العنوان المسلمون في نيجيريا ومحاولات الحفاظ على الهوية الإسلامية
الكاتب عيسي محمد ميشانو
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1245
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-أبريل-1997
إن أكبر خطر يهدد عودة المسلمين إلى دينهم في نيجيريا هو الجهل ثم التنصير
تقع الجمهورية الفدرالية النيجيرية في غربي إفريقيا وتشترك في الحدود مع كل من الكاميرون وتشاد والنيجر وبنين، ويحيطها جنوبًا المحيط الأطلسي، وهي أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، ويتراوح عدد سكانها ما بين ۹۰ – ۱۰۰ مليون نسمة، ٥٥ – ٧٠٪ منهم مسلمون، وهي دولة تتمتع بثروات هائلة أدمية منها وطبيعية، وفي صدارتها النفط الذي يشكل عمود اقتصاد الدولة، وتوجد معه أيضًا أراض واسعة خصبة وأمطار غزيرة والغاز الطبيعي والذهب والحديد واليورانيوم والقطن والكاكاو... إلخ.
ونيجيريا عضو قوي في منظمة الدول المصدرة للبترول OPEC وتحتل الدرجة السابعة في تصدير النفط على مستوى العالم.
ويوجد في هذا البلد أكثر من ٤٠٠ لغة وأشهرها: «هوسا» و«يوربا» و«إيبو»، ولكن رغم هذا التنوع يلاحظ شيء من الاستقرار وعدم خضوع البلد لتكهنات علماء الغرب.
نبذة عن تاريخ الإسلام في نيجيريا
لم يتفق المؤرخون على وقت محدد لوصول الإسلام إلى نيجيريا الحالية ولكن غالبيتهم يرجحون وصوله في القرن السابع الميلادي وفي عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب –رضى الله عنه-، وكانت لبلاد السودان - كما كانت المنطقة تسمى في القديم - صلة تجارية بالمغرب العربي منذ وقت طويل بواسطة القوافل التي تعبر الصحراء، ومن السلع المتبادلة في هذه التجارة الذهب والعاج والسيوف والملح.
وقد انتشر الإسلام في المنطقة عن طريق التجار العرب بسلوكهم وأخلاقهم الإسلامية، وقد كان في «كانم بورنو» منذ وقت طويل أمراء مسلمون يحكمونها، وأمير دويلة «كانو» في القرن الخامس عشر محمد رمفا (١٤٦٣ – ١٤٩٩م) كان مسلمًا يحكم بالإسلام، وحين زاره الشيخ عبد الكريم المغيلي التلمساني طلب الأمير منه أن يكتب له كتابًا عن الحكم والإدارة في ظل الإسلام وقد استجاب الشيخ التلمساني بكتابة رسالة بعنوان «تاج الدين فيما يجب على الملوك»، وقد زار هذه المنطقة أيضًا الإمام الجليل عبدالرحمن السيوطي ونشر فيها العلم والإسلام.
ودون أدنى شك فإن أكبر حدث غيَّر وجه هذا البلد وما جاوره إلى الإسلام الحقيقي هو جهاد الشيخ عثمان بن فودي، وما أشبهه بجهاد الأوائل في مراحله، من دعوة عامة وإعداد الكوادر واضطهاد المؤمنين ثم الهجرة ثم الجهاد وتأسيس حكم الله على المنطقة تحت قيادة الشيخ عثمان وقد استمر وجود هذه الخلافة المعروفة «بخلافة صُكُتُو» من وقت تأسيسها في ١٨٠٤م إلى وقت تغلب قوات المستعمرين على جيوش الخلافة في ۱۹۰۳م – استمرت لمدة قرن كامل تحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكانت اللغة الرسمية هي اللغة العربية للمنطقة وهذا ما يدل على صلة المنطقة بالعالم العربي والإسلامي حينذاك.
الاستعمار وحركة التنصير
أرسل الاستعمار البريطاني عيونه إلى هذه المنطقة في عهد محمد بللو في حين كانت الخلافة في ذروة قوتها، لذلك لم يروا فيها منفذًا فعادوا خائبين ثم رجعوا مرة أخرى بعد سنوات عديدة واستولوا حينذاك على الجنوب، وقد ساعدهم على ذلك أن سكان هذه المناطق كانوا وثنيين واشتغل فيهم المنصرون وأسسوا لهم مدارس، وكان من سياسة المستعمرين أن الذي يعمل في مكاتبهم أو الذي يريد أن يكون له نفوذ في الناس لا بد أن يدرس في المدارس العصرية التي أسسها المنصرون، مسلمًا كان أو مسيحيًا أو وثنيًا وقد تنصر كثير من أبناء المسلمين عن طريق هذه المدارس وإن رجع بعضهم إلى الإسلام فيما بعد، وهذا المخطط الاستعماري - التنصيري قد نجح في جعل المسلمين في مؤخرة القافلة فيما يتعلق بإدارة أمور البلاد وخاصة في الفترة من الخمسينيات إلى السبعينيات لأن كثيرًا من المناصب العليا شغلها النصارى، هذا مع أنه في معظم تاريخ البلد بعد الاستقلال كان الحاكم مسلمًا وفي الجانب الاقتصادي أيضًا نرى أن غير المسلمين يسيطرون عليه بصورة واضحة مع أن للمسلمين الأغلبية الساحقة.
التنصير ووسائله في نيجيريا
إن أكبر خطر يهدد عودة المسلمين إلى دينهم في نيجيريا هو الجهل ثم التنصير الذي نرى بوادر نجاحه في قبيلة «فلاني» وهي قبيلة الشيخ عثمان بن فودي؛ حيث استهدفها المنصرون لظروف التنقل فيهم ورعاية مواشيهم، والتنصير في نيجيريا يركز على جوانب عدة من أهمها التعليم كما سبق الذكر فهم يؤسسون المدارس في كل أنحاء البلد برعاية المستعمرين قبل الاستقلال (في ١٩٦٠م) وبعده بحجة حرية ممارسة الدين في كل انحاء البلاد، ويؤسسون هذه المدارس في القرى ويقتحمون غابات وعرة للوصول إلى الوثنيين أو المسلمين الذين تركهم بقية المسلمين ويقدمون لهم كل ما يحتاجون إليه من ملابس وطعام وتسهيلات أخرى، وهذا ليس بغريب إذا عرفنا أنه توجد ملايين من الدولارات المخصصة لتنصير قرى نيجيريا.
ومن الوسائل التي يستخدمونها توزيع المنشورات وترجمات الكتاب المقدس باللغات المحلية وقد تم ترجمة العهد الجديد إلى أهم لغات البلد قبل هذا القرن، بيد أن ترجمة معاني القرآن الكريم لم تصدر إلا في بداية الثمانينيات من هذا القرن.
ومن الوسائل المؤثرة جدًا في النفوس لدى المنصرين استغلال ضعف الإنسان عن طريق قضية العلاج للفقير ومواشيه، وكم أثر هذا في المسلمين ضعاف الإيمان فضلوا عن سبيل الله فالمنصرون يؤسسون المستشفيات للناس والحيوانات في أنحاء البلد وخاصة في القرى النائية.
ويهتم المنصرون في نيجيريا بتعليم الإسلام في الجامعات لتحريفه ولتشويه صورته في مواعظهم العامة، كما يقومون أيضًا -أي نصارى البلد- وهم يسيطرون على وسائل الإعلام بالهجوم على الإسلام وعلى الحكومة كلما رأوا فيها شيئًا له أدنى صلة بالإسلام وإن كان الإسلام بريئًا منه.
جهود المسلمين في مواجهة الحملة التنصيرية
إن المسلمين في نيجيريا كغيرهم في البلدان الإسلامية الأخرى يحبون الإسلام ويعتزون به ويتحمسون له كما يشتاقون إلى نوره وهدايته ولكننا مع هذا نجد فيهم حقيقة مؤسفة مصداقًا لقول الله عز من قائل: ﴿... وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٦).
وقد قال أحد العلماء إنه يوجد في نيجيريا «١٠٠١» منظمة إسلامية، ولكن مع الأسف تأثيرها في سياسة البلد ومقاومة أعداء الإسلام معدوم أو شبه معدوم، لا يتكلم المسلمون بصوت واحد ولا تجمعهم كلمة واحدة، عكس ما تجد في النصارى كما قال تعالى عنهم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ﴾ (الحشر: ١٤) وهذه المنظمات المستفيضة منها ما أسس خصيصًا لمحاربة بعضها إلا أن الوضع لا يدعو إلى اليأس، ووعد الله نافذ في إتمام نوره فنجد قلة من هذه المنظمات التي يقودها علماء وشباب من خريجي الجامعات الإسلامية في الأزهر الشريف وفي المدينة المنورة وفي إسلام أباد وجامعات أخرى داخل البلاد يحاولون جمع شمل المسلمين وتوضيح الإسلام في صورته الحقيقية وأنه لا يدعو إلى البغضاء والعداوة والتشتت والتشرذم، ولكنه يدعو إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، وأن الإسلام لله ولكل المسلمين، ليس لفرقة دون باقي الفرق وإن سبب هذا كله هو الجهل بالإسلام وبمنابعه الأصيلة وفهمها على الوجه الصحيح.
وفي الجانب الآخر يوجهون جزءًا من طاقاتهم إلى مواجهة مخططات المنصرين والمنظمات المسيحية القوية داخل البلد من أمثال (CAN) جمعية النصارى في نيجيريا وهم يخططون كثيرًا للقضاء على الإسلام ويهددون الحكومة أحيانًا بتصريحاتهم.
مشاكل مسلمي نيجيريا في العمل الإسلامي ومواجهة التنصير
كما سبق أن أشرنا أن مسلمي نيجيريا انقسموا إلى مجموعات متعددة، فهم يعملون ويتصدون للدفاع عن الإسلام من هجوم المنصرين بقوي مشتتة موزعة، ويفتقدون أيضًا إلى تجارب المسلمين من البلاد الإسلامية الأخرى التي نجحت بهم، وهذه الحقيقة لها صلة بمشكلة أخرى، وهي تتمثل في ضعف إمكاناتهم أو عدمها كليًا في بعض الأحيان، ولكن في الجانب المقابل نجد النصارى يبذلون النفس والنفيس في محاولة إغواء أبناء المسلمين عن دينهم الحنيف بما يملكونه من أموالٍ باهظةٍ تأتيهم من المنظمات التبشيرية العالمية، وهم يتصلون بالمسلمين في كل أنحاء البلاد بكل سهولة، أما المسلمون فيشاهدون ما يجري لإخوانهم ويقتلهم الأسى حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون لإنقاذهم من براثن التبشير في هذا المجال لقلة احتكاكهم واستغلاله.
ونجد بعض المنظمات التي أسست مدارس إسلامية ومجموعات دعوية لمواجهة هذا الخطر سرعان ما توقفت عن مواصلة العمل لقلة إمكاناتها أو تنزوي وتضعف لضعف همة العاملين فيها، وأوضح مثال في هذا المجال هو «جماعة نصر الإسلام» التي أسسها السير أحمد بللو صُكُتو المرحوم، -رئيس الوزراء السابق لإقليم الشمال الذي قتلته اليهود- فإن هذه الجماعة ضعفت ولا تستطيع أن تقوم بشيء كبير في هذا الصدد، وهكذا نرى جماعة أخرى «جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة» التي أسست بتأثير مباشر من الشيخ أبو بكر محمود جومي المرحوم الحاصل على جائزة الملك فيصل هذه الجماعة هي الأخرى ضعفت وأصابها داء الفرقة والتنازع.
وفي الختام فإن وضع العمل الإسلامي في نيجيريا اليوم يقتضي من المسلمين من كل أنحاء العالم أن يتضامنوا ويؤيدوا إخوانهم المسلمين بالزيارات والمعونات والخبرات حتى يقووا على مواصلة العمل، فالأمة الإسلامية كل لا يتجزأ، فعلى المشتغلين بمثل هذا العمل السامي أن يولوا اهتمامهم لهذا الجزء العزيز من أمة التوحيد وأن لا يتركوها تضيع، فأمة الإسلام أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتضامن والتعازر والتعاون، فهل تجد نيجيريا الاهتمام من المسلمين الآن كما لاقت من المسلمين الأوائل؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل