; منهج الإسلام في تطهير المجتمع من المعاملات الخبيثة (٢ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان منهج الإسلام في تطهير المجتمع من المعاملات الخبيثة (٢ من ٢)

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر السبت 10-يونيو-2006

مشاهدات 58

نشر في العدد 1705

نشر في الصفحة 52

السبت 10-يونيو-2006

  • اهتم الإسلام بتهيئة ميادين الكسب والعمل النظيفة حتى لا يكون هناك عذر لأحد بأن الأبواب مغلقة إلا من باب المعاملات الخبيثة.

  • كان فرض الزكاة هو الخطوة الأكثر فاعلية في تطهير المجتمع من تلك المعاملات.

د. السيد محمد نوح- أستاذ الحديث وعلومه -كلية الشريعة -الكويت               

في العدد السابق وضعنا فضيلة الشيخ وجها لوجه مع المنهج الإسلامي الرباني, وكيفية تصحيح الاعوجاج وتطهير المجتمعات مما يكون قد استقر بها من معاملات مريضة خبيثة، فبين لنا أن وسائل الإسلام في هذا الركن من الميدان تتعدد وذكر منها تحريم الإسلام لهذه المعاملات مفرقًا في ذلك بين نوعيها، فما كان من هذه المعاملات الخبيثة أصيلا في حياة الناس متمكنا منها، سلك في تحريمه سبيل المرحلية والتدرج، أما ما لم يكن أصيلا وإنما يقع عرضًا في حياة الناس، فقد حرمه دفعة واحدة، كما ذكر حض الإسلام على النتاج بالدعوة إلى العمل والكسب الحلال، وتحريم المسألة إلا عند الضرورة القصوى، وإلى جانب هاتين الوسيلتين أو الخطوتين، فقد خطا الإسلام خطوات، وأضاف وسائل وهي موضوع هذا العدد.

3- تهيئة ميادين الكسب والعمل النظيفة:

لئلا يكون هناك عذر لواحد من الناس بأن الميادين مغلقة إلا من المعاملات الخبيثة إذ عندما هاجر ﷺ إلى المدينة المنورة، وجد أن سوق المدينة تقع في بني وقامت السوق قوية منظمة، فكان قينقاع، وكانوا على أسلوبهم الخبيث من أكل السحت وعبادة المال والربا، ووجد أن كل صور الاستغلال البشعة مفروضة على الناس في هذه الأسواق، فاليهود يبيعون الأماكن أو يؤجرونها أو يحتكرونها ويفرضون الرسوم على كل ما يباع في السوق، وأكبر من ذلك كله سيطرتهم على السوق، وإخضاع كل مظاهرها لتقاليدهم من الكذب والخداع والغش والاحتكار: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: ۷۵), فرأی رسول الله ﷺ أنه لابد من المواجهة لهم في الميدان، وتحويل السوق، وجعل الهيمنة عليها في أيدي المسلمين فأنشأ سوقا جديدة لا تبعد كثيرا عن سوق بني قينقاع حيث ضربت قبة -خيمة- كبيرة، لتكون رمزًا وعلامة يتجمع حولها المسلمون للبيع والشراء... فاغتاظ اليهود وتجرأ كعب بن الأشرف العدو اللدود للإسلام وهدم القبة.. بيد أن رسول الله ﷺ لم يشأ أن يجعل لهذا النصر الصغير قيمة «فقال: والله لأضربن له سوقًا هو أغيظ له من هذا..» وفي رواية «لا جرم لأنقلنها إلى موضع هو أغيظ له من هذا». ومضى إلى مكان فسيح وصالح وضرب فيه برجله، وقال: «هذا سوقكم لا تتحجروا ولا يضرب عليه الخراج» يعني لا يضيق بعضكم على بعض ولا تنافسوا في حيازة الأماكن في السوق ووضع اليد عليها واستغلالها. وقامت السوق قوية منظمة، فكان للخيل مكان وللإبل مكان، وللتمر مكان وللقمح مكان.. وهكذا كل سلعة لها مكانها المعروف المنظم».([1])

ومن أهم الأخلاق والمبادئ التي أكدها صلى الله عليه وسلم في هذه السوق التالي:

- حرية السوق، حيث حظر أن يؤخذ من أحد خراجًا أي رسومًا.

- إتاحة الفرص المتكافئة للجميع على السواء، حيث منع أن يحتكر أحد لنفسه مكانًا في السوق أي يحوز منطقة, ويدعي أنها خاصة به, ولما ظهرت صورة من صور الاحتكار والتحكم, بادر بإزالتها أمام أهل السوق، فقد رأى ﷺ خيمة لمحمد بن مسلمة يباع فيها تمر, فغضب وأمر بإحراقها([2]) لما في ذلك من شبهة احتكار الأماكن، واحتمال وضع اليد عليها.

- تعهد السوق ومراقبتها، وقد تولى صلى الله عليه وسلم ذلك بنفسه، وحين ضبط التاجر الغشاش الذي وضع الطعام الجيد أمام الأنظار ليستر به ما تحته من طعام مغشوش أعلن في الناس: «من غشنا فليس منا».([3])

- السماحة والتساهل؛ إذ المؤمن سمح سهل إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى ورأى صلى الله عليه وسلم تاجرًا يبيع صنفًا جيدًا بأرخص مما عليه السوق فلما علم منه أنه يحتسب ذلك ابتغاء مرضاة الله، أعلن إلى أهل السوق جميعًا: «أبشروا فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، وإن المحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله»([4])، وقال أيضًا: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»([5]) وهكذا سدت هذ الميادين الجديدة الطاهرة النظيفة البادئة في وجه كل المعاملات المحرمة الخبيثة. . 

4- الحض على الاقتصاد في النفقات: على معنى أن يقتصر المسلم على الضروريات التي لا تقوم الحياة إلا بها، مع الترفع قدر الإمكان على الكماليات، فقد دعا الإسلام وهو يطهر المجتمع من المعاملات الخبيثة إلى الاقتصاد في المعيشة لئلا تجاوز حاجات المسلم موارده، فيقع تحت وطأة المعاملات المحرمة وغير المشروعة. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:31).

وقال رسول الله ﷺ: «المسلم يأكل في معي واحد، والكافر في سبعة أمعاء»([6]) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدنية من طعام بُر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض». ([7])

وقد اقتدى به صلى الله عليه وسلم سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين من بعد، فكان عيشهم كفافًا، ولا هم لهم من الدنيا إلا أنها معبر أو قنطرة توصل للآخرة, دخل عمر بن الخطاب على ابنه عبد الله رضي الله عنهما فرأى عنده لحمًا، فقال: ما هذا اللحم؟ قال: اشتهيته، قال: وكلما اشتهيت شيئًا أكلته؟ كفى بالمرء ترفًا أن يأكل كل ما اشتهاه.([8])

5- فرض الزكاة: فكانت الخطوة أكثر فاعلية وتأثيرًا في تطهير المجتمع من المعاملات الخبيثة، قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: 103). وأثناء الحديث عن تحريم الربا في صورته النهائية، جاء الثناء على المؤمنين الذين حققوا معنى الإيمان في نفوسهم، بعمل الصالحات لا سيما الصلاة والزكاة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277). 

فشهادة علماء الغرب حول دور الزكاة في إمداد ذوي الحاجات بما يسد حاجتهم وبما يغنيهم. ويتحدث «أرنولد» في كتابه الدعوة الاسلامية عن شعائر الإسلام فيذكر الحج الإسلامي ومزاياه وجليل أهدافه، ثم ينتقل إلى الزكاة فيقول: «وإلى جانب نظام الحج نجد إيتاء الزكاة فرضًا آخر يذكر المسلم بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وهي عبقرية دينية تتحقق على صورة رائعة تبعث على الدهش في المجتمع الإسلامي، وتتجلى في أعمال الثقة إزاء المسلم الجديد، ومهما كان جنسه ولونه وأسلافه فإنه يقبل في زمرة المؤمنين، ويتبوأ مكانه على قدم المساواة مع أقرانه المسلمين».([9])

وينقل عن «ماسينيون» المستشرق الفرنسي الشهير قوله: «إن لدين الإسلام من الكفاية ما يجعله يتشدد في تحقيق فكرة المساواة، وذلك بفرض الزكاة التي يدفعها كل فرد لبيت المال، وهو يناهض الديون الربوية, والضرائب غير المباشرة التي تفرض على الحاجات الأولية الضرورية، ويقف في الوقت نفسه إلى جانب المِلكية الفردية ورأس المال التجاري وبذلك يحل الإسلام مرة أخرى مكانًا وسطًا بين نظريات الرأسمالية البرجوازية ونظريات البلشفية الشيوعية.([10])

6- الحض على القربات المالية الأخرى سوى الزكاة: وحين لا تكفي الزكاة لسد حاجة الفرد والجماعة يدعو الإسلام إلى بذل القربات المالية الأخرى سوى الزكاة كالصدقة، والهبة، والهدية, والوصية والقرض، وما إلى ذلك بما يحقق الكفاية، وبالتالي يقطع الطريق على المعاملات الخبيثة المحرمة، وللإسلام أسلوبه الفريد في ذلك فإنه يصف الصدقة بأنها قرض لرب العزة خالق هذا الكون ومالكه، ومدبر أمره، وبأن هذا القرض يعود لصاحبه إضعافًا مضاعفة ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245)

وقال صلى الله عليه وسلم «كل قرض صدقة».([11])

7-الترغيب في التيسير على المعسرة: فلم يقف الإسلام في تطهير المجتمع من المعاملات الخبيثة عند حد ما تقدم، بل زاد عليها الترغيب في التيسير على المعسر إما بإنظاره وقبول التأجيل له وإما بالتجاوز والصدقة، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر ويضع عنه».([12]) وذلك هو منهج الإسلام في تطهير المجتمعات من المعاملات الخبيثة، وهو منهج فريد، يحرص على البناء قبل الهدم وإحلال الطيب مكان الخبيث، لئلا يبقى لواحد من الناس حجة أو عذر. فهل آن الأوان لأن نعود -نحن المسلمين -إلى كتاب ربنا وسنة نبينا نتبعهما، ونقتفي أثرهما، ونترسم خطاهما، فنسعد بالحياة، وتسعد الحياة بنا, «فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشفى».

([1])  انظر في أخبار سوق المدينة: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي 2/ ٧٤٧ -٧٤٨

([2])  الحديث أورده السمهودي في وفاء الوفاء 2/ ٧٤٩ من حديث ابن أبي ذئب ذلك بما بلفظ أن رسول الله ﷺ «مر على خيمة عند موضع دار المنبعث ....»

([3])  الحديث أخرجه مسلم في الصحيح -كتاب الإيمان، باب قول النبي: من غش فليس مني

([4])  الحديث أورده السمهودي في وفاء الوفاء 2/ ٧٥٦-٧٥٧ من حديث ابن المغيرة 

([5])  رواه ابن ماجه والحاكم.

([6])  الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الأطعمة، ومسلم في الصحيح: كتاب الأشربة

([7])  الحديث أخرجه البخاري في الصحيح -كتاب الرقاق: باب كيف كان عيش النبي وأصحابه.

([8])  الأثر أورده الكاندهلوي في حياة الصحابة 2/ ٢٨٤ – ٢٨٥

([9])  فقه الزكاة د. يوسف القرضاوي 2/ ۱۱۲۲، ۱۱۲۳

([10])  المصدر السابق.

([11])  رواه الطبراني

([12])  رواه مسلم وغيره

الرابط المختصر :