العنوان متى يعترف العالم بأن «إسرائيل» لديها إرهابيون؟
الكاتب روبرت فيسك
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
مشاهدات 159
نشر في العدد 1175
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
لماذا هذا الشعور بالصدمة؟ ما المفاجأة لماذا هذه الازدواجية في المعيار تجاه المجرم ومتى سيعترف العالم بأن لدى إسرائيل مشكلة إرهاب إسرائيلي؟
لا بد أنني سئلت هذه الأسئلة عشرات المرات خلال الساعات الأولى التي تلت اغتيال إسحاق رابين، لم يكن من السهل الإجابة وأنا أستمع إلى التقارير الواردة من إسرائيل، لو أن عربيا هو الذي قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي لكان ذلك العربي «إرهابيًا»، أما إيغال عمير – جندي الاحتياط التابع للواء غولاني «النخبوي» فقد خلع عليه الصحفيون خلال ساعات من الحادث نعوتك «مسلح منفرد» «متطرف»، «مطلق الرصاص». أيًّا كان معنى هذه النعوت – بالإضافة إلى اعتبار أنه قد يكون عضوًا في منظمة سريَّة يهودية».
وكالعادة، أفلت القاتل الإسرائيلي – على نقيض ما ينال أي قاتل عربي – من أن يوصم بالإرهاب، لأنه إسرائيلي، ولا تقتصر المشكلة في ذلك على ازدواجية المعايير المملة لدى محرري التقارير الصحفية حول النزاع في الشرق الأوسط، ويذكر في هذا الصدد أن ما من صحفي تجرَّأ على وصف باروخ جولدشتاين بالإرهابي بعد أن ذبح ۲۹ مصليًا فلسطينيًّا في مسجد الخليل – وإنما يتعداه إلى الأثر السياسي لهذا النفاق على الزعماء العرب.
كثيرًا ما يتساءل العرب، إذا ما كانت إسرائيل فعلًا حريصة كل هذا الحرص على السلام، فلماذا لا تعامل إرهابييها بنفس القسوة التي تعامل بها من تتهمهم بالإرهاب من العرب أو كما قال لي فلسطيني مؤخرًا، ونحن على مسافات ليست بعيدة عن مخيمي صبرًا وشاتيلا في بيروت لقد هدد المستوطنون اليهود حياة رابين آلاف المرات، ثم عندما نفذ أحدهم تهديده يتوقع من الدنيا كلها أن تنصدم، هؤلاء الأشخاص هم إرهابيون أيضا، ولكنكم أبدًا لا تذكرون ذلك.
لقد أدى اغتيال رابين إلى إحساس كل عربي تراوده نفسه الدخول في سلام مع إسرائيل بالخوف من أنه يوجد في قلب الدولة الإسرائيلية شيء خطير للغاية لا يقل رعبًا عن العدو الإسلامي الذي يتهدد كثيرًا من الزعماء العرب إنه مسخ... لا الأمريكيون ولا الإسرائيليون تتوفر لديهم الإرادة أو الشجاعة للاعتراف بوجوده، لقد بات العرب يشكون في أن جولدشتاين، وإيغال عمير، وكل القتلة الإسرائيليين الذين سبقوهما ليسوا منعزلين أو منفردين أو مجرد مسلحين مخبولين، وإنما هم نتاج مجتمع إسرائيلي أصولي يعيش على الأرض العربية، وصدر عنه مرارًا وتكرارًا الإعلان عن استعداده لو تطلب الأمر لقتال حكومته في سبيل المحافظة على هذه الأرض، ولا أدل على ذلك من أن المستوطنات تشكل لبَّ مشروع السلام بين منظمة التحرير وإسرائيل، وإذا ظلت في مكانها، فبالتأكيد لن يكون ثمة سلام، وإذا تصدت الحكومة الإسرائيلية لها – وهذا يتطلب أكثر من مجرد الوعد باختراق الحركات اليهودية المتطرفة – فقد يبرز إلى الوجود شيء قريب من السلام، إلا أن رابين دفع حياته ثمنًا لإقدامه على تهديد مستقبل المستوطنين فقط لا غير، ولم يكن قد باشر بمواجهة الخطر الذي يمثلونه.
لا بد من الاعتراف بأننا معشر الصحفيين قمنا بدورنا في تحييد المسألة الأخلاقية، لاحظ مثلًا أن محطة الـ «سي إن إن» أشارت إلى المستوطنين الذين سلبوا الأراضي العربية، وإلى الفلسطينيين الذين سلبت منهم أراضيهم بأن كلًّا من الطرفين يدَّعي الحق في تركةٍ متنازع عليها، والحقيقة أنه يصعب إيجاد أسلوب أكثر تضليلًا للمشاهدين من ذلك الذي اتبعته الـ «سي إن إن» في تقريرها عن الموضوع.
وهكذا.. يحق للمرء أن يتساءل هل كان مفاجئنا إثر مذبحة الخليل أن يوضع الفلسطينيون سكان المدينة – ضحايا المستوطن الإسرائيلي الدكتور جولدشتاين – تحت حظر التجول من قِبَل الجيش الإسرائيلي والآن ها هو الجيش الإسرائيلي يغلق الضفة الغربية وقطاع غزة بعد اغتيال رابين بدلًا من أن يغلق المستوطنات اليهودية التي كانت قريبة جدًّا من فؤاد السيد أمير، يبدو للعرب من الناحية النفسية أنهم يتعرضون للوم على جريمة تمتد جذورها في الصهيونية التي لا قِبَل لأحد بالتحكم بها، ومن ذا الذي يلومهم على التفكير بهذا الشكل، وقد أشارت إذاعة الـ «بي بي سي» الدولية دون أن تذكر أن قاتل رابين كان إسرائيليا إلى أن الدول العربية المعارضة لعملية السلام تقاعست عن إدانة جريمة قتله.
لا ينبغي أن يحجب السرور الفج الذي عبرت عنه إيران وغيرها تجاه مقتل رابين المشاكل الحقيقية لخلافات إسرائيل الداخلية التي كان الرئيس مبارك – من بين عدد من الزعماء - قد أثار موضوعها في مباحثات خاصة مع الأمريكيين في عدة مناسبات إن الإطارات المشتعلة حول مخيمات اللاجئين في بيروت والقذائف التي أطلقها الفلسطينيون المعارضون لاتفاقية السلام بين المنظمة وإسرائيل في سماء مخيمات صيدَا، والسيارات التي جابت شوارع بيروت محملة بأعضاء حزب الله وتنطلق منها الأعلام والرايات كل ذلك يعكس حالات متكافئة من القنوط وعدم الثقة والازدراء، فإسحاق رابين ذلك الرجل الذي أمر بقصف جنوب لبنان عام ١٩٩٣م. وتسبب في مقتل ۱۲۰ شخصا، وتشريد ٣٠٠ ألف شخص في الطرقات انتقامًا لمقتل سبعة من جنود الاحتلال الإسرائيلي، أبعد من أن يعتبر هنا رجل السلام الذي أفردت له محطة الـ «سي إن إن» عقب اغتياله جل بثها إطراء وتمجيدًا.
إلا أن دروسًا أخرى يمكن للعالم العربي أن يتعلمها، ومن ذلك ما صرح به شخص مقرب من حزب الله حين قال: إن اغتيال رابين يعني أن إسرائيل بلد شرق أوسطي آخر، كالعرب تمامًا. وإذا كان الرئيس السادات اغتيل على يد جندي مصري لم يعجبه السلام مع إسرائيل، فها هو رابين يقتله جندي «احتياط» إسرائيلي لم يعجبه السلام مع العرب لقد أصبحت إسرائيل مجتمعًا شرق أوسطي، سيؤرق زعماءها في المستقبل الخوف على حياتهم كما هو حال زعمائنا، إنهم أيضًا يعانون من صراع بين علمانييهم وأصولييهم تمامًا كما هو حال المجتمعات العربية، مع فارق أنهم لا يعترفون بذلك.
أستذكر الشخص نفسه إنه السيد حسين نصر الله؛ زعيم حزب الله، وأرملة فتحي الشقاقي – الزعيم الإسلامي الذي اغتيل مؤخرا، وخليفة الشقاقي رمضان الشلاح، كانوا جميعًا قد وجهوا تهديدات شخصية في الأسبوع الماضي ضد رابين، وقال: تصور الآن لو أن عربيًّا أقدم على اغتيال عرفات لكنا جميعا ظننا أن إسرائيل تقف وراء ذلك، ولكن عندما سمعنا بأن رابين قتل على يد يهودي لم يخطر ببال أحد منَّا أن اليهودي يمكن أن يكون قد فعل ذلك لحساب الجهاد الإسلامي، نحن نعرف جيدا كم هو عنيف مجتمع المستوطنين في إسرائيل، وما كنَّا لنفكر للحظة بأن اليهودي يمكن أن يكون فعل ذلك نيابة عنَّا.
وعلى الرغم من الحزن المعلن للملك حسين، والرئيس مبارك، ولياسر عرفات، ساد الصمت دمشق، ولم تخرج من قصر الرئيس حافظ الأسد كلمة واحدة، «ولهذا لم يكن مفاجئًا ألا يصرح رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري بشيء هو الآخر»، لقد تجمد الزمن الآن في نظر العرب ورغم كل الحديث عن إعادة الالتزام بالسلام يمكن القول بأن عملية التقارب العربي الإسرائيلي بأسرها قد علقت وفي هذه الأثناء يتساءل العرب إذا كان رابين ذلك المحارب القديم قد عجز عن ترويض المستوطنين، فأنَّى لشخصية بيريز غير العسكرية أن تقدر على ذلك.
(*) ترجمة عزام التميمي عن الإندبندنت