العنوان مرصد » فاروس » للحريات الدينية
الكاتب د. زينب عبدالعزيز
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012
مشاهدات 54
نشر في العدد 2025
نشر في الصفحة 26
السبت 27-أكتوبر-2012
· تم افتتاحه في باريس عاصمة فرنسا التي تسمى رسميًّا «الابنة الكبرى للكنيسة».
·
هدفه فرض مبدأ «حرية أن يغير الإنسان ديانته دون أن يتعرض لأي مضايقات».
·
يهتم بالإشارة المبكرة إلى أي تعديات على حرية تغيير
الديانة في إلتفاف على حد الردة في الإسلام.
·
البابا طالب المسيحيين عند زيارته للبنان بالقيام بعمليات
التنصير بكل جرأة لأنه يعتمد على ترسانة من القوانين الدولية.
·
القوى الغربية الأكثر علمانية أدركت أن الدين يؤدي دورًا
مهمًا في العلاقات الدولية.. وأن إهمال هذا العامل يعني المساس بسياستهم الخارجية.
·
كل رئيس فرنسي جديد عليه التوجه إلى الفاتيكان وإلقاء خطاب
في كنيسة «سان جاك دي لاتران» لإعلان ولائه للكنيسة.
في
الثالث من أكتوبر الحالي، أفتتح الرئيس الفرنسي «فرانسوا هولاند» «مرصد فاروس لتعددية الثقافات والأديان» في باريس، «لنشر التسامح الديني عن طريق المعرفة وتشجيع أعمال المواطنين المستنيرين»..
وذلك تلبية لنداءات البابا «بنديكت ١٦»، الذي لم يكف عن ترديد صيحاته من أجل تطبيق ما يطلق عليه «الحرية الدينية»، وتعني هذه العبارة في المفهوم الفاتيكاني «حرية أن يغير الإنسان ديانته دون أن يتعرض لأي مضايقات»، وهي من المطالب الأساسية التي أقرها «مجمع الفاتيكان الثاني»
(١٩٦٢ - ١٩٦٥م)، إضافة إلى كل ما قرره وفرضه من قوانين.
لذلك
يطالب البابا أن تكون الحرية الدينية كحق مدني واجتماعي تكفله الدولة، بمعنى أن
تكون كمكتسب حضاري وسياسي وقانوني يُخضع المتهاون فيه للمساءلة القانونية الدولية!
الحرية
الدينية
وعودة
إلى العام الماضي لمتابعة مدى إصرار البابا على تنفيذ هذه الفكرة، نشير إلى أنه
كرر عبارة «الحرية الدينية» في الخطاب الذي ألقاه أمام السلك الدبلوماسي في الفاتيكان
في ١٠ يناير ۲۰۱۱م، ۱۹ مرة!
ولم
يكفّ عن الإشارة إليها في كل خطبه توطئة لكل الترتيبات التي كان قد أعدها ويتم
تنفيذها تباعًا، ويعتمد في مطلبه هذا على البند (رقم ۱۸)
من الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، على أن تكون حرية تغيير
الديانة كحق مدني واجتماعي تكفله الدولة لكل مواطن أيًا كانت عقيدته، والغرض من
هذا هو التحايل على حد الردة في الإسلام.
لذلك
طالب المسيحيين عند زيارته للبنان الشهر الماضي بعدم الخوف من الإعلان عن
مسيحيتهم، وأن يقوموا بعمليات التبشير (التنصير) بكل جرأة وعدم الخوف؛ لأنه «يعتمد على ترسانة من القوانين الدولية» التي ستعاونه على تحقيق ذلك.
وتنص (المادة ۱۸) التي يستند إليها «بنديكت ١٦» في بيان حقوق الإنسان على ما يلي: «أن كل فرد يحق له التمتع بالحرية الفكرية وحرية العقيدة
والدين، وهذا الحق يتضمن حرية تغيير الديانة أو العقيدة، وكذلك حرية الإعلان عن
الديانة أو العقيدة مفردًا أو جماعة في المجال العام أو الخاص، في التعليم
والتطبيق والعبادة والطقوس».
منحى
سياسي
وقد
بدأت هذه الفكرة تتزايد تضامنًا مع مسيحيي الشرق الأوسط أيام الإعداد لـــ
«سينودس»
الأساقفة الذي أقيم في أكتوبر ۲۰۱۰م، إلا أنها سرعان ما
اتخذت منحى سياسي موازيًا لما هو متّبع في الولايات المتحدة في نفس المجال، ويهتم
هذا المرصد الجديد بالإشارة المبكرة إلى أي تعديات على حرية العقيدة وحرية التعبير
الدينية في العالم وخاصة تغيير الديانة، لأن «الربيع العربي يثير القلق من تزايد الوجود الإسلامي»، كما يرددون.
ولا
شك في أن الدافع هنا إستراتيجي وفقًا لما أعرب عنه مجلس وزراء الخارجية الأوروبي
في يونيو ۲۰۰۹م بحضور ۲۷ وزيرًا من وزراء الخارجية موضحًا:
«أن القوى الغربية الأكثر علمانية
تتبين أن الدين يؤدي دورًا مهمًا في العلاقات الدولية، وأن إهمال هذا العامل يعني
المساس بسياستهم الخارجية».
مطاردة
الإسلام
واللافت
للنظر أن يقوم بعدها مباشرة «برنار كوشنير» في نفس شهر يونيو ۲۰۰۹م بإنشاء «إدارة لمراقبة الأديان» في وزارة الخارجية الفرنسية..
ويعد هذا الإجراء سابقة هي الأولى من نوعها في الحكومة
الفرنسية أو في الاتحاد الأوروبي، كما يفسر كل المحاولات
المتتالية التي تتم في فرنسا خاصة وفي أوروبا بصفة عامة، وسرعة إيقاع تزايد
تصريحات وإجراءات المطاردة الإسلام والمسلمين.
ومع
تزايد النقاش حول حرية التعبير وحرية العقيدة في الآونة الأخيرة، خاصة منذ عام
۱۹۹۹م مع نشر الرسوم المسيئة للرسول ﷺ، حاولت بلدان «منظمة المؤتمر الإسلامي» العمل على أن تتولى منظمة «اليونسكو» إصدار قرار ضد الإساءة للأديان، إلا أن الاتحاد الأوروبي
وفرنسا تحديدًا اعترضت على هذا المطلب بشدة؛ لأنه سلاح يستخدمونه وفقا لأهوائهم.
تكثيف
الجهود
وما
تقوم به فرنسا حاليًا، نظرًا لدورها الخاص تجاه المسيحيين في الشرق الأوسط، هو
تكثيف الجهود بحيث تكون الخطوط الأساسية للاتحاد الأوروبي عبارة عن التأكيد على
تنفيذ قرار الحرية الدينية.
ويقول أحد العاملين بوزارة الخارجية الفرنسية: «إن الفكرة ليست محاكاة نموذج العقوبات الأمريكي، لكن أن نمنح أنفسنا وسائل الحصول على نتائج محددة في الأعوام القادمة، ويمكننا اقتراح ارتباط بناء للبلدان التي تود التعاون معنا في حماية أقلياتها المسيحية».
ويُفهم
من هذه العبارة أن النيّة متجهة إلى التلويح بإغراءات معينة لقيادات البلدان
الإسلامية التي ستتواطأ معها لمحاصرة الإسلام، وتصعيد وجود الأقليات المسيحية
مثلما هو متّبع في لبنان، حيث إن عدد المسيحيين هناك بكل فرقهم لا يتجاوز ۱۸% من التعداد، إلا أن فرنسا أيام فرضها الوصاية هناك قامت
بترتيب أن تكون لبنان دولة مسيحية، ويكون رئيس الدولة مسيحيًا ورئيس الوزراء مسلمًا،
أما البرلمان فتكون عضويته مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك الوظائف
الحكومية.. ثم يتحدثون عن احتقان النفوس، وأن المسلمين يضطهدون الأقليات المسيحية، لأنهم
متعصبون وإرهابيون!
أحوال
الأقليات
أما
الوضع في أمريكا التي يحاكونها، فقد تبنى «الكونجرس» سنة ١٩٩٨م قانون «الحرية الدينية الدولية»، واضعًا تفعيل هذه الحرية في قلب سياسة الدولة الأمريكية،
وتم إنشاء مكتب في الإدارة الأمريكية لمتابعة أحوال الأقليات، وإصدار تقرير سنوي
يتعلق «بالبلدان المقلقة» أو «التي تضطهد الأقليات المسيحية»، على حد زعمهم.
وحتى
الآن كان المجلس الأوروبي يقوم بدوره في مراقبة «حرية الفكر والعقيدة والدين» في البلدان الأعضاء عن طريق المحكمة الأوروبية لحقوق
الإنسان، لكن قليلة هي البلدان التي أدخلت هذا البُعد في سياستها الخارجية حتى
الآن.
وتشير
المقالات التي تناولت موضوع افتتاح «مرصد فاروس» إلى أن الأصوات المنادية بتفعيل هذا القرار تنطلق أساسًا
من مسيحيي الشرق الأوسط، سواء المقيمين به أو الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة.
وما
تقوم به فرنسا حاليًا، نظرًا لدورها الخاص تجاه المسيحيين في الشرق الأوسط هو
تكثيف الجهود بحيث تكون الخطوط الأساسية للاتحاد الأوروبي هي التأكيد على ضرورة
تطبيق قرار الحرية الدينية وحرية المعتقد، ولمن يستغرب لموقف فرنسا هذا نذكره بأن
اسمها رسميًا «الابنة الكبرى للكنيسة»، وأن كل رئيس فرنسي يتولى رئاسة الدولة عليه أن يتوجه إلى
الفاتيكان وإلقاء خطاب ولائه للفاتيكان في كنيسة «سان جاك دي لاتران» التي يترأسها رسميًا، إلا إن كان هناك ما يحول دون دخوله
الكنيسة كالرئيس الحالي ووضعه الأسري غير الشرعي بالنسبة للكنيسة، لكن ذلك لا
يمنعه من القيام بالتزاماته حيال الفاتيكان بموجب الاتفاقية الدولية الموقعة بين
الدولتين في العصور السابقة، والتي تتحمل فرنسا رسميًّا بموجبها ثلثي تكاليف
عمليات التبشير والتنصير من أموال وأشخاص ومعدات.
انحياز
للتنصير
واسم
المرصد مستوحى شكلًا كما هو معلن من اسم جزيرة «فاروس» التي شيّد عليها «فنار الإسكندرية»، ورمزًا أو كناية نسبة إلى المكان الذي يقال:
إن القديس «يوحنا» قد اعتكف فيه لكتابة الإنجيل المعروف باسمه! وهو ما يؤكد الجانب التنصيري أو الانحيازي للمرصد، ويكشف
عن حقيقة مقاصده لتحقيق ما يسعى إليه البابا من تطبيق النموذج اللبناني على بلدان
الشرق الأوسط، بمعنى أن تكون الأقلية المسيحية هي الحاكم الفعلي للبلد، وذلك
لسهولة التضامن مع الكيانات الغربية الساعية إلى التوغل في الشؤون الداخلية اعتمادًا
على القوانين التي لا يكفون عن إصدارها!
ميزانية
مبدئية
وقد
خصصت للمرصد ميزانية مبدئية بمبلغ ٨٥٠ ألف يورو ، تتحملها وزارة الخارجية الفرنسية
وبعض الميزانيات الخاصة التي لم يفصح عنها، وتقول السيدة «ميراي دلماسمارتي»، رئيسة المرصد: «إن نظام العولمة تصاحبه عملية تصعيد في المساس بالحريات الأساسية
للدين والتعبير؛ لذلك سيتم الاهتمام أولًا ببلدان ما حول البحر الأبيض المتوسط،
إضافة إلى كوريا الجنوبية وكوبا وفنزويلا وإندونيسيا والهند، وستضاف أربعون دولة
حتى نهاية العام».
ومن المفترض أن يقدم المرصد معلوماته بثلاث لغات، هي الفرنسية والإنجليزية والعربية، إلا أنه بدأ حاليا بلغتين فقط ويعتمد المرصد في تجميع معلوماته وبياناته على وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية والجماعات الدينية والعقائدية وخاصة المؤسسات الدينية والكنائس المحلية على أنها الأدرى بمشكلات أتباعها، أي من المفترض أن تكون «مساحة المعلومات تدعيمًا للتسامح والمواطنة التي يجب أن تكون مكفولة للجميع أيًا كانت ثقافتهم أو عقيدتهم»، على حد قول السيدة «ميراي دلماسمارتي»، رئيسة المرصد.
بؤر
اتصال
والمرصد
كأداة لجمع المعلومات التاريخية والقانونية والإحصاءات التي تعاون على توضيح حقيقة
الموقف في كل دولة من الدول التي يتابعها يعتمد على تخصيص بؤرة اتصال مباشر في كل
بلد مكونة من الجامعيين والصحفيين المتخصصين، كما يتعاون مع أربع هيئات أساسية، هي:
مؤسسة «جرّان - هيرميس للسلام»، وهي مؤسسة دولية للأبحاث منذ سنة ١٩٦٦م، تهتم بمسألة
التربية على مبدأ السلام، ووزارة الخارجية الفرنسية والأوروبية، ومركز الدراسات
والأبحاث الدولية الذي تم إنشاؤه عام ١٩٥٢م، وهو مرتبط بمركز الأبحاث والدراسات
الوطني الفرنسي، ومركز الأبحاث السياسية الذي أُنشئ سنة ١٩٦٠م ومتخصص في تحليل
التيارات السياسية الكبرى والعوامل التي تساعد على توجيه التصرفات والمواقف
السياسية للمواطنين.
جانب
قانوني
أما
الجانب القانوني، فإن المرصد يعتمد على البيان الدولي لحقوق الإنسان الذي أقرته
الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة سنة ١٩٤٨م وعلى الاتفاق الدولي للحقوق المدنية
والسياسية التي تبنتها الجمعية العامة لهيئة الأمم سنة ١٩٦٦م، وبيان هيئة الأمم
حول استبعاد كافة أشكال عدم التسامح والتفرقة القائمة على الدين أو العقيدة الذي
أقرته هيئة الأمم في سنة ۱۹۸۱م، وعلى اتفاقية «اليونسكو» حول حماية وتفعيل تعددية التعبير الثقافي التي أقرتها سنة
٢٠٠٥م.
وحين
نتأمل هذا الكمّ الغريب من المؤسسات والاتفاقيات والقوانين الدولية التي سيلجأ
إليها مرصد فاروس ليستعين بها في فرض قراراته، ندرك الأبعاد الحقيقية العبارة
البابا بنديكت ١٦» حينما راح يحث المسيحيين في لبنان مكررًا عبارة ألا يخشوا شيئًا، وأن يبشروا
ويعلنوا عن ديانتهم بلا أي خوف أو حرج؛ لأنه «يعتمد على ترسانة من القوانين الدولية»
لمساندتهم وحمايتهم.