العنوان الإخلاص.. شجرة محلها القلب
الكاتب عصمت عمر
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013
مشاهدات 43
نشر في العدد 2057
نشر في الصفحة 52
السبت 15-يونيو-2013
الإخلاص سر من أسرار الله تعالى وعمل من أعمال القلوب، بل هو في مقدمة الأعمال القلبية، لأن قبول الأعمال لا يتم إلا به، وتوفيق الوصول إليه من الله تعالى.. ففي الحديث القدسي: «الإخلاص سر من أسراري، استودعته قلبَ مَنْ أحببتُ من عبادي» «جامع السعادات: ٢/١٥٦».
الإخلاص رأس الفضائل ومناط في قبول الأعمال وصحتها ولا عبرة في عمل لا إخلاص معه
وفي آثار الإخلاص، قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله تعالى: «وإذا كان العبد مخلصا لله اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله، فإن فيه طلبًا وإرادة وحبًا مطلقًا، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه، كالغصن أي نسيم مر به عطفه وأماله».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم «رواه مسلم».
فهو ينظر سبحانه إلى استقرار الإخلاص في القلوب، وإلى موافقة الأعمال لشرعه سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
تعريف الإخلاص:
والمقصود بالإخلاص: إرادة وجه الله تعالى بالعمل، وتصفيته من كل شوب ذاتي أو دنيوي، فلا ينبعث العمل إلا لله تعالى غير مشوب برغبة للنفس ظاهرة أو خفية.
فأساس إخلاص العمل تجريد النية فيه لله تعالى وهذه النية عمل قلبي خالص وليست من أعمال اللسان، ولذا لم يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن تابعيهم بإحسان من سلف الأمة التلفظ بالنية في العبادات، مثل الصلاة والصيام والغسل والوضوء، ونحوها، وهو ما نرى بعض الناس يجهدون أنفسهم في الإتيان به مثل قولهم: نويت رفع الحدث الأصغر أو الأكبر، أو نويت صلاة الظهر أو العصر أربع ركعات عليَّ لله العظيم، أو نويت الصيام غدا في شهر رمضان.. إلخ، وكل هذا لم يأت به قرآن ولا سُنة ولا معنى له إذ لا يقول الإنسان
إذا أراد الذهاب إلى السوق: نويت الذهاب إلى السوق، أو إذا نوى السفر نويت السفر ونقل الزركشي عن الغزالي في فتاويه قوله: أمر النية سهل في العبادات، وإنما يتعسر بسبب الجهل بحقيقة النية أو الوسوسة.
الإخلاص والتوحيد شجرة محلها القلب:
قال الإمام القيم ابن قيم الجوزية يرحمه الله تعالى السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها، والساعات أوراقها والأنفاس ثمراتها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل.
إنما يكون الجَدَادُ يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها.
والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال، وثمرُها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك.
والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب، ثمرها في الدنيا الخوف والغم وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم، وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة «إبراهيم»، وأشار يرحمه الله إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينَ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةِ اجْتُنَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ (إبراهيم24:27) «كتاب «الفوائد»، ص ٢١٤».
ومن دلائل الإخلاص: الخوف من الشهرة واتهام النفس بالتقصير، العمل في صمت بعيدًا عن الأضواء، وألا يطلب المدح ولا يغتر به واستواء العمل عنده في القيادة والجندية، وجعل الرضا والسخط لله، لا للنفس، والصبر على طول الطريق، والحرص على العمل الأنفع والسلامة من آفة العجب والحذر من تزكية النفس.
لا خلاص من الشيطان إلا بالإخلاص:
الخوف من الشهرة واتهام النفس بالتقصير على العمل الأنفع.. من دلائل الإخلاص
الإخلاص حقيقة الدين، وهو مضمون دعوة الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا ليَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: ٥)،
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك:2).
قال الفضيل بن عياض في هذه الآية: أخلصه وأصوبه»، قيل: «يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟»، قال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة».
الوصول للسعادة
فالإخلاص ضروري لكل عمل من أعمال الدنيا والآخرة، وفي ذلك يقول الإمام أبو حامد الغزالي: «قد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة، فالناس كلهم هلكى إلا العالمين والعالمون كلهم هلكي إلا العاملين، والعاملون كلهم هلكي إلا المخلصين والمخلصون على خطر عظيم، فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، وهو للنفاق كفاء، ومع العصيان سواء، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء، وقد قال الله تعالى في كل عمل كان بإرادة غير الله مشوبًا مغمورًا، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مِّنثُورًا﴾ (الفرقان:23).
ويأمر نبيه بأن يوضح ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ (الأنعام:162).
وفي الخبر القدسي: «الإخلاص سر من أسراري، استودعته قلب مَنْ أحببتُ من عبادي» «جامع السعادات: ١٥٦/٢»، وقال الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يخلص العمل لله تعالى أربعين يومًا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» «جامع السعادات: ١٥٦/٢».
من كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة
وذلك لأن الحياة لا تستقيم ولا ترتقي إلا بالمخلصين، أما عبيد الدنيا وعشاق الثروة، فهم لا يبالون في سبيل دنياهم وشهواتهم أن يدمروا دنيا الآخرين ودينهم معًا، وأن يحولوا العمار إلى خراب، والأحياء إلى أموات والمنازل إلى قبور.
رأس الفضائل
وهناك الكثير من الآيات والأخبار التي تمدح الإخلاص وتشجّع عليه، ومن تأمل هذه الأخبار وفي غيرها مما لم يذكر، يعلم أن الإخلاص رأس الفضائل ورئيسها، وهو المناط في قبول الأعمال وصحتها، ولا عبرة بعمل لا إخلاص معه، ولا خلاص من الشيطان إلا بالإخلاص، فمن سمات المخلصين لله عزّ وجل أن الشيطان لا يقدر على المخلصين: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص:83).
السلف والإخلاص
ذكرنا الله عزّ وجل بإخلاص الأنبياء قال تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدّارِ﴾ (ص:46).
وأخبر عن يوسف عليه السلام أنه نجا من الفاحشة بإخلاصه لله: ﴿وَلَقَدْ هَمَتْ بِهِ وَهُمْ بِهَا لَوْلا أَن رَأَى بُرْهَانَ ربه كذلك لِنَصْرِفُ عَنْهُ السَّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف:24).
وأخبر أن موسى بلغ منزلته العالية بإخلاصه ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ (مريم:51).
بواعث الإخلاص
ومن بواعث الإخلاص العلم بأهميته وضرورته وثمراته في الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى لا يقبل عملًا إلا بإخلاص مهما تكن صورته.
كما يعين على الإخلاص صحبة أهل الإخلاص ومعايشتهم، وقراءة سير المخلصين، ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء والدعاء والاستعانة بالله تعالى وكان رسول الله يدعو الله فيقول: «اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه» «رواه الإمام أحمد».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل