العنوان تعدد الزوجات.. الحق المر (١-٢)
الكاتب منى العمدة
تاريخ النشر السبت 09-يناير-2010
مشاهدات 70
نشر في العدد 1884
نشر في الصفحة 58
السبت 09-يناير-2010
- مؤرخون وعلماء اجتماع يرون أن نظام التعدد سوف يتسع نطاقه كلما تقدمت المدنية واتسعت الحضارة في العالم
- عالم نصراني أسلم حديثًا لا يوجد نص صريح في الأناجيل الأربعة يحظر تعدد الزوجات أما التوراة ففيها نصوص على إباحته
- إذا كان التعدد جريمة ضد المرأة فلقد شاركت بهذه الجريمة المزعومة امرأة أخرى
- في البوسنة والهرسك وصلت نسبة الرجال إلى النساء ١: ٢٧ وفي العراق 1: ٧ بسبب الحروب.. فما حل هذه المشكلة دون تعدد؟
كم هي مظلومة هذه المرأة، لأن أصحاب المصالح من الرجال والنساء يتخذون من الدفاع عن حقوقها سلعة يتاجرون بها ابتغاء الشهرة والمنصب، وربما المال، أما المرأة فآخر المستفيدين من هذه المطالبات التي تصرع آذاننا، بل قد تكون بالفعل أول المتضررين منها.
تكامل لا تفاضل: ابتداء لا أحد ينكر أن المرأة في الدول العربية والإسلامية غالبا ليست في أحسن أحوالها، ولا بد من المطالبة بحقوقها بل والكفاح من أجل ما سلبته من حقوقها التي أعطاها لها خالقها والحقوق تؤخذ ولا تعطى لكننا وابتداء أيضًا نطالب بحقوق المرأة التي وهبها الله لها ضمن إطار التفاضل الفطري بين الرجال والنساء ولا تنظر للأمر من باب مساواة تامة تصل إلى درجة المماثلة بينها وبين الرجل، ففي هذا ظلم فادح للطرفين لا يقبله أحد، ولا يجادل عاقل في أنه ليس الذكر كالأنثى لكننا تجادل في أنه ليس أفضل منها مطلقًا كما أنها ليست أفضل منه كذلك مطلقًا، وانظروا معي وتديروا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء: ٣٢)، يعني لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن، ولا يتمنى الرجال ما فضل الله به النساء عليهم، والفضل هنا بمعنى الزيادة فما زاد عند المرأة من عاطفة تكمل به ما نقص من عاطفة الرجل، وما زاد عنده من حزم يكمل به ما نقص منه عندها، وما زاد عنده من قدرة على التعامل مع الأرقام زاد عندها في منطقة التعبير واللغويات، فهو تفاضل فطري في الخلق يؤدي إلى تكامل في الأدوار المنوطة بكل منهما تكامل تستقيم به الحياة، لا تماثل يؤدي إلى التنافس والعداء كما يحاول البعض أن يصوره عن جهل أو عن هوى وكم قلنا ان اختلاف الخلق بين الجنسين يقتضي اختلاف الوظيفة واختلاف الوظيفة لا يعني تشريف أحد الجنسين على الآخر كيف وقد خلقا من نفس واحدة ابتداء؟ وكلاهما مكلف بواجب الاستخلاف في الأرض كل حسب إمكاناته وطبيعة خلقه.
الوتر الحساس
هذه كلها أمور بدهية ينبغي الا نحتاج إلى إقرارها والتأكيد عليها، لكنه الران على القلوب الذي أفسد الفطرة، ومكر الليل والنهار الذي يريدون به آن يخرجوا المرأة عن طبيعتها لتكون الدمية التي تحقق غاياتهم الدنيئة، ويشغلوها بأمور صغيرة يوهمونها بأنه قد وقع عليها ظلم فظيع ويضربون على الوتر الحساس بالنسبة لها. وهو وتر تعدد الزوجات، ويحاولون تصويره على أنه تشريع راعي رغبات الرجال وأنانيتهم على حساب النساء.. فهل الأمر كذلك فعلًا؟
وهل إباحة التعدد كانت شريعة إسلامية أصلًا؟ بمعنى هل كان التعدد ممنوعا فأباحه الإسلام؟
معلوم أن التعدد كان معروفًا قبل الإسلام، بل لم يكن له حد، ولم تكن له شروط، فكان الرجل يسلم وله عشر زوجات، فيطلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبقي على أربع ويطلق الباقيات، لأنه لن يستطيع القيام عليهن، بل لقد كان التعدد مباحا في الشرائع السابقة، وقد ورد أنه كان السليمان عليه السلام ألف زوجة، وكان ليعقوب عليه السلام أكثر من زوجة، ومن المعروف أن الكنيسة ظلت حتى القرن السابع عشر تعترف بتعدد الزوجات يقول د. محمد فؤاد الهاشمي - وقد كان مسيحيا ثم أسلم يقول في كتابه الأديان في كفة الميزان لا يوجد نص صريح في أي من الأناجيل الأربعة يحظر تعدد الزوجات، أما العهد القديم أو التوراة ففيها نصوص صريحة على إباحة التعدد في دين الخليل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وشريعة داود وسليمان وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
الحضارة والتعدد
بل إن علماء الاجتماع والمؤرخين ومنهم وستر مارك وهو يهوس وهيلير وجنربرج، وغيرهم يرون أن التعدد لم ينتشر إلا بين الشعوب التي بلغت قدرًا معينًا من الحضارة.. وهي الشعوب التي استقرت في وديان الأنهار ومناطق الأمطار الغزيرة، وتحولت إلى الزراعة المنظمة والرعي بدلًا من الصيد وجمع ثمار الغابات والزراعة البدائية ... ففي المرحلة البدائية من عمر المجتمعات كان السائد هو نظام وحدة الأسرة، ووحدة الزوجة.
ويرى هؤلاء المؤرخون وعلماء الاجتماع أن نظام التعدد سوف يتسع نطاقه كلما تقدمت المدنية، واتسع نطاق الحضارة في العالم، وشهادة هؤلاء العلماء - وهم جميعًا من غير المسلمين - هي أقوى رد على المغالطين من معارضي التعدد الذين يزعمون أنه قد انقضى زمانه وانتهى عصره!
لماذا أباح الله التعدد؟
هذا التشريع الحكيم الذي تمقته المرأة من حيث لا تدري أنه من أجلها شرع أولا. وأنه ما كان ليتم لو لم تشارك به امرأة أخرى ثانيا، فلو كان التعدد كما يحاولون إظهاره هو جريمة ضد المرأة، فلقد شاركت بهذه الجريمة المزعومة امرأة أخرى وإن منعنا التعدد من أجل مصلحة امرأة فقد فوتنا بلا شك مصلحة امرأة أخرى أو نساء أخريات! وللحق، فقد راعي الشارع الحكيم تبارك وتعالى فيما أرى مصلحة المجتمع بالدرجة الأولى، ثم مصلحة النساء وهذه لا تنفك عن تلك، ونظر أخيرا في حاجة بعض الرجال وميولهم إلى التعدد، وإن كان حملهم مقابل مراعاة هذه الميول التي أحسبها فطرية تبعات خيارهم وهي المسؤولية الجسيمة في القيام على أكثر من أسرة ماديًا ومعنويًا، ثم العدل بين الزوجات الذي جعله الله تعالى شرطًا للتعدد، وهذا ما ذهب إليه الشيخ محمد الغزالي، فقد قال في كتابه الشهير فقه السيرة ومع المبررات الكثيرة للتعدد. فإن الإسلام الذي أباحه رفض رفضًا باتًا أن يجعله امتدادًا لشهوات بعض الرجال وميلهم إلى المزيد من التمتع والتسلط فالغرم على قدر الغنم والمتع الميسرة تتبعها حقوق ثقيلة ...
أما مصلحة المجتمع، فوجود عدد من النساء الأيامى من عوانس ومطلقات وأرامل بأعداد بلغت الملايين في الدول العربية والإسلامية يؤدي إلى مفاسد جمة لا تخفى على عاقل، وها هم المصلحون يدقون أجراس الخطر ويبحثون عن حلول ممكنة لتجنب كوارث يؤدي إليها الفرق الهائل بين أعداد النساء والرجال، سيما بعد الحروب ولو ذهبنا نستعرض بعض الأرقام على سبيل المثال لا الحصر من بعض الدول العربية والإسلامية الأصابنا الذهول من هذه الأرقام المخيفة، ففي بعض المناطق من العراق تصل نسبة عدد الرجال إلى عدد النساء كنسبة (1 : 5) وفي مناطق أخرى (1 : 7) بسبب الحرب مع إيران، وهذا الرقم كان قبل الغزو الأمريكي الغاشم الذي أدى بالتأكيد إلى تفاقم المشكلة وأشد الإحصائيات إثارة للألم هي في البوسنة والهرسك، فقد وصلت نسبة عدد الرجال إلى عدد النساء كنسبة (۱ : 27) بعد حرب الإبادة الظالمة التي تعرضت لها هذه البلاد المنكوبة، وهذه الأرقام أوردها على سبيل المثال لا الحصر ولو ذهبت أجمعها لطال الأمر، فماذا لو ذكرنا أعداد النساء الوحيدات التي تعد بالملايين في الدول العربية الإسلامية؟! وماذا لو ذهبنا نحصي أعداد الأطفال الذين يولدون سفاحًا كل عام خاصة في الدول التي تمنع التعدد وتبيح بالمقابل العلاقات خارج إطار الزوجية؟ وماذا لو فتحنا ملف الزواج العرفي، الذي اضطرت السلطات في بعض البلدان إلى بحث تقنينه بعد منعه اعترافًا بالأمر الواقع؟!
فما هو الحل في نظر هؤلاء الذين يرفضون التعددة وهل هذه المرأة التي ترفض التعدد كتشريع تفضل أن تبقى اختها أو ابنتها - إذا حصلت هي على زوج - أيما طيلة حياتها على أن تقترن برجل متزوج تقاسم به امرأة أخرى؟ أنا متأكدة أنها ستقبل أن تتزوج ابنتها أو حتى صديقتها من متزوج، وربما لا تفكر في هذه الحال في مصلحة الزوجة الأولى مادام الأمر المصلحة تخصها، وربما تقبل أن تكون هي أو قريبتها الزوجة الثالثة أو الرابعة، ويكون هذا أفضل من حرمانها من حقها الطبيعي في الزواج، وتكوين أسرة تتبادل فيها العواطف في جو نظيف.