; خفايا تشكيل أول حكومة في المغرب يقودها حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان خفايا تشكيل أول حكومة في المغرب يقودها حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي

الكاتب إبراهيم الخشباني

تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012

مشاهدات 53

نشر في العدد 1985

نشر في الصفحة 18

الجمعة 20-يناير-2012

 لجنة مشتركة من الأمناء العاميين للأحزاب المشكلة للأغلبية لبحث التشكيل الحكومي

 «مسطرة» تحدد قواعد اختيار «مرشحي العدالة والتنمية »للوزارة وهيئة لاقتراح الأسماء

 في مرحلة أولى يتم تداول خمسة أسماء للمنصب ينتخب منهم ثلاثة ثم واحد وفق شروط النزاهة والاستقامة والكفاءة والالتزام الحزبي

 لماذا انسحبت «جماعة العدل والإحسان» من حركة«۲۰ فبراير »؟ هل اكتشفت أنها في المكان الخطأ خارج «الجبهة الإسلامية»؟

رغم أن تشكيل الحكومة المغربية المكلف بها ، «عبد الإله بنكيران» أمين عام حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي، لم يتأخر طويلاً، مقارنة بما يحدث في دول أخرى خاصة وأن الحكومة ائتلافية وليست حكومة حزب واحد، فإن حالة الترقب التي عاشتها الأوساط السياسية والإعلامية جعلت الوقت يمر بطيئًا، خاصة والجميع بريد أن يرى كيف يدير حزب «العدالة والتنمية» عملية تشكيل الحكومة؟ وعلى أي أساس يتم اختيار الوزراء وكيف يتعامل الحزب مع الأحزاب الأخرى المشاركة في الائتلاف.

تشكلت لجنة مشتركة من الأمناء العاميين للأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية، وهي أحزاب «الاستقلال» و«الحركة الشعبية »و «التقدم والاشتراكية»، إضافة لحزب «العدالة والتنمية»، وذكرت بعض المصادر أن «عبد الإله بنكيران» تمكن من إقناع الأمناء العاميين للأحزاب الأخرى بتولي حزبه ١٥ قطاعًا حكوميًا، منها ۱۲ ذات أولوية بالنسبة للحزب.. وكشفت المصادر أن «العدالة والتنمية» اتفق مع حلفائه على أن يحتفظ بحقائب المالية، والعدل، والخارجية، والتجهيز والنقل، والتربية والتعليم، والعلاقة مع البرلمان والصيد البحري، والاقتصاد والشؤون العامة والحكامة، والجماعات الترابية والتنمية المجالية، والثقافة والإعلام.

وبعد التعرف على القطاعات التي ستؤول إلى الحزب، وتداول أعضاء الهيئة في مرحلة أولى خمسة أسماء لكل قطاع حكومي، ينتخب منهم ثلاثة في مرحلة ثانية، ثم واحد في مرحلة أخيرة أي أن ٧٥ اسما يتم اقتراحها وفق شروط النزاهة والاستقامة والكفاءة والالتزام الحزبي، وطلب «بنكيران» من أعضاء هيئة اقتراح الوزراء في حزبه أن يحاولوا إنهاء مهامهم خلال اجتماع واحد ؛ حتى يتمكن من ضمان سير الأمور بشكل عادي.

 وأوضح «بنكيران» أن الفلسفة التي ينطلق ،منها حزبه غير مؤسسة على الحسابات؛ لأن «الحساب عند الله والعدالة والتنمية يقوم بالواجب لا أقل ولا أكثر»، مضيفًا: «سنعمل على تطبيق المسطرة بكل وضوح وشفافية وأحيانا بكل سذاجة».

تأخر رد القصر: وقد قدم «بنكيران» بـ مقترح تشكيل الحكومة للملك محمد السادس، لكن تأخر رد الملك زاد من حالة الترقب والتكهن السائدة، وقد عزا بعض الملاحظين التأخر إلى أن الملك ربما غضب من تصريح للقيادي في حزب «العدالة والتنمية» د. الحسن الداودي بشأن احتمال أن تؤخر الحكومة المقبلة إنجاز مشروع القطار فائق السرعة لبضع سنوات، إذا ما أثر تمويله الضخم على تمويل مشاريع تنموية أخرى ذات أولوية في البرنامج الحكومي، وكان الملك قد دشن بنفسه انطلاق أشغال مشروع القطار في الخريف الماضي، برفقة الرئيس الفرنسي «ساركوزي».

لكن ما أن جاء رد القصر حتى عادت اللجنة المشتركة بين الأمناء للاجتماع بعد توقف لنحو أسبوع لتواصل عملها حتى تشكيل الحكومة.

 «۲۰ فبراير»... ماذا بعد انسحاب العدل والإحسان ؟

وفي الوقت الذي بدت فيه المشاورات بين أحزاب الائتلاف الحكومي راكدة، لم يمر المشهد السياسي عموما بذات الحالة فقد فاجأت «جماعة العدل والإحسان» التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين المشهد السياسي بانسحابها من حركة« ٢٠فبراير» الاحتجاجية التي كانت تستعد للعودة إلى الشارع، ليكون انسحاب الجماعة الحدث الذي شغل المعلقين والملاحظين السياسيين فقال المحلل السياسي محمد ضريف: إنه بعد أشهر من الاحتجاجات استنتج إسلاميو «العدل والإحسان» الذين يعبثون الكثير من الناشطين أن العلمانيين وناشطي اليسار المتطرف هم المستفيدون من هذه التظاهرات المتكررة، وبانسحابهم من الحركة فإنهم يريدون التكيف مع الوضع الإقليمي المتسم بموجة إسلامية والناي بأنفسهم عن أولئك الشبان الذين ينظر إلى بعضهم على أنهم ملحدون.

بينما يرى آخرون أن انسحاب الجماعة كان بقصد سحب البساط من تحت أرجل حكومة «العدالة والتنمية» بحرمانها من ظهر يمنحها بعض التوازن في مواجهة «لوبيات» الفساد التي مازالت كامنة في مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية؛ ذلك لأن نجاح «العدالة والتنمية»، ولو في الحد الأدنى المتمثل في إخراج القوانين التنظيمية للدستور الجديد، وإقرار مدونة انتخابات أكثر شفافية ومتابعة المتورطين في ملفات الفساد، قد يعتبر بمثابة فشل المشروع «العدل والإحسان» القائل بعدم إمكانية إصلاح النظام، ونجاحًا المشروع «العدالة والتنمية» المقتنع بإمكانية وضرورة الإصلاح من الداخل، وهذا يعتبر في عمق الخلاف بين الفصيلين الإسلاميين؛ إذ لا تعترف «جماعة العدل والإحسان» بصفة «أمير المؤمنين» التي تنسب إلى العاهل المغربي، وقال أحد قيادييها والناطق الرسمي باسمها فتح الله أرسلان مؤخرًا : إن الجماعة تؤيد دولة مدنية وليست دينية.

ولكن هذه الآراء تبقى من تخمينات المحللين والراجح أن الخلافات داخل حركة «۲۰ فبراير» بين المكونات اليسارية، ومكون «العدل والإحسان» برزت منذ أول يوم فقد قال الناشط السياسي داخل العدل والإحسان حسن بناجح: «لقد تغاضينا عن مطلب الملكية البرلمانية رغم أنها بعيدة عن توجهاتنا، وانضبطنا، لكن هناك أقليات في الحركة تحاول فرض أفكارها والهيمنة على الحركة الاحتجاجية».

وربما ما فجر الخلاف إلى حد انسحاب الجماعة هي التصريحات التي أدلى بها قياديو اليسار الراديكالي خلال الجلسة الافتتاحية له «الحزب الاشتراكي الموحد»، وخصوصًا كلمة محمد الساسي الذي اعتبر وجود «العدل والإحسان» داخل الحركة الاحتجاجية مشكلة لأن الجماعة تتبنى مرجعية إسلامية وهو ما يتناقض مع ما تدعو له الحركة من علمنة تامة للدولة.

 وقد وجدت جماعة «العدل والإحسان» في تماهيها مع الحراك الاحتجاجي أنها ليست في الموقع المفروض أن تكون فيه أي الجبهة الإسلامية، فهي منذ مدة كرست تحركاتها للاحتجاج السياسي تاركة «العدالة والتنمية» بمفرده في مواجهة دعوات التفسخ واللا تدين من أفلام جعلت العري موضوعها، إلى دعوات التمكين للشواذ من حق تأسيس الجمعيات باسم الحريات الفردية، إلى الدعوة إلى حرية المعتقد التي واجهها «العدالة والتنمية»، بمفرده وبقوة حتى تمكن من سحبها من مشروع الدستور.. في وقت ظلت فيه جماعة «العدل والإحسان» مصطفة في الشارع إلى جانب دعاة العلمنة حول مشروع واحد متفق عليه بينهم يتعلق بالنظام.

 انسحاب الجماعة من الحراك الاحتجاجي الذي كانت تمثل قوته البشرية الكبرى سوف يجعل المشهد السياسي المغربي أكثر وضوحًا ..

ففي الندوة التي نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان حول «۲۰ فبراير وحقوق الإنسان» بعد انسحاب الجماعة وتخلص اليساريين من الإحراج الذي كان يمثله لهم حليفهم الأكبر كانت المطالبة صريحة بعلمنة الدولة التي ينص دستورها على أن دينها الإسلام، وعلى سمو مرجعيتها الإسلامية على المواثيق الدولية التي تتعارض معها ! ففي الندوة، أبرزت الناشطة النسائية خديجة أبناو عضو اللجنة الإدارية للجمعية، أن مطلب المساواة الذي تنادي به الحركة الحقوقية النسائية منبثق من ضرورة الدفاع عن علمانية الدولة، وفصل الدين عن الدولة، وسمو المواثيق الدولية على المرجعية الوطنية، وبالتالي الدفاع عن كون «الدولة علمانية» عوض الحديث عن «الدولة المدنية» التي لا تنص صراحة على أنها علمانية، ولا يوجد تعارض في أن تستمد تشريعها من النص الديني على حد قول أبناو.

كما أكد المشاركون أن «۲۰ فبراير»، «حررتهم من الخطاب المقدس»، وجعلت التيار الإسلامي يتراجع على حد قول أحد المتداخلين عن خطاباته العدائية ضد حقوق الإنسان، كما اعتبر متداخلون أن النقابات لم تنخرط مع الحركة، مؤكدين أن المطلوب اليوم، بعد خروج «العدل والإحسان»، هو تعبئة الإطارات النقابية للانخراط في الحركة.

ولم يفت المشاركين الذين يمثلون التيار العلماني بالمغرب التحذير من «مشروع الإسلاميين الذين وصلوا للحكومة» الذي يمكن أن يهدد الحقوق كما هو متعارف عليها عالميًا!

اعترف «بنكيران» المعروف بروحه المرحة، بأن اللحظة الحالية التي يتحمل فيها مسؤولية رئاسة الحكومة، لم يعد ممكنا فيها استمرار الممازحات التي تعودها منه رجال الصحافة والإعلام، ولكن وبما أن الطبع يغلب التطبع ؛ فإنه لم يكد يكمل جملته حتى حضر عبد الله بها، فبادره «بنكيران» مازحًا: «لقد جاء ثاني اثنين»، فرد رفيق دربه عبد الله بها: «ثاني اثنين في الغار أم في الحكومة ؟» …

الرابط المختصر :