العنوان هل تمكن حسني مبارك من اختراق صف الأنظمة العربية!؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أكتوبر-1984
مشاهدات 74
نشر في العدد 687
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 16-أكتوبر-1984
على الرغم من صيحات وحدة الصف العربي أو شعارات التضامن العربي، التي ملأت الساحة العربية منذ عهود الاستقلال، إلا أن شيئًا من هذا لم يتحقق ولو مرة واحدة! فأنظمة الحكم العربية مقسمة إلى محاور تارة «محافظة» ومرة «ثورية» وأخرى «اشتراكية!» و «يسارية» وما إلى هنالك من مفردات في القاموس السياسي الغريب على «العربية»!
وإذا لم يكن الحكام في يوم من الأيام صفًا واحدًا بل اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو حتى أكثر من تعداد أنفسهم! لكن خيل للناس أنهم وقفوا صفًا واحدًا مرتين: المرة الأولى في مؤتمر قمة بغداد (۱۹۷۸) عندما اتخذوا قرارًا بمقاطعة مصر السادات بسبب «الخروج على الإجماع العربي» وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وهذه المرة هي موضوع تساؤلنا في هذا المقام.
المرة الثانية كانت في قمة فاس الثانية حيث اتفقوا على «مشروع سلام عربي» يتضمن في بعض بنوده الاعتراف بوجود إسرائيل؟
فهل اخترق نظام حسني مبارك صف قمة بغداد؟ وكيف تم له ذلك؟
الحقيقة أن قرار قمة بغداد الذي كان محصلة لمواقف متعددة، أعطى مسوغًا للسادات للمُضي بعيدًا في الطريق الذي اختاره طاعة للسيد الأميركي من جهة، كما حال دون اتخاذ إجراءات عنيفة ضد نظام السادات من جهة أخرى.
وبالرغم من إعلان معظم الأنظمة تطبيق قرار قمة بغداد، إلا أن العلاقات مع النظام المصري على المستوى الاقتصادي والثقافي وحتى على المستوى السياسي بقيت قائمة بصورة أو بأخرى. وكما قال الأردن مؤخرًا فإن الذي نتج عن قرار المقاطعة هو غياب السفراء فقط!
ولكن لنسلم جدلًا بأن قرار المقاطعة طبق فعلًا، فكيف إذًا تم لحسني مبارك اختراق الصف؟
هنالك ثلاثة أبواب رئيسية دلف منها النظام المصري «للصف العربي».
▪ الباب الأول: هو باب العلاقات الثقافية والفنية والرياضية والاقتصادية والأنشطة الشعبية.
فعلى سبيل المثال كان معظم ضيوف مهرجان التلفزيون الخليجي الأخير من الفنانين المصريين!
واشتركت الفرق الرياضية المصرية في أكثر من مسابقة عربية!
وفي مجال التجارة والاقتصاد فتح المجال للسلع والمنتوجات المصرية، وتعالت دعوات لاستثمار الأموال العربية في مصر، بحجة أن الفائدة تعود على «الشعب
المصري الشقيق» وليس على النظام نفسه!
وانطلقت وفود مصرية لهذا القُطر أو ذاك على أنها وفود شعبية، وخير مثال على ذلك الوفد الشعبي الذي زار طرابلس أثناء النزاع بين فتح والمنشقين بطلب من الرئيس حسني مبارك كما اعترف أكثر من واحد من أعضاء الوفد. ونحن لا نقصد الدعوة لمقاطعة الشعب المصري، بل نريد أن نُبين كيف تم الالتفاف على قرار قمة بغداد من قِبَل نظام حسني مبارك وبعض الأنظمة التي شاركت في إصدار
قرار القمة.
▪ الباب الثاني: هو باب الأزمات أو الحرائق التي شهدها المسرح العربي. وفي مقدمتها الحرب العراقية - الإيرانية. فلقد اهتبل نظام حسني مبارك الفرصة فقدم بعض المساعدات للعراق، وأدان إيران وطالب بضرورة وقف الحرب، الأمر الذي جعل بعض دول المنطقة تتقبل عودة مصر للصف العربي نظرًا لأهميتها السياسية
والبشرية!
وعندما ضيق المنشقون بدعم سوريا وليبيا الخناق على عرفات في طرابلس، أرسل حسني مبارك وفدًا شعبيًا لطرابلس، وأعطى الأوامر للبحرية المصرية بتوفير الحماية لياسر عرفات في رحلة خروجه من طرابلس. فما كان من ياسر عرفات إلا أن عرج على مصر ليلتقي حسني مبارك، وبذلك حاز على شهادة حُسن سلوك ممن من أجله تمت مقاطعة النظام المصري!
ولما كان نظام حسني مبارك قد اتخذ خطوات محسوبة، كعدم زيارة فلسطين المحتلة، ومنع وسائل الإعلام المصرية من التهجم على «أنظمة الصف العربي» وقد مهد ذلك لانتشار أن النظام الجديد هو غير النظام القديم، وأن نظام حسني مبارك له توجهات قومية عربية إيجابية!
ومن خلال الحرب العراقية - الإيرانية لقي حسني مبارك الملك حسين في قمة عدم الانحياز عام ۱۹۸۳
كل هذه الأمور مهدت السبيل لباب ثالث له الأثر الكبير في عودة مصر للصف العربي أو العكس!
▪ الباب الثالث: هو دور النظام المغربي الذي كان له دور كبير في الجمع بين اليهود والسادات ودفع الأخير لتوقيع الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية.. وفي القريب دعا يهودًا من إسرائيل عقدوا له مؤتمرًا في فاس، حيث انعقدت قمة فاس التي نجح فيها النظام المغربي بِرَص صفوف الأنظمة العربية للموافقة على «مشروع سلام
عربي» يقر الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني الدخيل في أرض فلسطين السليبة!
هذا الدور حمل الملك المغربي على إشاعة مقولة تغير نظام حسني مبارك عن سلفه، كما جعله ينشط بقوة في مؤتمر الرباط الإسلامي ليفتح فيه بابًا واسعًا يدلف منه النظام المصري بصف أنظمة العالم الإسلامي ومن ثم «لصف الأنظمة العربية».
وكنتيجة للأسباب السابقة مجتمعة، كان قرار الأردن باستئناف العلاقات الدبلوماسية مع مصر مسألة «داخلية» ومشروعة وضرورية لولا أنها كانت «انفرادية» أو أن توقيتها لم يكن موفقًا!
وفي رده على المنتقدين لم يشأ الأردن إلا أن يقول الحقيقة، وهي أنه كان قد أطلع معظم الأنظمة العربية على القرار وأنهم أقروه على ذلك، وأنه يتوقع أن يلحق به آخرون.
نعم هناك أنظمة عربية ثورية!! أطلقت صيحات الشجب والإدانة، بل التهديد والوعيد في ثورة عارمة.. ولكن دور هذه الأنظمة متناغم جدًا مع دور نظام الكامب
نفسه، بحيث تكون النتيجة في النهاية واحدة.
وصراع التمحور الذي أخذ يفرض نفسه على المسرح العربي من جديد والذي يتبلور في دور الملك المغربي ودعاة الاستسلام من ناحية.. ودور حكام الجعجعة الثورية من ناحية أخرى. ليس أكثر من صراع على من يتولى دور المنفذ الأمين
لمطالب السياسة الأميركية - الصهيونية بغض النظر عن الألوان والشعارات!
نعم إن مصر بلد عربي مسلم، ولمصر دورها الفاعل في السياسة العربية ولا بد من وحدتها مع الشعوب العربية والإسلامية من حيث المبدأ، لكن العودة لنهج كامب ديفيد الذي ما زال النظام المصري يعلن التمسك به والدعوة إليه، لا يمكن ولا يصح أن يسمى «تضامنًا عربيًا» كما في المعزوفة الرائجة في هذه الأيام.
إن الدعوة للصلح مع العدو الإسرائيلي بحسب اتفاقات كامب ديفيد أو أي بديل لها، وإلباس ذلك بثوب التضامن العربي، ضرب من ضروب المخادعة التي لم تعد تخفى على الشعوب العربية والإسلامية، وإذا كانت بعض الأنظمة العربية ترى أن اجتماعها على ذلك، يسوغ لها الخضوع والاستسلام، ويجعلها تأمن على نفسها من ردات فعل الشعوب، فإنها واهمة في ذلك غاية الوهم. وإذا كانوا قد مسحوا رقابة الله من ضمائرهم فعليهم أن يتذكروا أن خداع النفس لا يدوم، وأن خداع الشعوب لا يطول.
فهل من توبة إلى الله نصوح، وعودة لوحدة الصف على أساس العزة والكرامة وتطبيق منهج الله؟
ذلك ما ندعو الله أن يوفق إليه وإننا لمنتظرون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل