العنوان تلفزيون الكويت.. نحو إعلام أفضل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1979
مشاهدات 71
نشر في العدد 457
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 06-نوفمبر-1979
في الحلقة الأولى من هذه الدراسة بيَّنا مدى خطورة الإعلام وأجهزته وكان لا بد من هذه البداية. وفي هذا العدد نحاول أن نسلط الأضواء على أجهزة الإعلام في الكويت نبدؤها بالتلفزيون. وبادئ ذي بدء لنا ملاحظتان على أجهزة الإعلام في الكويت بشكل عام.
أولاهما :
عدم وجود سياسة إعلامية واضحة أو بمعنى آخر عدم وجود أهداف واضحة.. ولا توجد سياسة إعلامية في العالم كله تنشأ من فراغ أو تعيش بالمصادفة، إن السياسة الإعلامية تعبر عن مصالح سياسية واقتصادية وتخدم اتجاهات إيديولوجية واجتماعية محددة.
- فالإعلام الأمريكي ينطلق من فلسفة المنفعة ويعمل على خدمتها فهو يأخذ طابع التثقيف.
- والإعلام السوفييتي ينطلق من الأيديولوجية الماركسية.
يقول برجنيف في المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي: «إن وسائل الإعلام والدعاية الجماهيرية هي أداة جبارة للحزب في القضية الكبيرة المعقدة.. قضية تكوين الإنسان الجديد وفي الصراع الأيديولوجي مع عالم الرأسمالية».
- والإعلام الصهيوني ينطلق من مصلحة اليهودية العالمية. يقول إيغال ألون «إن الإعلام في إسرائيل له مهام كثيرة. لكن المهمة الرئيسية هي أن يرسم صورة الحياة الإسرائيلية في صورة عصرية جديدة»
- للأسف حتى إعلام الربح متمثلًا في الأفلام التجارية وأكثرها خلاعية هو أيضًا يعمل من خلال سياسة إعلامية وهي تحقيق أكبر ربح للمؤسسة الإعلامية.
إلا أن أجهزة الإعلام في الكويت بوجه خاص والإعلام العربي بوجه عام ما زالت تغط في سبات عميق وتسير إلى طريق المجهول، ذلك لعدم وجود أهداف وإذا كانت هناك ثمة أهداف فإنها غير واضحة.
والغريب أن الإنسان يسأل عن هدف الصحافة أو التلفزيون أو السياسة التي ينتهجها فلا يجد من هذا القبيل شيئًا بتاتًا.
والحقيقة أنا لا ألقي اللوم كله على القائمين على أجهزة الإعلام، إنما الإعلام هو جزء من المجتمع بل انعكاسه لما يدور فيه، وإذا قلنا إن المجتمعات العربية تعيش في حالة فوضى دون وضوح غاية أو السعي وراء أهداف مرسومة، فإننا نعطي أجهزة الإعلام نوعًا من العذر ولكن ذلك لا يمنع إطلاقًا من وضع سياسة إعلامية بناءة.
والواجب أن تنطلق سياستنا الإعلامية من ديننا الحنيف وتعاليمه السمحة. والدستور ينص على أن دين الدولة الإسلام. والدستور كما هو معلوم هو المرجع الأساسي لوضع أي سياسة ولا يجوز أن تخالفه بأي حال من الأحوال. عند ذلك ستنعم بإعلام رفيع المستوى ذي تأثيرات إيجابية على المجتمع. والحاصل أن الكثير من البرامج الإعلامية تخالف إما أحكام الشريعة الإسلامية الغراء شكلًا وروحًا أو تخالف العادات والقيم الاجتماعية التي نص الدستور بالمحافظة عليها.
ثانيتهما:
ومما زاد الطين بلة أيضًا هو غياب التخطيط بمعناه المادي، البرامج الإعلامية في حيص بيص. الناظر إلى أجهزة الإعلام في الكويت يجد مادتها ارتجالية في أكثر الأحوال لا يوجد توازن ولا تنسيق بين المواد وأقرب مثال على ذلك مسلسل مذكرات جحا في التلفزيون.
واليوم نلمس ضررين هما نتاج عدم وجود سياسة إعلامية واضحة مخالفة أحكام الدستور عن طريق مخالفة أحكام الشريعة والقيم الاجتماعية وغياب التخطيط:
ا - نجد صراعًا في المجتمع الكويتي بين القيم الأصيلة الثابتة والعادات الوافدة الدخيلة، صراعًا عنيفًا له خطر كبير في المجتمع.
۲ - التخلف عن مسايرة العقلية العصرية، في استخدام العلم والانتفاع بالتجارب الناجحة والتخطيط العلمي السليم، فتجد البرامج أكثرها ارتجالي مما يسبب ضعف مستوى هذه البرامج من ناحية المضمون والشكل.
تلفزيون الكويت:
بالإضافة إلى الملاحظتين السابقتين هناك العديد من الملاحظات الخاصة بجهاز التلفزيون في الكويت لعل من أهمها:
- في بلد مثل الكويت عاش الحياة الديمقراطية أربع عشرة سنة في ظل مجلس الأمة، وما زال المسؤولون بين الفينة والأخرى يعدون بعودة الحياة النيابية بعد انقطاعها، تجد وللأسف الشعب ليس لديه الثقافة السياسية الكافية لممارسة هذه النشاطات. مثلا كلمة الديمقراطية لا يفهمها الكثير من الناس. والواجب أن يقوم تلفزيون الكويت بعمل برامج سياسية، لا أقول إننا نريد برامج تُخرج لنا سياسيين محنكين وإنما أريد برامج تشكل الحد الأدنى للثقافة السياسية اللازمة لممارسة الحياة النيابية ومعرفة وفهم الأحداث العالمية والسياسية من حولنا.
والحقيقة أنه منذ أنشئ تلفزيون الكويت لم تسمع عن برنامج سياسي إطلاقًا.
- هناك أمر مهم جدًا، وهو زيادة البرامج الترويحية ونقصان البرامج الثقافية. فإحصائية عام ۱۹۷۰ تبين أن ٦٩ بالمئة من البرامج ترويحية وأن ١٩.٥ بالمئة تثقيفية و ٦,١١بالمئة إعلامية وإخبارية .
ولا شك في أن هذا مؤشر خطير خاصة إذا علمنا أن التلفزيون أصبح أحد مصادر الثقافة وأن البرامج الثقافية التي تقدم ليست أيضًا برامج ثقافية بالمعنى المطلوب وإنما هي قشور الثقافة. هذا بالإضافة إلى نقصان وضعف البرامج المخصصة للمرأة والطفل.
وفيما يلي نترك لذهن القارئ وفطنته المقارنة بين إحصائية برامج سنة ۱۹۷۰ وسنة ۱۹۷۷:
نوع البرامج ۱۹۷۰ ۱۹۷۷
دينية 9.6% 10%
مرأة وطفل 2.8% 1%
رياضة 5.3% 3%
خاصة 3.9% 2%
مع الطلبة،
الصحة للجميع
أخبار وأعلام 11.6% 20%
بالإضافة إلي التعلقيات السياسية
تمثيليات ومسرحيات 12.5% 29%
منوعات ومختارات
أغاني وموسيقى 20.8% 7%
ثقافية 3.2% 5%
أفلام 30.2% 5%
شباب - 5%
شئون عامة - 1%
إعلانات تجارية - 3%
توجيهات أخرى - 7%
من الجدول السابق ينجلي بكل وضوح نقص البرامج الثقافية وبرامج المرأة والطفل إلى جانب زيادة كبيرة في البرامج الترفيهية مثل التمثيليات والمسرحيات التي تشكل ٪29 من مجموع البرامج لسنة ۱۹۷۷.
- كذلك المتابع للتلفزيون وما يقدمه يجد أنه لا توجد برامج تبين للجيل الصاعد مسؤوليته تجاه إسلامه ووطنه. فأكثر البرامج تمثيليات أو مسرحيات ساخرة ولا ننكر أن بعضها يخدم أهدافًا اجتماعية، ولكنها لا تخدم الأهداف البعيدة التي تتعلق بآمال وطموحات الشعوب العربية والإسلامية.
- في غياب مثل هذه البرامج نلاحظ عرض الكثير من الأفلام الجنسية التافهة لدرجة أنه لا تجد قصة محددة أو قضية يناقشها الفيلم عدا عرض المشاهد الخلاعية، وهذه الأفلام تلعب دور المعول في هدم أخلاقيات الشباب وبالتالي تكسير إحدى دعائم المجتمع الكويتي.
- ومن الجدول السابق نلاحظ أيضًا نقص البرامج التربوية والأسرية التي تعنى بالمشاكل الاجتماعية المتعلقة بالأفراد. فنجد في إحصائية عام ۱۹۷۷ أن برامج المرأة 1% فقط من المجموع الكلي للبرامج . مسكينة هذه المرأة يقولون إنها نصف المجتمع ويجب أن تتحرر من قيودها وتعطي كامل حقوقها وها هم لا يعطونها من برامجهم سوى 1% رغم أنها تشكل نصف المجتمع، إذا كانوا صادقين في ادعاءاتهم فلم البخل عليها وعدم إعطائها حقها من البرامج في مناقشة مشاكلها الخاصة سواء المتعلقة بتربية أولادها جيل المستقبل أو مشاكلها الزوجية. كذلك هناك نقص في البرامج التوجيهية والتربوية التي تعتبر عاملًا مهمًّا لتنشئة الأفراد على نمط سلوكي معين.
التلفزيون مستعد فقط لجلب البرامج السوقية التافهة.
- هذا وأعود وأكرر على أن التلفزيون هو أحد مصادر الثقافة الحالية خاصة إذا علمنا أنه لا يخلو بيت من جهاز تلفزيون، كما أنه لا يكلف الفرد شيئًا في مشاهدته سوى الجلوس، إزاء ذلك يجب أن تكون البرامج على مستوى رفيع من الثقافة لينعكس ذلك على المشاهدين .. وهنا يجب أن نلاحظ أن تعرض البرامج الثقافية بأسلوب مشوق و عصري لا يمله الناس.
أثر التلفزيون على الأسرة :
وفي الحقيقة كان لبرامج التلفزيون بعض الآثار السلبية على المجتمع وبالأخص على الأسرة مثل:
- أخذ التلفزيون ببعض برامجه الخلاعية والجنسية يشكل التفسخ العائلي. فتجد أن مثل هذه المناظر تعرض وفي المجلس الأب والأم والأبناء ومع كثرة هذه المسلسلات أصبحت هذه المناظر أكثر من طبيعية وللأسف.
وفي هذا المقام يحضرني سالفة لأحد نواب مجلس الأمة أثناء مناقشة البرامج التي يقدمها التلفزيون، يقول النائب: في إحدى الليالي وفي جلسة عائلية كنا نشاهد التلفزيون فظهر على الشاشة منظر قبيح فأحسست بالحرج فأمرت ابنتي بإحضار ماء، ولكن للأسف تكررت هذه المشاهد فكم مرة آمر ابنتي بإحضار ماء!
- تحطيم بعض تقاليد وعادات المجتمع الكويتي ... فتجد مناظر العرى واختلاط الرجال بالنساء واحتساء الخمور وغيرها كثير .. لا نريد ذكرها لأن أقلامنا والحمد لله أكبر من أن نذكرها.
- تأخر الأولاد عن المدرسة...
ذلك لتأخر إرسال التلفزيون، يقول قائل يا أخي... علّم أولادك على النوم مبكرًا، أقول إن التلفزيون يا عزيزي أخذ يجري من الأولاد مجرى الدم لدرجة أنك لا تستطيع أن تكلم أحدًا منهم، في الوقت الذي لا تجد مبررًا لتأخير إرسال التلفزيون إلى ساعات متأخرة من الليل.
وهناك تأثيرات سلبية للتلفزيون بشكل عام وليست مقتصرة على التلفزيون الكويتي -والحق يقال...
مثل:
- اندماج الأفراد مع برامج التلفزيون إلى حد الالتهاء عن الأمور المهمة ومناقشتها وتأخير وتأجيل الكثير من الأعمال... والبعض يصل به الأمر إلى الحد الذي لا يتحرك فيه من مكانه ولا يريد أحدًا أن يكلمه أو يشغله عن متابعة التلفزيون....
والبعض تراه يشاهد التلفزيون من العلم إلى العلم.
أثر التلفزيون على الأطفال:
يقول علماء التربية: «إن أستاذ المدرسة يستطيع أن يشعر بمدى تأثير التلفزيون على تلاميذه يوميًا سواء كان ذلك من ناحية وقوفهم على قضايا الساعة الراهنة أم من ناحية ضعفهم في تركيز أعصابهم وشدة عصبيتهم».
للتلفزيون أثر خطير على الصغار
مما لا شك فيه أن التلفزيون أشد تأثيرًا في الأطفال. وكان هذا التأثير سلبيًا بالنسبة لأطفالنا في الكويت خاصة إذا علمنا أنه زاد عدد المسلسلات البوليسية والإجرامية في الآونة الأخيرة ولا أظننا في حاجة إلى ذكر أسمائها ولكن أشهرها الجريمة «الغامضة» و«الشرطية الحسناء» وغيرها كثير وكثير. والأطفال يتعلمون منها العنف وأساليب الجريمة.
وبالفعل وقعت كثير من الحوادث مثل أن يقتل طفل شقيقه أو ترى طفلًا يعلق مشنقة أو يمسك سكينًا.
وفي نفس الوقت هناك بعض البرامج تدخل الرعب والخوف في قلوب الأطفال ويتمثل هذا الخوف في إغماض العينين أو الهروب من الحجرة أو تنعكس في صورة أحلام مخيفة عند بعض الأطفال، وقد أجريت تجربة على ۳۰۰ طفل وطرح عليهم سؤال هل دخل عليك الرعب أثناء مشاهدتك للتلفزيون؟ مأجاب ٧٥% بنعم.
وبالرغم من فزع الأطفال من هذه البرامج البوليسية إلا أنها أفضل البرامج بالنسبة لهم.
- كما أن التلفزيون يصرف الأطفال عن الاستذكار، خاصة إذا زادت ساعات إرساله، والطفل بطبيعته لا يدرك عواقب الإهمال في المذاكرة.
- وهناك عيب عام لا يتعلق بالتلفزيون الكويتي فقط وهو أنه يعتبر عاملًا مساعدًا في إيجاد السلبية والانعزالية عند الأطفال، هو في حد ذاته لا يوجد هذه الانعزالية وإنما ينميها عند الأطفال الذين توجد فيهم مثل هذه الصفة أساسًا، كما أوضحت الكثير من الدراسات.
البرنامج الثاني :
في غياب مخطط إعلامي واضح وغياب البرامج الثقافية والسياسية وانتشار الأفلام والمسلسلات السوقية وضعف مستوى البرنامج بشكل عام تفتتح قناة ثانية للتلفزيون، والعجيب أن يقال إن هدفها ثقافي. أما كان من الأجدر تقوية برامج القناة الأولى ورفع مستواها وتلافي الأخطاء فيها ثم لماذا القناة الثانية، أما تكفي القناة الأولى لتحطيم دعائم الأسرة. إن الناظر إلى برامج القناة الثانية يجدها إلى حد كبير نسخة طبق الأصل للتلفزيون البريطاني، هذا بالإضافة إلى الحلقات الاستعراضية التي تعرى فيها الأجسام ويخدش الحياء. في حين أن هناك دراسة استطلاعية قام بها التلفزيون حول آراء بعض فئات المواطنين في إنشاء قناة ثانية للتلفزيون تبين أن البرامج المطلوبة حسب الأولويات هي:
1- نقل أحداث الساعة.
2- أفلام وثائقية.
3 - ندوات ومناقشات تحليلية.
٤ - موضوعات علمية متخصصة
5 - موضوعات من الأدب العالمي
٦ - من الموسيقى العالمية.
إلا أن التلفزيون خيب ظن المشاهدين فبدأ من الأسفل عكس القاعدة المعروفة.
وهناك فئات كثيرة من المشاهدين لا ترى أصلًا إنشاء قناة ثانية، خاصة إذا نظرنا إلى التكاليف المادية التي أحوج ما نكون إليها في إقامة معهد علمي أو استحداث مرافق عامة جديدة أو ما شابه ذلك.