ ضررًا من تلوث الماء والهواء اليس كذلك ؟!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل