العنوان المال: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم (الحلقة 42)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1983
مشاهدات 58
نشر في العدد 608
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 15-فبراير-1983
المال - في منظور الإسلام ومن حيث الملكية- هو لله باعتبار الله هو مالك الملك ولأن القرآن قد نص على ذلك: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 33) وعلاقة الإنسان بالمال -في منظور الإسلام- ليست علاقة ملكية بقدر ما هي علاقة استخلاف فالإنسان مستخلف على المال الذي بين يديه فقط لا أكثر، أما المالك له فهو الله سبحانه وتعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: 7). هذا من حيث المبدأ.
بعد ذلك يبين لنا الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حدود هذا الاستخلاف: المباح والمكروه والحلال والحرام والاستحسان فيما يتعلق بالتصرفات المالية، فلا يحق للمسلم أن يكون من المبذرين ولا يحق له أن يكون من المقترين بل لا بد من الموازنة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67) هذا في الحلال، أما صرف المال في أوجه محرمة فطبعًا لا يجوز وذلك من نافل القول، ولا يحق لصاحب المال أن يقرض بفائدة لأن ذلك ربا والربا كما هو معلوم حرام والقرض الحسن هو المعمول به في المجتمع الذي يحتكم للإسلام، أي القرض الخالي من الفائدة لصاحب المال ولا يحق لصاحب المال أن يصرفه كله أو معظمه على الطاعات والتبرعات وأعمال البر قبل أن يوفي حق من يعول من زوجة وأطفال وأولاد وأقرباء؛ فقد اعتبر بعض الفقهاء ذلك إسرافًا يقتضي الحجر عليه، وقال آخرون: لا إسراف في الطاعة «انظر تفسير القرطبي- جـ5 ص29» القصد من ذكر ذلك أن نبين بأن في المال حقوقًا كثيرة لا ينبغي التصرف به إلا بعد أن توفى تلك الحقوق، ولا يجوز شرعًا السماح للسفيه بأن يتصرف بماله كيف شاء؛ ولذلك استدل الفقهاء بالآية: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 5)، قال القرطبي: دلت الآية على جواز الحجر على السفيه، والسفيه هو الذي يتصرف بماله خلاف ما يقتضيه الشرع، ويحذر القرآن أصحاب الأموال بأنها فتنة -ليس إلا- وأن الاعتداد بها والركون إليها وكنزها يؤدي إلى هلاك محتم.
﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15).
﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ (الهمزة: 1، 2).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: 34).
وبعد أن وضع الإسلام التصور العام للمال من حيث الملكية والأطر العامة للتصرف به، حدد كذلك أوجه إنفاقه الواجبة واللازمة والمستحسنة والمستحبة ويلاحظ أن تشريعات الإسلام المالية كلها تخدم مصلحة جماعية وتنحاز للفقراء والمعوزين والمحتاجين وتتجه نحو تفتيت الثروات المالية على أكبر قاعدة ممكنة من الناس بحيث تحول دون تركيزها في أيد قليلة، قال تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7).
هذه العبارة: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ تضع أمامنا قاعدة اقتصادية كبرى من قواعد التنظيم الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي؛ فالملكية الفردية في الإسلام حق معترف بها ولكن ينبغي أن تتحرك ضمن إطار هذه القاعدة الأشمل: قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء فقط ممنوعًا من التداول بين الفقراء، فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم فهو وضع يصطدم ويتناقض مع مقررات الشريعة الإسلامية وأهداف التنظيم الاجتماعي في الإسلام، «انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة الأولى، جـ28 - ص37» من أجل هذا فرض الإسلام الزكاة وحرم كلًا من الاحتكار والربا وهما الوسيلتان الرئيستان لجعل المال دولة بين الأغنياء وتركيزه في أيديهم، وقد ذهب بعض الفقهاء ومنهم ابن حزم أن في المال حقوقًا سوى الزكاة، فيقول في كتابه المحلى -جــ6- ص452:
«وفرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم بهم الزكوات ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة».
ويستشهد ابن حزم بقول نقل عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال:
«إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فيمنع الأغنياء وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه».
هكذا نجد كيف حارب الإسلام تركيز الأموال بيد الأغنياء وهو أمر حاصل اليوم في كل أرجاء العالم الإسلامي، وهو من الأسباب الرئيسية للشظف والجوع والحرمان الذي يعاني منه جماهير المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل