العنوان الحوار أم الصراع؟
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2008
مشاهدات 79
نشر في العدد 1806
نشر في الصفحة 66
السبت 14-يونيو-2008
يصعب، بل يستحيل الحديث عن حوار الغرب والشرق دون التأكيد على وجهي الظاهرة، وإدارة الكاميرا على الجانبين معا.. والجانبان هما: الصراع، والحوار.. تلك هي معطيات قرون متطاولة من الزمن، رسخت عبرها تقاليد السياقين بغض النظر عن المساحة التي احتلها كل منهما.
الصراع قائم ومتواصل بين القارتين الأوروبية (وامتدادها إلى أمريكا فيما بعد)، والأفروآسيوية (أفريقيا وآسيا).. أو بين الغرب والشرق أو بين المسيحية والإسلام.. وقد عبر عن نفسه بصيغ شتى، كما أن دوافعه لم تكن واحدة.. فهنالك الدافع الديني الذي تمثل بسلسلة من الحلقات المتتالية التي أعقب بعضها بعضاً، ولم تكد تترك هامشاً زمنياً لالتقاط الأنفاس الصراع البيزنطي الإسلامي الحروب الصليبية، حركة الالتفات الإسباني البرتغالي الصراع الأوروبي العثماني، الاستعمار القديم، ثم الاستعمار الجديد (الإمبريالية)، والتبشير، فالنظام العالمي الجديد بكل ما تنطوي عليه هذه الهجمات من بعد ديني صليبي مؤكد يفصح عنه لسان المقال حيناً، ولسان الحال في معظم الأحيان.
وبموازاة هذا، هناك الدافعان الإستراتيجي والاقتصادي، واللذان مارسا دوراً خطيراً في صراع الغرب مع الشرق، وعالم المسيحية مع عالم الإسلام.. هذا إلى جانب التغاير الثقافي الذي يقود إلى التغاير الحضاري، والذي دفع هو الآخر باتجاه الصراع متمثلاً بالغزو الثقافي حيناً، وضغوط وتحديات العولمة حيناً آخر.
باختصار شديد يبدو أن عوامل الاصطراع تملك حضوراً مؤكداً في العلاقة بين الطرفين، وهو حضور ينطوي على عمق زمني واسع ممتد في مجرى التاريخ.. ولا يزال الأوروبيون- من جهتهم- يتذكرون محاولات الاختراق الإسلامي من الغرب (الأندلس)، ومن الشرق (الدولة العثمانية).. ولا تزال موقعة «تور بواتييه» (بلاط الشهداء) التي هزم فيها «عبد الرحمن الغافقي»، عام ١١٤هـ تمثل حضوراً مؤكداً في الذاكرة الأوروبية باعتبارها محاولة إسلامية متقدمة لاختراق الغرب المسيحي والمفكر الفرنسي الحر (برنارسيشير) في مقال له بعنوان (الحجاب، العرب، ونحن) يقول مذكراً بحوادث ۱۹۹۲م في فرنسا بخصوص الحجاب حين تحجبت بعض الفتيات (المسلمات) في (الليسيه) تحركت الطبقة السياسية وراح يدلي كل بدلوه حول الاحترام الواجب تجاه بلد الضيافة، حتى أن أحد الوزراء هذه باتخاذ موقف واجتمعت الهيئة الدستورية في حين كان يعلن بعض المثقفين. جهاراً، أن الوطن العلماني في خطر!!
ويمضي (سيشير) إلى القول بأنه مهما بلغت قدرة عملاء العروض المشهدية على التلاعب والتأثير، وهم لم يترددوا في ممارستها بوقاحتهم المألوفة. فإن حادثاً كهذا لا يكتسب مثل هذه الأهمية ولا يثير مثل هذه الأصداء، إلا إذا كان يمس الطبقات العميقة من الوعي الجماعي. وبما أن من تحرك هذه المرة ليس من أتباع (الساسة الفاسدين) وإنما من المفكرين اللامعين الذين اجتاحتهم فجأة موجة الغضب المفرط، فيجب أن نبحث عن الدوافع البعيدة.. إنها أعراض (بواتييه) المرضية!! التي تشهد على جهلنا العميق بحقائق الإسلام كما تشهد في الوقت نفسه على عودة غريبة للمكبوت تجعل المسلم يحل وقتياً محل اليهودي في الاستيهام العنصري والمتوتر الغيرية قوية تنذر وتهدد.. «إنه النسيان المذهل والنفي المجنون لأفضال الحضارة الإسلامية على الغرب. ولقد لعبت الكنيسة المسيحية في إطار هذا الكبت الكبير دوراً لا تحسد عليه أبداً، وآن الأوان لكي تعترف بذلك خصوصاً وأنها سلبت الكنز الثمين الذي وصلها من الفكر الإسلامي، ثم عملت على طمس معالمه المدهشة».
وبموازاة هذا كله شهد الطرفان حلقات من الحوار (السلمي) والنشاط الدبلوماسي والتبادل الحضاري، بدءاً من زمن البيزنطيين والفرنجة وانتهاءً باللحظات الراهنة، حيث شهدت العصور الأموية والعباسية والمتأخرة والصليبية والاستعمارية مساحات للحوار، بغض النظر عن مدى التكافؤ بين الطرفين.
إذن فإن إمكانية إيجاد مساحة للحوار في اللحظات الراهنة أمر ممكن في ضوء المعطيات التاريخية.. إلا أن خلط الأوراق في هذا الحوار هو الأمر غير الممكن والذي قد يقود إلى نتائج معاكسة أو طرق مسدودة في أفضل الأحوال.
فإن الحوار الديني في مسائل العقيدة أمر لا يأتي بطائل لأن التغاير موغل في العمق، وممتد من الطول إلى الطول.. فما بين التثليث والتوحيد، مسافة أربعين ألف خريف لا يمكن عبورها بكل حال من الأحوال…
كما أن حوار المغلوب مع الغالب لن يتمخض هو الآخر عن شيء، بل على العكس سيجرد المغلوب مما تبقى، ويضع المكاسب كلها في جيب الغالب...
فإذا تجاوزنا هاتين الحالتين، فإن الأبواب تظل مشرعة، والإمكانات قائمة للحوار والتقارب بين الطرفين، وبخاصة إذا ما وضعنا في الحسبان الضرورات السياسية والإستراتيجية التي تحتم على الشرق الإسلامي البحث عن فرص لكسب هذا الطرف أو ذاك في دوامة الصراع الدولي الراهن!
هذا إلى الضرورة الدعوية التي تتطلب انفتاحاً على الغرب يتيح للدعاة، وللجاليات الإسلامية عموماً فرصة التحرك لكسب المزيد من الغربيين إلى الإسلام، وهي الظاهرة التي نشهدها صباح مساء، والتي تبشر بمستقبل واعد لهذا الدين.