; المواجهة الصهيونية اللبنانية.. «رؤية عسكرية» | مجلة المجتمع

العنوان المواجهة الصهيونية اللبنانية.. «رؤية عسكرية»

الكاتب د. زكريا حسين

تاريخ النشر السبت 12-أغسطس-2006

مشاهدات 68

نشر في العدد 1714

نشر في الصفحة 28

السبت 12-أغسطس-2006

اتسمت المواجهة العسكرية الصهيونية اللبنانية بسمات خاصة انفردت بها وجعلتها مختلفة اختلافًا جوهريًا عن كل المواجهات العسكرية الصهيونية العربية، اتسمت المواجهة العسكرية الصهيونية- اللبنانية بسمات خاصة انفردت بها وجعلتها مختلفة اختلافاً جوهريا عن كل المواجهات العسكرية الصهيونية- العربية التي تمت منذ زرع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وإعلان قيامه في ١٥ مايو ١٩٤٨ م، ويتسع هذا الاختلاف ليشمل الأهداف والتخطيط والإعداد والتدريب والإدارة لهذه المواجهة بل يتسع هذا الاختلاف ليشمل أساليب تطبيق مبادئ الحرب المتعارف عليها مثل التوازن والمبادأة والمفاجأة والحشد.. وغيرها من المبادئ التي تحكم التخطيط الاستراتيجي العسكري وإدارة الصراعات المسلحة بين الدول بشكل عام. 

ميزان القوى وأهداف الجانبي

 أولاً: حزب الله، تم تكوين حزب الله عام ۱۹۸۲ م مع نشوب الحرب الأهلية اللبنانية.. وجنود حزب الله غير متفرغين تماماً للحياة العسكرية، بل هم مواطنون يعيشون حياة عادية وليست لهم وظائف ثابتة، ولكنهم يرتدون الزي العسكري ويتخذون مواقعهم في جبهة القتال في المكان والوقت الذي تأمرهم به قيادتهم. وبالتالي فهم لا يعرفون إلا عندما تنشر أسماؤهم أو تعلق صورهم في الشوارع عند استشهادهم. 

ومن هنا اكتسب تخطيط إدارة العمليات الحزب الله السرية المطلقة، ولم تنجح عناصر الموساد الصهيوني في اكتشاف مواقع تمركز تحركات القوة الرئيسة للحزب، سواء منها القوة الصاروخية أو قوته البشرية ويتمثل المصدر الرئيس لتمويل حزب الله من شركاته الخاصة، حيث تم التأسيس لإقامة سلسلة من الصناعات شملت فنادق ومطاعم ومصانع وشركات إنشاءات وعقارات، ما يعود بأرباح كبيرة تسمح لحزب الله بالإبقاء على شبكة من الخدمات الاجتماعية التي تشمل المدارس والمستشفيات والإعلام.. كما تعدت أنشطة حزب الله إلى المشاركة في الحياة السياسية منذ عام ١٩٩٢ م.

 القوة المسلحة لحزب الله: تقدر القوة البشرية لحزب الله بحوالي ٤٠ ألف مقاتل يمتلك عددًا من ناقلات الجنود المدرعة وأطقم أسلحة ثقيلة، وأسلحة مضادة للدبابات وعددًا من المواقع المضادة للطائرات. إضافة إلى امتلاكه لعدد من الطائرات بدون طيار.

 وتمثل الترسانة الصاروخية لحزب الله العمود الفقري لقوته التسليحية، حيث يمتلك قرابة ١٥ ألف صاروخ متعددة المدى والرأس المدمرة منها صاروخ كاتيوشا يصل مداه إلى ٣٠ كيلو مترًا، وله رأس مدمرة بقوة ١٥ كيلو جرامًا.. وصاروخ فجر ويصل مداه إلى ٤٥ كلم وله رأس مدمرة بقوة ٤٥ كلم.. وصاروخ فجره ويصل مداه إلى ٧٥ كلم وله رأس مدمرة بقوة ٩٠ كيلو جراماً.. وصاروخ زلزال. ويصل مداه إلى ١٥٠ كلم وله رأس مدمرة بقوة ٦٠٠ كيلو جرام.. كما يمتلك الصاروخ رعدا «رعد ٢»، وهي صواريخ بعيدة المدى تصل حتى ٢٠٠ كلم.

 وتتحالف حركة أمل، التي يقودها نبيه بريء الرئيس الحالي لبرلمان لبنان مع قوات حزب الله ويشاركها عملياتها وقوة الحركة تصل إلى ١٥ ألف مقاتل وكلها مسلحة بأسلحة خفيفة حيث نقلت معظم أسلحتها الثقيلة إلى الجيش الوطني اللبناني عام ۱۹۹۱ م.

 وتحكم حزب الله عدة مبادئ استراتيجية ، أهمها:

أولًا، أن استهداف العمق الصهيوني من المبادئ الراسخة لاستراتيجية المقاومة للحزب.. وبالتالي فإن البناء العسكري وتوفير القدرات التسليحية وتدريب القيادات ينطلق من أهمية تحقيق ذلك المبدأ الذي أحدث توازناً في المواجهة المسلحة الحالية بين كفاءة التخطيط والتدريب والإعداد والإيمان بالمعتقدات والمبادئ التي تحقق هذا التوازن. 

وثانيًا: الوقوف بحزم أمام كل المحاولات الصهيونية لزعزعة الثقة بين حزب الله والحكومة اللبنانية. حيث كان الرفض الشعبي اللبناني لهذا الادعاء منذ بداية المواجهة وكان التنسيق والتعاون المتفق عليهما لدور الحزب وعلاقته بالحكومة اللبنانية من المبادئ الرئيسة التي تقوم عليها إستراتيجية الحزب بصفة عامة- ومن هنا لم تنجح الضغوط الأمريكية والأوروبية على الحكومة اللبنانية لفرض الشروط الصهيونية على حزب الله سواء لتسليم الجنود الأسرى أو نزع سلاحه. 

وقد خطط حزب الله لإدارة مواجهة طويلة الأمد تمتد لأكثر من خمسة أسابيع.. ويؤكد ما حققه الحزب.. أنه يسير بنجاح في تنفيذ مخططه من حيث دقة اختيار الأهداف الصهيونية على الحدود والعمق في شمال الكيان الصهيوني، وإن درجات التصعيد وحجم القوة التدميرية لصواريخه تتناسب مع درجة هذا التصعيد.. حيث إن كل ما استهلكه من قدراته الصاروخية مع بداية الأسبوع الثالث للعمليات وصل طبقاً لما هو معلن إلى قرابة ١٥٠٠ صاروخ فقط!!

 كما أن ما أحدثه من تدمير سواء للبارجة الصهيونية أو النجاح في صد الهجمات البرية المدعومة بطائرات القتال والصواريخ سواء في قرى مارون الراس أو «بيت جبيل»، فرض على الجانب الصهيوني مراجعة خططه للإدارة الإستراتيجية للعمليات البرية، واكتفى ببعض العمليات المحدودة على الحدود اللبنانية تفادياً للخسائر وللمقاومة العنيدة لمقاتلي حزب الله التي فوجئت بها القيادة الصهيونية .

ثانيًا: الجانب الصهيوني

قوة العمل الصهيونية التي تدير الاقتصاد هي قوة الاحتياط نفسها التي تعبًا لاستكمال بناء القوات المسلحة، وبالتالي فإن إطالة زمن المواجهة المسلحة تنعكس انعكاسًا مدمرًا على الاقتصاد الصهيوني 

عقيدة الكيان الصهيوني تعتمد على إدارة صراعاته المسلحة خارج حدوده حتى لا تتعرض مدنه وسكانها للتدمير.. لكن حزب الله نجح في نقل العمليات إلى الداخل الصهيوني وفرض على سكان الشمال الصهيوني البقاء في الملاجئ 

لقد أراد إيهود أولمرت تقديم أوراق اعتماده لشعبه كرئيس دموي لا يقل عمن سبقوه..... فهل يستطيع؟؟ لعل صمود وكفاءة الإدارة الناجحة لحزب الله يثبتان عكس ذلك.

الجانب الصهيوني

 يمتلك الكيان الصهيوني قوة عسكرية رباعية الأضلاع.. ضلعها الأول يتمثل في القوات التقليدية بأجزائها البرية والجوية والبحرية.. قوات الدفاع الجوي التي تمثل قوة ضاربة تعتمد على التفوق النوعي وليس الكمي على كل الدول العربية كاملة، وترتكز على تفوق تكنولوجي مطلق للأسلحة التي تمتلكها. مع وجود نظام تعبئة محكم يمكن من سرعة تحوّل القوات المسلحة من حالة السلم إلى حالة الحرب في أقل وقت ممكن.. إلى جانب الإعداد الجيد لمسرح العمليات بما يخدم سرعة هذا التحول.

 أما ضلعها الثاني، فيتمثل في امتلاك الكيان الصهيوني قدرات هائلة ومنظومة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.. وضلعها الثالث.. يتمثل في امتلاكه قدرات نووية سواء منها الصواريخ ذات الرؤوس النووية أو القنابل النووية والنيوترونية.. أما ضلعها الرابع، فيتمثل في امتلاكه لقدرات فضائية تتمثل في الأقمار الاصطناعية وأقمار الاتصالات وغيرها!!

 وقد حدد الكيان الصهيوني أهدافه العسكرية لتكون الإفراج غير المشروط عن الأسرى الصهيونيين، ودفع حزب الله بعيداً منطقة الحدود إلى جنوب الليطاني، مع تسليم سلاحه للجيش اللبناني، ثم بسط الدولة اللبنانية سيطرتها على الجنوب بقواتها المسلحة وإقامة منطقة عازلة في الجنوب توجد بها قوة متعددة الجنسيات أو من حلف شمال الأطلسي لفرض الأمن والسيطرة على الحدود اللبنانية .

وقد أدارت قوات الكيان الصهيوني عملياتها لتحقيق هذه الأهداف من خلال حملة جوية وبحرية وصاروخية، ونجحت في فرض حصار كامل بري وبحري وجوي على لبنان وعزلته كما قام الكيان الصهيوني- طبقاً لما أعلنه السيد نبيه بري لوزيرة الخارجية الأمريكية- بإسقاط ما يعادل قنبلة نووية عيارية على لبنان أي ما يساوي( ۲۰۰۰۰) طن مواد متفجرة لتدمير بنيته التحتية ومنشأته الحيوية وخطوط المواصلات والجسور والمرافق بحجم من الخسائر يقدر بنحو ٤٠ مليار دولار!!

 وبدأ الكيان الصهيوني تقدمه البري بدفع ثلاثة ألوية: «لواء مظلي»، ولواء وحدات خاصة، ولواء مدرع بقوة حوالي من ١٢ إلى ١٥ ألف مقاتل، وبمعاونة جوية وصاروخية اسقطت ٢٣ ألف طن من المواد المتفجرة لتستولي على قرى مارون الراس وبنت جبيل وعيترون، التي تبعد حوالي ٨ كلم .وقد بدأت تحركها البري المحدود في اليوم الثامن للعمليات في يوم الأربعاء ٢٠٠٦/ ٧/ ١٩ م، واستمرت هذه الهجمات البرية في مواجهة مقاومة عنيفة وشرسة حتى يوم الجمعة ٢٠٠٦/ ٧/ ٢٨ م، ولم يحقق منها الكيان الصهيوني سوى إنجاز محدود في قرية مارون الراس... الأمر الذي أدى إلى انعقاد المجلس الوزاري الصهيوني المصغر الذي يدير العمليات وإعلانه استبعاد خيار الهجوم البري الكبير والاكتفاء بالهجمات المحدودة.. كما قرر دعم القوات البرية الصهيونية باستدعاء ثلاث فرق برية جديدة!! الأمر الذي يعد انتصارًا كبيرًا لقوات حزب الله...

 التحليل العسكري لعمليات الجانبين

في مجال توازي القوى.. يعني توازن القوى التعادل من حيث الكم والكيف للقوات المتصارعة بالقدر الذي قد يؤدي إلى عدم التصارع بينها.. أو تحقيق نتائج متعادلة في حالة نشوب الصراع.. وبتطبيق ذلك على المواجهة الصهيونية- اللبنانية يتضح أنه ليس هناك توازن في القوى بالمعنى المتعارف عليه بين قوات الجانبين. حيث إن القوة الصهيونية رباعية الأضلاع المتحالفة مع الولايات المتحدة التي تمدها بسيل من احتياجاتها العسكرية.. وبين قوة حزب الله التي تتمثل في قدرات محدودة الإمكانيات والتسليح يعوضها الرغبة في المقاومة والصمود. 

في مجال طبيعة الصراع المسلح.

هو صراع غير تقليدي لا يتم بين قوتين مسلحتين نظاميتين جيوش ميدانية محدد لكلتيها أهداف.

 وما يحدث في لبنان لا يدخل في نطاق مواجهة عسكرية متكافئة.. إنها أقرب إلى عملية عسكرية تأديبية من دولة عسكرية لدولة أخرى لا تمتلك قوة مسلحة قادرة على صد هذا العدوان!!

 في مجال تحقيق الأهداف والقدرة على الصمود.. فإن الجيش الصهيوني ينفذ عقيدة عسكرية تعتمد على الحرب الخاطفة، حيث إن قوة العمل الصهيونية التي تدير الاقتصاد هي نفسها قوة الاحتياط التي تعبًا لاستكمال بناء القوات المسلحة وبالتالي فإن إطالة زمن المواجهة المسلحة تنعكس انعكاسًا مدمرًا على الاقتصاد الصهيوني وهذا ما دعا إلى التردد، وإلغاء مجلس الوزراء الصهيوني المصغر لفكرة الاستدعاء الكامل لقوة الاحتياط وإلغاء العمليات البرية الموسعة والاكتفاء بعمليات محدودة لتفادي مواجهة حرب استنزاف طويلة يخطط لها حزب الله. 

كما أن عقيدة الكيان الصهيوني تعتمد أيضاً على إدارة صراعاته المسلحة خارج حدوده، حتى لا يعرض مدنه وسكانه للتدمير.. وقد نجح حزب الله في نقل العمليات إلى الداخل الصهيوني، وفرض على سكان الشمال الصهيوني البقاء في الملاجئ لشعورهم ولأول مرة بالتدمير المباشر لمنازلهم وممتلكاتهم!! 

أما عن طبيعة العمليات.. فنحن أمام عملية مواجهة تعتمد على القتال عن بعده حيث يستخدم الكيان الصهيوني قدرته الجوية والصاروخية والبحرية لتدمير كل الأهداف المدنية في لبنان مع ضمان عدم حدوث أي خسائر بشرية في أسلحة قتاله لغياب القوة المضادة العسكرية اللبنانية القادرة على التصدي وإيقاف العدوان.

 وفي النهاية نقول لقد أراد إيهود أولمرت رئيس وزراء الكيان الصهيوني أن يقدم أوراق اعتماده لشعبه كرئيس دموي لا يقل عمن سبقوه.. حيث يعتبر أول رئيس وزراء من خارج العسكريين وكل علاقته بالجيش لا تتجاوز الخدمة الإجبارية التي أصيب فيها، وتحول إلى مراسل عسكري.. وبالتالي فقد أراد أن يثبت أنه ليس أقل دموية وعنفاً وإرهاباً ممن سبقوه.. فهل يستطيع؟

 لعل صمود وكفاءة الإدارة الناجحة الحزب الله يثبتان عكس ذلك!!

الرابط المختصر :